وطن-في خطوة تعكس تصاعد النقاش حول مستقبل المملكة المتحدة، اجتمع قادة أبرز التيارات القومية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية في العاصمة الويلزية كارديف، ووقعوا بيانًا مشتركًا تعهدوا فيه بتنسيق جهودهم من أجل تعزيز حق شعوبهم في تقرير مصيرها، في تحرك قد يعيد ملف الإصلاحات الدستورية والاستقلال إلى صدارة المشهد السياسي البريطاني.
وضم الاجتماع زعيم الحزب القومي الاسكتلندي جون سويني، وزعيم حزب «بلايد كمري» الويلزي رون أب إيورورث، إلى جانب قيادات حزب «شين فين» الجمهوري الإيرلندي ماري لو ماكدونالد وميشيل أونيل. وأكد الموقعون أن لكل أمة الحق في تحديد مستقبلها عبر الوسائل الديمقراطية وبما يتوافق مع إرادة مواطنيها.
ويأتي هذا التحرك في توقيت بالغ الحساسية، بعدما أثارت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب في دبلن جدلًا واسعًا، إثر وصفه فكرة توحيد إيرلندا بأنها ستكون «أمرًا رائعًا». واعتُبرت تصريحات ترامب من جانب منتقدين تدخلًا في ملف شديد الحساسية بالنسبة إلى السياسة البريطانية، خصوصًا أن مسألة مستقبل إيرلندا الشمالية ترتبط مباشرة باتفاق الجمعة العظيمة الذي أنهى عقودًا من الصراع والعنف.
ولم يعلن القادة المجتمعون في كارديف عن مشروع موحد للاستقلال، إذ تختلف مواقف الأحزاب الأربعة من مستقبل العلاقة مع لندن، كما تختلف الظروف السياسية والدستورية في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية. ولهذا حرص البيان على التأكيد أن لكل حزب موقفه الخاص وجدوله الزمني، وأن كل أمة ستحدد مستقبلها بالطريقة التي تراها مناسبة.
لكن ما يجمع هذه القوى، بحسب البيان، هو الإيمان بحق شعوب اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية في أن يكون لها صوت حاسم في تحديد مستقبلها، إلى جانب تعزيز التعاون بينها في عدد من الملفات التي تتجاوز الخلاف الدستوري، من الصحة والاقتصاد إلى أمن الطاقة.
وتكتسب هذه الصياغة أهمية خاصة لأنها تحاول الموازنة بين الطموحات القومية المتزايدة وتجنب تحويل الاجتماع إلى مواجهة مؤسساتية مباشرة مع حكومة لندن. فالموقعون شاركوا في الاجتماع بصفتهم قادة أحزاب سياسية، وليس بصفتهم رؤساء حكومات محلية، وهو ما يسمح لهم بتنسيق مواقفهم من دون تقديم البيان باعتباره إعلانًا رسميًا من حكومات الأقاليم الثلاثة.
في لندن، أثار التحرك أسئلة جديدة حول مستقبل النظام الدستوري البريطاني، في وقت تحاول فيه حكومة رئيس الوزراء آندي برنهام التعامل مع مطالب متزايدة بمزيد من الصلاحيات للأقاليم والأمم المكونة للمملكة المتحدة. وكان برنهام قد أثار جدلًا في البرلمان عندما أشار إلى أن احتمال إجراء استفتاء جديد على استقلال اسكتلندا لا يختلف كثيرًا، من حيث المبدأ، عن احتمال إجراء استفتاء بشأن توحيد إيرلندا.
وتحاول الحكومة البريطانية في الوقت نفسه الحفاظ على موقف حذر بشأن إيرلندا الشمالية. فبموجب اتفاق الجمعة العظيمة، توجد إمكانية لإجراء استفتاء حول الوحدة الإيرلندية إذا رأى وزير شؤون إيرلندا الشمالية أن هناك مؤشرات كافية على وجود أغلبية محتملة تؤيد هذا الخيار. إلا أن حكومة لندن ترى أن الظروف الحالية لا تستدعي طرح هذا الاحتمال، في ظل استمرار تعقيدات المشهد السياسي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وترفض زعيمة «شين فين» ماري لو ماكدونالد هذا الموقف، وتؤكد أن للشعب الإيرلندي الحق في تقرير مستقبله، بما في ذلك تحديد ما إذا كان يريد قيام إيرلندا موحدة. وترى أن رئيس الوزراء البريطاني لا يستطيع إغلاق الباب أمام هذا الخيار، في وقت يواصل فيه حزبها الضغط من أجل وضع مسألة الوحدة الإيرلندية ضمن الأجندة السياسية.
