وطن-لم تعد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي تعني بالضرورة إغلاق الحسابات أو حذف المنشورات. ففي السنوات الأخيرة، برز شكل أكثر تعقيدًا من التحكم في المحتوى، لا يختفي فيه الصوت تمامًا، وإنما يفقد قدرته على الوصول إلى الجمهور. يبقى الحساب مفتوحًا، وتظل المنشورات موجودة، لكن انتشارها يتراجع، وتختفي تدريجيًا من مساحات التوصيات والظهور، وكأن المنصة تسمح لك بالكلام، لكنها تتحكم في عدد الأشخاص الذين يمكنهم سماعك.
وتثير هذه الممارسات نقاشًا متزايدًا في عدد من الدول العربية، خصوصًا مع تكرار شكاوى ناشطين وصناع محتوى من حذف مواد أو تراجع مفاجئ في انتشارها أو فرض قيود على حساباتهم. وبينما يمكن أن تكون بعض هذه الإجراءات مرتبطة بسياسات المنصات أو حقوق الملكية الفكرية أو البلاغات المقدمة من المستخدمين، فإن غياب الشفافية في كثير من الحالات يجعل من الصعب معرفة الحدود الفاصلة بين تطبيق القواعد وبين استخدام الأدوات الرقمية لتقييد أصوات بعينها.
الرقابة لم تعد تحتاج إلى زر الحذف
في النموذج التقليدي للرقابة، كان الأمر واضحًا: منشور يُحذف، حساب يُغلق، أو موقع يُحجب. أما اليوم، فقد لا يحتاج الأمر إلى أي من هذه الإجراءات حتى يتراجع تأثير صوت معين.
فالخوارزميات التي تتحكم في ترتيب المحتوى تستطيع أن تحدد ما الذي يظهر للمستخدم أولًا، وما الذي يقترحه النظام عليه، وما الذي يبقى بعيدًا عن الواجهة. ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون المحتوى متاحًا من الناحية التقنية، لكنه لا يصل إلا إلى عدد محدود من المتابعين.
وهنا تكمن إحدى أكثر مشكلات الرقابة الرقمية تعقيدًا: المستخدم قد لا يعرف أصلًا أن وصوله أصبح مقيدًا، وقد لا يمتلك وسيلة واضحة لمعرفة السبب. فبدلًا من أن تقول المنصة لصاحب الحساب إن صوته ممنوع، يمكن أن تتركه ينشر ويتحدث، ثم تجعل الوصول إلى الجمهور أكثر صعوبة.
من الحذف إلى خنق الانتشار
هذا النوع من التحكم يغير طبيعة العلاقة بين المستخدم والمنصة. فالمشكلة لم تعد فقط في حق الشخص في نشر رأيه، وإنما في قدرته على إيصال هذا الرأي إلى الآخرين. وقد يبدو الحساب للوهلة الأولى طبيعيًا؛ عدد المتابعين لم يتغير، والمنشورات ما زالت موجودة، ولا توجد رسالة واضحة تقول إن الحساب محظور. لكن صاحب الحساب يلاحظ في المقابل انخفاضًا حادًا في المشاهدات والتفاعل والانتشار.
ولا يعني هذا بالضرورة أن كل انخفاض في الوصول سببه تدخل سياسي أو رقابي، إذ يمكن أن تتغير خوارزميات المنصات باستمرار، كما يمكن أن يتراجع التفاعل لأسباب مرتبطة بطبيعة المحتوى أو توقيت النشر أو سلوك الجمهور. لكن المشكلة تبدأ عندما تتكرر هذه الظاهرة مع أصوات تنتقد السلطات أو تتناول قضايا سياسية حساسة، من دون وجود تفسير واضح أو آلية شفافة للاعتراض.
شكاوى من المنطقة العربية
في الإمارات والسعودية والكويت ومصر، ظهرت خلال السنوات الماضية نقاشات وشكاوى مرتبطة بحرية التعبير على الإنترنت، وبقدرة السلطات أو المنصات على التأثير في المحتوى المتداول.
وتأخذ هذه المسألة أشكالًا مختلفة من دولة إلى أخرى. ففي بعض الحالات يكون الجدل مرتبطًا بحجب مواقع أو ملاحقة أصحاب حسابات، وفي حالات أخرى يرتبط بإزالة محتوى أو تقديم بلاغات ضده، بينما تظهر في حالات أخرى شكوى أكثر غموضًا تتعلق بتراجع الوصول والانتشار.
لكن جمع هذه الحالات في نموذج واحد يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن وجود ممارسات متشابهة لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر بينها، كما أن مسؤولية المنصة نفسها تختلف عن مسؤولية الدولة التي تعمل داخلها.
عبدالله الشريف.. مثال على الجدل
ومن الحالات التي أثارت نقاشًا واسعًا قضية المحتوى الذي يقدمه الناشط المصري عبدالله الشريف، خصوصًا المواد التي تتناول الشأن السياسي المصري أو دولًا عربية أخرى.
وقد أثارت تقارير وشكاوى متداولة بشأن اختفاء بعض المواد أو تراجع وصولها تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها المنصات. غير أن اختفاء محتوى من منصة رقمية لا يكفي وحده لإثبات أن جهة حكومية أمرت بحذفه، إذ يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى، من بينها حقوق الملكية الفكرية أو مخالفات لسياسات المنصة أو بلاغات من أطراف مختلفة.
