وطن-أثارت الممثلة والكاتبة والناشطة السياسية الفرنسية أديل هينل جدلاً واسعاً في فرنسا، بعدما اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبرت أن فرنسا متواطئة فيما يجري، داعية إلى فرض عقوبات على إسرائيل و«تحرير فلسطين».
وجاءت تصريحات هينل خلال ظهورها على قناة «فرانس 5» يوم الأربعاء 9 سبتمبر، في حلقة خصصت للحديث عن كتابها الأول وتجربتها في مواجهة العنف الجنسي. وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، تحولت المداخلة لاحقاً إلى أزمة إعلامية، بعدما أزيلت الحلقة من خدمة الإعادة التابعة لمجموعة «فرانس تلفزيون».
من العنف الجنسي إلى غزة
كانت هينل ضيفة في برنامج يقوم على النقاش المفتوح، وتحدثت خلال الحلقة عن كتابها الذي يتناول العنف ضد الأطفال، كما استعرضت تجربتها الشخصية مع الاعتداء الجنسي الذي قالت إنها تعرضت له عندما كانت قاصراً على يد المخرج الفرنسي كريستوف روجيا.
وكان القضاء الفرنسي قد أدان روجيا في أبريل الماضي بالاعتداء الجنسي على هينل، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً داخل فرنسا وأعادت إلى الواجهة النقاش حول العنف الجنسي في الوسط الفني وصعوبة كسر الصمت المحيط بالضحايا.
وخلال الحلقة، قرأت هينل نصاً أمام جمهور الاستوديو تناول ثقافة الصمت التي تحيط بضحايا العنف والتمييز القائم على النوع الاجتماعي. لكنها في نهاية كلمتها انتقلت إلى الحديث عن الحرب في غزة، وربطت بين الصمت تجاه معاناة الضحايا والصمت الذي قالت إنه يحيط بما يتعرض له الفلسطينيون.
وأشارت إلى تقارير تتحدث عن انتهاكات وعنف جنسي بحق فلسطينيين، قبل أن تنهي مداخلتها بعبارة سياسية مباشرة قالت فيها: «دولة إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في فلسطين، وفرنسا متواطئة. لا تقبلوا ما لا يُقبل. عاقبوا إسرائيل وحرروا فلسطين». وبحسب «ميدل إيست آي»، قوبلت العبارة بتصفيق من جمهور الاستوديو.
الحلقة تختفي من خدمة الإعادة
بعد يوم واحد، في 10 سبتمبر، أزيلت الحلقة من منصة الإعادة التابعة لمجموعة «فرانس تلفزيون»، وفق ما أوردته الصحيفة البريطانية.
وأفادت «ميدل إيست آي» بأن القرار جاء بعد شكاوى تقدمت بها جهات مؤيدة لإسرائيل ومجموعات من اليمين المتطرف، ما فتح نقاشاً جديداً في فرنسا حول حدود حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بانتقاد إسرائيل والحرب على غزة.
ورأى مؤيدون لهينل أن إزالة الحلقة تمثل شكلاً من أشكال الرقابة، في حين أعاد القرار إلى الواجهة السؤال حول المساحة المتاحة للآراء السياسية الحادة داخل وسائل الإعلام الفرنسية العامة.
هينل: غيّرت الجملة الأخيرة
لاحقاً، شرحت هينل أن النص الذي قرأته أمام الكاميرات لم يكن مطابقاً للنسخة التي أرسلتها إلى فريق البرنامج. وقالت، بحسب «ميدل إيست آي»، إنها تدربت قبل التصوير على نسخة أرسلتها إلى فريق البرنامج، وكانت تلك النسخة موجودة على جهاز القراءة الإلكتروني. وأضافت أنها قرأتها مرتين بصوت مرتفع بحضور الفريقين التقني والإنتاجي، من دون أن تتلقى اعتراضاً.
كما قالت إنها سلمت النص إلى منتجة البرنامج صباح يوم التصوير، ولم تتلق أي ملاحظة بشأنه. لكن النسخة التي كانت قد سلمتها، وفق روايتها، كانت تنتهي بالقول إن «ما يحدث في فلسطين إبادة جماعية»، مع الدعوة إلى عدم قبول الأمر الواقع وعدم السماح للصمت الجماعي بأن ينغلق على فلسطين.
أما على الهواء، فقد اختارت تسمية الجهة التي تحملها المسؤولية بشكل مباشر، فقالت إن «دولة إسرائيل ترتكب إبادة جماعية»، وأضافت أن «فرنسا متواطئة».
خلاف على الكلمات أم على المسؤولية؟
بالنسبة إلى هينل، لم يكن التغيير مجرد تعديل لغوي بسيط، بل كان يحمل دلالة سياسية وأخلاقية. فهي ترى أن الحديث عن «إبادة جماعية» من دون تحديد الفاعل يمكن أن يجعل الجريمة تبدو وكأنها حدث بلا مسؤول مباشر، بينما تسمية إسرائيل باعتبارها الجهة التي تتهمها بالمسؤولية تضع الحكومة الإسرائيلية، وكذلك الحكومات التي تتعامل معها، أمام خياراتها السياسية.
وذهبت هينل إلى اتهام فرنسا بعدم استخدام كل الوسائل المتاحة لوقف الحرب، وربطت ذلك، وفق تصريحاتها التي نقلتها «ميدل إيست آي»، باستمرار التعاون العسكري وبيع الأسلحة لإسرائيل.
كما انتقدت الطريقة التي يجري بها تناول الحرب في بعض وسائل الإعلام الفرنسية، معتبرة أن تقديم الفلسطينيين باعتبارهم مسؤولين عما يتعرضون له يمكن أن يمنح بعض الأطراف شعوراً بأنهم غير معنيين بالمسؤولية عما يحدث.
صوت مثير للجدل في فرنسا
لا تأتي تصريحات هينل من فراغ. فالممثلة الفرنسية تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز الأصوات الفنية التي تتخذ مواقف سياسية وحقوقية حادة، خصوصاً بعد تجربتها في مواجهة العنف الجنسي داخل صناعة السينما.
كما أعلنت في مناسبات سابقة مواقف واضحة بشأن القضية الفلسطينية والحرب على غزة، ما جعل ظهورها الإعلامي الأخير يتجاوز الترويج لكتابها إلى سجال سياسي أوسع حول إسرائيل وفرنسا وحرية التعبير.
وتأتي الأزمة في وقت تشهد فيه فرنسا، كما هو الحال في دول أوروبية أخرى، نقاشاً متزايداً حول حدود انتقاد إسرائيل، وطريقة تناول الحرب على غزة، وما إذا كانت بعض المواقف الإعلامية والسياسية تتجاوز حدود النقد المشروع إلى الرقابة أو، في الاتجاه المقابل، إلى خطاب سياسي شديد الاستقطاب.
وبينما تتمسك هينل بموقفها، فإن الجدل الذي أثارته مداخلتها لا يتعلق فقط بما قالته عن غزة، بل أيضاً بالسؤال الأوسع: إلى أي حد يمكن لشخصية عامة أن توجه اتهاماً مباشراً إلى دولة خلال بث تلفزيوني، وأين تبدأ حدود حرية التعبير وأين تنتهي؟
اقرأ المزيد
فضيحة الشجاعية مجدداً: كيف قتلت “عقيدة الإبادة” الإسرائيلية أسراها في قطاع غزة؟
نيوسوم: رفض سياسات نتنياهو في غزة أصبح شبه إجماع داخل الحزب الديمقراطي
أنقاض غزة تخفي أسرار الحرب.. ألبانيزي تحذر من تدمير الأدلة ورفات الضحايا4