أما في اسكتلندا، فتبدو المواجهة مع لندن أكثر مباشرة. فقد أوضح رئيس الوزراء البريطاني أن حكومته لا تعتزم السماح بإجراء استفتاء جديد على استقلال اسكتلندا، في موقف يعيد إلى الواجهة الخلاف الذي لم يُحسم منذ استفتاء عام 2014، حين صوّت الاسكتلنديون ضد الاستقلال.
غير أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي أعاد تنشيط المطالب القومية الاسكتلندية، خصوصًا أن غالبية الناخبين في اسكتلندا صوتوا لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء بريكست. ويرى القوميون أن التغير الكبير الذي طرأ على علاقة اسكتلندا بالمملكة المتحدة منذ عام 2014 يبرر منح الاسكتلنديين فرصة جديدة للتصويت على مستقبلهم.
ورغم تراجع الحزب القومي الاسكتلندي في الانتخابات العامة لعام 2024 وعدم تمكنه من تحقيق أغلبية مطلقة في انتخابات الحكم الذاتي الأخيرة بفارق ضئيل، لا يزال جون سويني متمسكًا بهدف الاستقلال. وذهب سويني إلى حد القول إن موقف رئيس الوزراء البريطاني قد يجعله «آخر رئيس وزراء للمملكة المتحدة» إذا تمكن الاسكتلنديون من الحصول على فرصة جديدة للتصويت على الاستقلال.
وفي ويلز، تبدو الصورة مختلفة. فحزب «بلايد كمري» حقق نتائج قوية في الانتخابات الويلزية الأخيرة، وأصبح القوة الأكثر حصولًا على الأصوات، فيما تمكن من قيادة حكومة أقلية، في تحول سياسي مهم بعد عقود من هيمنة حزب العمال على الحياة السياسية في الإقليم.
ويتبنى رون أب إيورورث خطابًا أكثر حذرًا من الخطاب الاستقلالي الاسكتلندي والإيرلندي، إذ يركز على تعزيز مكانة ويلز وصلاحياتها بدلًا من الدعوة المباشرة إلى تفكيك المملكة المتحدة. ويؤكد أن مشروعه السياسي ينطلق من الإيمان بهوية ويلز وبناء مستقبلها، وليس من مجرد الرغبة في رفض الاتحاد البريطاني.
وهكذا يكشف اجتماع كارديف عن تحول مهم في النقاش الدستوري داخل المملكة المتحدة. فالمطالب لم تعد محصورة في اسكتلندا، بل باتت تتقاطع مع صعود القومية الويلزية وتصاعد الحديث عن مستقبل إيرلندا الشمالية، لتضع حكومة لندن أمام معادلة سياسية شديدة التعقيد.
فالحفاظ على وحدة المملكة المتحدة يتطلب من لندن التعامل مع مطالب متزايدة بمزيد من الحكم الذاتي وتقرير المصير، في حين أن فتح الباب أمام استفتاءات جديدة قد يهدد البنية السياسية للدولة ويعيد رسم حدودها وعلاقات أجزائها.
وبينما لا يبدو أن أيًا من هذه المسارات سيؤدي إلى تغيير دستوري سريع، فإن اجتماع قادة اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية يبعث برسالة سياسية واضحة: النقاش حول مستقبل المملكة المتحدة لم يعد هامشيًا، ومطالب إعادة رسم العلاقة بين لندن والأمم المكونة للاتحاد أصبحت أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الأكبر أمام حكومة لندن: هل تستطيع الحفاظ على وحدة المملكة المتحدة عبر منح أقاليمها مزيدًا من الصلاحيات، أم أن تجاهل مطالب تقرير المصير قد يدفع بها إلى مزيد من التصعيد السياسي، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكك الدستوري؟
اقرأ المزيد
عطل فني في مراقبة الحركة الجوية يشل مطارات بريطانيا ويتسبب في إلغاء أكثر من 400 رحلة جوية
“قلّلوا ماء الوضوء”.. بريطانيا تدخل على خط العادات الدينية لترشيد المياه
خطة من 10 نقاط ووعود بإصلاح شامل.. برنهام يبدأ عهداً سياسياً جديداً في بريطانيا

