وطن-أن تكون من أوائل خريجي كليات الحقوق في مصر، أو أن تحصل على تقدير مرتفع، لا يعني بالضرورة أن تجد اسمك ضمن قوائم المعينين في الهيئات القضائية.
هذه المفارقة دفعت أكثر من 1200 من أوائل الخريجين إلى تقديم تظلمات بعد استبعادهم من تعيينات هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، قبل أن تتطور القضية إلى أكثر من 800 دعوى أمام القضاء الإداري خلال أبريل ومايو 2026، وفق ما كشفته منصة «متصدقش» نقلاً عن مصادر قضائية.
وتضع هذه الدعاوى قرارات التعيين الصادرة في يناير 2026 أمام اختبار قضائي، بعدما قال مستبعدون إن تفوقهم الدراسي لم يكن كافياً لضمان حصولهم على الوظائف التي تقدموا إليها.
قرارات يناير تفتح باب الطعون
تعود القضية إلى القرارات الجمهورية الصادرة في 27 يناير 2026، والمتعلقة بتعيين دفعات 2019 و2020 في هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية. وبحسب ما أوردته «متصدقش»، حمل أحد القرارات الرقم 52 لسنة 2026 بالنسبة إلى هيئة قضايا الدولة، فيما حمل الآخر الرقم 51 لسنة 2026 بالنسبة إلى هيئة النيابة الإدارية.
وبعد إعلان النتائج، تقدم أكثر من 1200 من الخريجين بتظلمات في مارس، وفق المصادر التي نقلت عنها المنصة، بينما لم يتلق عدد منهم رداً على اعتراضاتهم. وكان بين المتظلمين خريجون من جامعات مصرية حكومية وخاصة، بينهم أوائل دفعات وحاصلون على تقديرات مرتفعة ودرجات علمية عليا.
وبحسب شهادة أحد المتظلمين التي نقلتها «متصدقش»، حصل صاحبها على المركز الثالث في دفعته بتقدير امتياز، إضافة إلى درجة ماجستير بامتياز مع مرتبة الشرف، لكنه فوجئ بعدم إدراج اسمه ضمن المقبولين.
من التظلمات إلى أكثر من 800 دعوى
لم تتوقف القضية عند التظلمات، فبحسب مصدرين قضائيين نقلت عنهما «متصدقش»، أقام المتفوقون المستبعدون أكثر من 800 دعوى أمام محاكم القضاء الإداري خلال شهري أبريل ومايو، للطعن في قرارات تخطيهم في التعيين.
وتستهدف الدعاوى قرارات تعيين دفعات 2019 و2020 في الهيئتين، ويختصم الطاعنون رئيس الجمهورية ووزير العدل، إلى جانب رئيس هيئة النيابة الإدارية أو رئيس هيئة قضايا الدولة، بحسب الجهة التي يطعنون على قرارات تعيينها.
وتتمحور مطالبهم حول إلغاء قرارات التعيين وإعادة النظر في استبعادهم، مع الدفع بأن اختيار متقدمين أقل منهم في الترتيب الدراسي، وفق ما يذكره الطاعنون، يحتاج إلى أسباب قانونية واضحة يمكن للقضاء مراقبتها.
أبناء القضاة والمؤسسات الأمنية.. اتهام يحتاج إلى حسم قضائي
من أكثر النقاط إثارة للجدل في الملف ما يتعلق بتركيبة المعينين. ففي تقارير سابقة، قالت «متصدقش» إن أبناء القضاة وأعضاء المؤسسات الأمنية والعسكرية يمثلون ما بين 55 و57 في المئة من بعض التعيينات في الهيئتين.
ويستخدم المستبعدون هذه البيانات للتشكيك في مدى اعتماد الكفاءة والتفوق الدراسي معياراً أساسياً في الاختيار. لكن هذه الادعاءات تظل موضع نزاع، ولم تتحول حتى الآن إلى حكم قضائي نهائي يثبت أن التعيينات تمت على أساس المحسوبية أو الواسطة.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الدعاوى الجديدة: هل ستكتفي المحكمة بالنظر في مدى استيفاء المعينين للشروط، أم ستفحص أيضاً الأسباب التي استندت إليها الجهات المختصة في تخطي المتفوقين؟
«أسباب أمنية» و«عدم لياقة اجتماعية»
مع وصول تقارير هيئة مفوضي الدولة إلى المحاكم، ظهرت في بعض الملفات إشارات إلى أسباب مختلفة لاستبعاد عدد من المتقدمين.