ولهذا فإن السؤال الصحفي لا ينبغي أن يبدأ بالافتراض، بل بمحاولة تحديد الجهة التي اتخذت القرار، والأساس الذي استندت إليه، وما إذا كان صاحب المحتوى قد تلقى تفسيرًا واضحًا أو تمكن من الاعتراض على القرار.
حقوق الملكية الفكرية.. أداة أم آلية قانونية؟
في مصر وغيرها من الدول، يمكن أن تشكل بلاغات حقوق الملكية الفكرية مسارًا آخر لإزالة المحتوى أو تقييده.
وفي الحالات التي تعتمد فيها المنصات على أنظمة آلية لاكتشاف المواد المحمية، قد تتعامل الخوارزمية مع مقطع أو صورة باعتبارها مادة مستخدمة من دون إذن، حتى لو كان صاحب المحتوى يرى أنه استخدمها في سياق إخباري أو نقدي أو تحليلي.
وهنا تظهر مشكلة إضافية: النظام الآلي يستطيع اكتشاف التشابه، لكنه لا يفهم دائمًا السياق السياسي أو الصحفي الذي وردت فيه المادة.
وبالتالي، يمكن أن يؤدي تطبيق قاعدة تبدو محايدة في ظاهرها إلى نتيجة تؤثر بصورة أكبر في بعض أنواع المحتوى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواضيع سياسية أو أحداث ساخنة تنتشر فيها المقاطع والصور والتسجيلات بسرعة.
الخوارزمية.. الحارس غير المرئي
أصبحت الخوارزميات اليوم لاعبًا أساسيًا في تشكيل النقاش العام. فهي لا تحدد فقط ما إذا كان المحتوى مخالفًا للقواعد، وإنما تشارك أيضًا في تحديد المحتوى الذي سيحصل على مساحة أكبر أمام المستخدمين.
وهذه السلطة غير المرئية تجعل النقاش حول حرية التعبير أكثر تعقيدًا من السابق. ففي الماضي، كان من السهل نسبيًا تحديد الجهة التي منعت مقالًا أو أغلقت صحيفة. أما في البيئة الرقمية، فقد يكون القرار نتيجة سلسلة من العمليات الآلية، والبلاغات، وسياسات الإشراف، وأنظمة التوصية، وإجراءات حقوق النشر. وفي النهاية، قد لا يعرف المستخدم من الذي اتخذ القرار فعليًا.
هل هناك نموذج إقليمي موحد؟
يربط بعض الخطاب السياسي والإعلامي بين تطور أدوات المراقبة الرقمية في إسرائيل وبين ممارسات الرقابة في دول أخرى، خصوصًا مع انتشار تقنيات التجسس والمراقبة المتقدمة.
لكن وجود تقنيات متشابهة أو ظهور ممارسات متقاربة لا يمثل وحده دليلًا على انتقال نموذج موحد من دولة إلى أخرى، ولا يثبت وجود تنسيق مباشر بين الحكومات والمنصات.
ما يمكن قوله بصورة أكثر دقة هو أن التكنولوجيا منحت الحكومات والمنصات على حد سواء أدوات جديدة للتأثير في المجال العام، وأن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من الصراع على المعلومات، إلى جانب القوانين والبلاغات والإجراءات الأمنية والسياسات التجارية للمنصات.
عندما يصبح الوصول أهم من النشر
المشكلة الأساسية اليوم ليست دائمًا في قدرة الإنسان على كتابة رأيه، وإنما في قدرته على جعله يصل إلى الآخرين.
فإذا كان بإمكان شخص ما نشر منشور، لكن المنشور لا يظهر إلا أمام عدد محدود جدًا من المستخدمين، فإن حرية النشر وحدها لا تضمن بالضرورة حضور هذا الرأي في المجال العام.
وهذا هو التحول الأهم في مفهوم الرقابة الرقمية: لم يعد المطلوب بالضرورة إسكات الصوت، بل يمكن الاكتفاء بإضعاف قدرته على الوصول.
ومن هنا، يصبح السؤال حول حرية التعبير مرتبطًا أيضًا بشفافية الخوارزميات، ووضوح سياسات المنصات، وحق المستخدم في معرفة أسباب تقييد محتواه، وإمكانية الاعتراض على القرارات التي تتخذها الأنظمة الآلية.
ففي عصر المنصات الرقمية، قد لا تكون المشكلة في أن صوتك اختفى، بل في أن الطريق بين صوتك والجمهور أصبح أطول وأضيق وأقل وضوحًا. وهنا تحديدًا تكمن الرقابة الجديدة: أن تظل قادرًا على الكلام، لكن من دون أن تملك بالضرورة القدرة نفسها على أن يسمعك الناس.
اقرأ المزيد
مايفير في لندن.. حي المال والرفاهية المفضل لنخبة الخليج والأثرياء العرب
المعارضة الإسرائيلية تستبعد الأحزاب العربية.. كيف غيّر 7 أكتوبر قواعد تشكيل الحكومة في إسرائيل؟
ضاحي خلفان يشعل الجدل بتصريح حول أمن إسرائيل والعرب يثير غضبًا سعوديًا وعربيًا

