وطن-كشفت شركة الذكاء الاصطناعي الأميركية «أنثروبيك» عن عملية تأثير منسقة قالت إنها مرتبطة بجهات حكومية إماراتية، واستخدمت مساعدها الذكي «كلود» في بناء شبكة واسعة من الحسابات غير الحقيقية وإنتاج محتوى سياسي وإعلامي، بهدف التأثير في النقاش العام حول جماعة الإخوان المسلمين والحرب في السودان، إلى جانب محاولة التأثير في مسارات المساءلة داخل مؤسسات الأمم المتحدة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية استنادًا إلى تقرير التهديدات الاستخبارية الصادر عن «أنثروبيك» في سبتمبر، رصدت الشركة جهة واحدة استخدمت «كلود» لتنفيذ ما وصفته بعملية تأثير «منسقة عابرة للأطلسي وإقليمية»، كان أحد أهدافها المعلنة تفكيك جماعة الإخوان المسلمين على المستوى العالمي.
لكن العملية، وفق التقرير نفسه، لم تتوقف عند هذا الملف، إذ امتدت إلى الحرب السودانية والعلاقة بين الإمارات وقوات الدعم السريع، في وقت تواجه فيه أبوظبي اتهامات متكررة بدعم القوات شبه العسكرية التي تخوض الحرب ضد الجيش السوداني. وتنفي الإمارات هذه الاتهامات باستمرار.
شبكة من الحسابات غير الحقيقية
تقول «أنثروبيك» إن العملية اعتمدت على شبكة تضم نحو 300 حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، جرى تقديمها على أنها حسابات مؤثرين حقيقيين، فيما وصفتها الشركة بأنها حسابات غير حقيقية أُنشئت بهدف تضخيم رسائل سياسية محددة والتأثير في النقاشات العامة.
وكانت هذه الحسابات، بحسب التقرير، جزءًا من منظومة أوسع استخدمت الذكاء الاصطناعي لإنتاج المحتوى وتطوير الرسائل واختبار طرق تقديمها للجمهور.
ولم يكن الهدف، وفق الرواية التي قدمتها «أنثروبيك»، مجرد نشر منشورات سياسية، بل بناء بيئة رقمية تبدو وكأنها تضم أصواتًا متعددة ومستقلة، بينما تتحرك في اتجاه رسائل جرى إعدادها مسبقًا.
من الإخوان إلى حرب السودان
ركز جزء من العملية على جماعة الإخوان المسلمين، لكن نشاطها امتد أيضًا إلى الجدل المتعلق بالحرب في السودان ودور الإمارات فيها.
وتقول «ميدل إيست آي» إن القائمين على الحملة حاولوا التأثير في النقاشات المتعلقة بالاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم قوات الدعم السريع، كما سعوا إلى التأثير في الجهود الدولية الرامية إلى مساءلة الإمارات عن دورها في النزاع.
وتأتي هذه التحركات في ظل اتهامات وجهتها جهات حقوقية ودولية إلى قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات خطيرة في السودان، ولا سيما في إقليم دارفور، بينما ترفض الإمارات الاتهامات المتعلقة بدعمها العسكري أو السياسي لهذه القوات.
منظمة واجهة بهوية منسوخة
ومن أكثر الجوانب إثارة في التقرير استخدام «كلود» لإنشاء منظمة غير حكومية واجهة، قالت «أنثروبيك» إنها نسخت هوية منظمة سويسرية حقيقية.
وبحسب الشركة، استُخدمت هذه الواجهة في نشر تقارير حقوقية بدت وكأنها صادرة عن جهة مستقلة، في حين خلص تحليل «أنثروبيك» إلى أن بعض هذه المواد كانت، بحسب تعبيرها، «مؤلفة من قبل دولة».
كما استخدمت العملية الذكاء الاصطناعي لإعداد شهادات وبيانات رسمية بأسماء أشخاص آخرين، بهدف تقديمها خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وتشير الشركة إلى أن هذه المواد صيغت بعناية وفق تعليمات تمنع الإشارة المباشرة إلى الإمارات، وهو ما اعتبرته جزءًا من محاولة إخفاء الجهة التي تقف وراء الحملة.
استهداف نواب وصحفيين
وتكشف تفاصيل أخرى أن استخدام «كلود» لم يقتصر على كتابة المحتوى، وإنما شمل أيضًا جمع المعلومات عن شخصيات سياسية وإعلامية.
وبحسب «أنثروبيك»، جرى البحث عن معلومات تخص 18 عضوًا في البرلمان الأوروبي، إضافة إلى صحفيين بارزين، وأُعدت ملفات شخصية مفصلة عن بعضهم.
كما تحدث التقرير عن إعداد ما وصفته الشركة بـ«ملفات مضادة للمساءلة» بشأن مقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة سبق أن وجهوا انتقادات إلى سلوك الإمارات في السودان.
وتعطي هذه التفاصيل، إذا صحت كما وردت في تقرير الشركة، انطباعًا بأن العملية لم تكن مجرد حملة دعائية تعتمد على نشر رسائل سياسية، وإنما تضمنت أيضًا جمع معلومات عن شخصيات يمكن أن تؤثر في مسارات التحقيق والمساءلة الدولية.