ومن بين الأسباب التي أُشير إليها في الدعاوى والتقارير: أسباب أمنية، وعدم اللياقة الاجتماعية، إضافة إلى أمور مرتبطة بأحكام أو وقائع تخص آباء أو أفراداً من أسر بعض المتقدمين. ويثير هذا الأمر سؤالاً قانونياً حساساً: ما المقصود تحديداً بـ«عدم اللياقة الاجتماعية»، وما المعايير التي يتم على أساسها تقييمها؟
كما أن بعض المستبعدين نفوا وجود أي موانع أمنية تحول دون تعيينهم، وطالبوا القضاء بفحص التحريات التي استندت إليها جهة الإدارة قبل استبعادهم.
وبحسب ما أوردته «متصدقش»، يطعن أصحاب هذه الدعاوى في مدى كفاية الأسباب التي قدمت لتبرير تخطيهم، ويطالبون بأن تكون أسباب الاستبعاد واضحة ومحددة وقابلة للرقابة القضائية.
أخطاء في البيانات تفتح سؤالاً آخر
ولا يتوقف الجدل عند معايير الاختيار. فبعض الدعاوى، بحسب المادة التي تناولت الملف، أشارت أيضاً إلى وجود أخطاء في بيانات بعض المتقدمين الواردة في مذكرات الدفاع، بما في ذلك بيانات تتعلق بالجامعة أو التقدير الدراسي.
وإذا ثبتت هذه الأخطاء أمام القضاء، فقد تصبح ذات أهمية في تقييم سلامة الأسباب التي بنيت عليها قرارات الاستبعاد. ففي قضية تقوم أساساً على المقارنة بين المتقدمين وعلى مدى احترام معايير الكفاءة، يمكن لأي خطأ في البيانات الأكاديمية أو الشخصية أن يؤثر في تقييم الملف.
الدستور وتكافؤ الفرص أمام القضاء
يستند الطاعنون إلى مبادئ دستورية تتعلق بالمساواة وتكافؤ الفرص في الوظائف العامة، إضافة إلى أحكام سابقة للمحكمة الإدارية العليا يتمسكون بها في مواجهة قرارات تخطي المتفوقين.
وبحسب ما أوردته التقارير حول الدعاوى، يرى المستبعدون أن التفوق الدراسي لا يعني بالضرورة استحقاق التعيين بصورة آلية، لكنه يجعل قرار التخطي بحاجة إلى سبب واضح ومحدد، خصوصاً عندما يتم اختيار متقدمين آخرين تقل درجاتهم أو ترتيبهم الدراسي.
ومن هنا تنتقل القضية من مجرد خلاف حول نتائج تعيينات إلى سؤال أوسع يتعلق بمعايير الوصول إلى الوظائف القضائية في مصر.
لا أحكام نهائية حتى الآن
ورغم ضخامة عدد الدعاوى، لا يعني وصولها إلى القضاء أن المستبعدين حصلوا بالفعل على حق التعيين. فالملفات ما زالت أمام القضاء الإداري، وقد بدأت تقارير هيئة مفوضي الدولة في الظهور خلال أغسطس وسبتمبر، وفق ما نقلته «متصدقش».
وبالتالي، يبقى الحكم النهائي للقضاء. لكن مجرد انتقال أكثر من 800 ملف إلى ساحات المحاكم يكشف حجم الاعتراض على نتائج التعيينات، ويضع الجهات المعنية أمام اختبار قانوني بشأن المعايير التي اعتمدت عليها في الاختيار والاستبعاد.
اقرأ المزيد
القاضي المزيّف يهز مصر.. تحقيقات تكشف كيف انتحل عاطل صفة قاضٍ داخل محكمة واستولى على ملايين الجنيهات
“المركب بتغرق”.. مقترح محمود عمارة للخروج الآمن للسيسي يفتح جدلاً حول مستقبل مصر