«Deadshot».. الشخصية التي أدارت العملية
ووفق تقرير «أنثروبيك»، حملت الشخصية الاصطناعية المستخدمة في إدارة العملية اسم «Deadshot»، وكانت مستضافة على منصة خاصة بالقائمين على الحملة.
وتقول الشركة إنها عثرت داخل إعدادات النظام على تعليمات أساسية وجّهت استخدام «كلود» عبر مئات الجلسات، وحافظت على الهدف نفسه المتمثل في تنفيذ حملة منسقة ضد جماعة الإخوان المسلمين والتأثير في ملفات سياسية إقليمية.
وهنا تظهر إحدى النقاط الأكثر أهمية في القضية: الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد أداة لكتابة نصوص أسرع، وإنما استُخدم، وفق الرواية الأميركية، ضمن سير عمل متكامل يشمل البحث، وتحليل المعلومات، وصياغة المواد، وإنشاء شخصيات رقمية، وتطوير الرسائل الموجهة إلى جمهور محدد.
تحويل المعلومات إلى «موجزات استخبارية»
تقول «أنثروبيك» إن القائمين على العملية كانوا يجمعون قضايا ومعلومات واقعية، ثم يدمجونها مع ملفات سياسية معدة مسبقًا، قبل استخدام «كلود» لتحويلها إلى مواد وموجزات ذات مظهر استخباري ورسمي.
وشملت العملية، بحسب التقرير، تقارير تستخدم هويات منسوخة، وشهادات مكتوبة بأسماء أشخاص آخرين، وملفات عن شخصيات مستهدفة، إضافة إلى مواد كان من المفترض أن تصل إلى مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى.
كما قالت الشركة إن الجهة القائمة على العملية موّلت شبكة الحسابات التي تولت تضخيم المحتوى، ما يعني أن المنظومة لم تعتمد فقط على إنتاج الرسائل، وإنما اهتمت أيضًا بتوفير قنوات لنشرها وتوسيع نطاق انتشارها.
صلة إماراتية «بدرجة عالية من الثقة»
وتؤكد «أنثروبيك» أن العملية صُممت بطريقة تجعل تحديد الجهة التي تقف خلفها أمرًا صعبًا، لكنها قالت إنها تمكنت من ربطها بمسؤولين في الحكومة الإماراتية «بدرجة عالية من الثقة».
كما أشارت الشركة إلى أن أسماء مسؤولين إماراتيين كبار ظهرت بوصفهم متلقين محتملين للمواد التي أُنتجت ضمن العملية. ومع ذلك، تبقى هناك نقطة مهمة في الرواية: إعلان الشركة عن ارتباط العملية بجهات إماراتية لا يعني بالضرورة أن كل مادة أنتجتها الحملة وصلت بالفعل إلى المسؤولين أو الجهات التي استهدفتها، وهو أمر قالت «أنثروبيك» إنها لم تتمكن من تأكيده.
الذكاء الاصطناعي يدخل حرب النفوذ
تكشف هذه القضية، وفق «أنثروبيك»، عن تحول مهم في طبيعة حملات التأثير السياسي، فبدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الأشخاص لإنتاج المحتوى وإدارة الحسابات، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تختصر وقت البحث والكتابة والتحليل، وأن تساعد في إنتاج كميات كبيرة من المواد وتكييفها مع جماهير مختلفة.
لكن الأخطر يتمثل في إمكانية الجمع بين هذه القدرات وبين الحسابات غير الحقيقية والشخصيات الرقمية والمنظمات الوهمية، بما يسمح بصناعة انطباع زائف بوجود شبكة واسعة من الأصوات المستقلة التي تتبنى الرسالة نفسها.
وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام عمليات التأثير العابرة للحدود، حيث لا يعود التحدي مقتصرًا على معرفة ما إذا كان المحتوى صحيحًا أو مضللًا، وإنما يمتد إلى معرفة من يقف وراءه، ومن يموله، ومن يضخمه، ولأي هدف سياسي يُستخدم.
أنثروبيك توقف العملية.. لكن الأسئلة تبقى
قالت «أنثروبيك» إنها عطلت العملية بعد اكتشافها، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأنها لا تستطيع تأكيد ما إذا كانت الشهادات والملفات التي أُعدت ضمن الحملة وصلت بالفعل إلى الأشخاص أو المؤسسات التي كانت موجهة إليها.
وهذه النقطة تظل أساسية في تقييم حجم العملية وتأثيرها الفعلي. فوجود شبكة حسابات أو إنتاج مواد بالذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائيًا أنها نجحت في تغيير مواقف الجمهور أو التأثير في قرارات المؤسسات الدولية.
لكن القضية، في المقابل، تكشف عن اتجاه أكثر إثارة للقلق: دخول الذكاء الاصطناعي بصورة مباشرة إلى أدوات الصراع على الرواية السياسية، خصوصًا في الملفات شديدة الحساسية مثل الحرب في السودان، وجماعة الإخوان المسلمين، والعلاقة بين الإمارات والقوى المتصارعة، ودور الأمم المتحدة في المساءلة.
وفي حال تأكدت تفاصيل العملية كما عرضتها «أنثروبيك»، فإن المسألة تتجاوز مجرد إساءة استخدام مساعد ذكي. إنها نموذج جديد لحملات التأثير السياسي، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من أداة لإنتاج المحتوى إلى جزء من منظومة متكاملة لصناعة الرواية، وبناء الشخصيات الوهمية، وجمع المعلومات، واستهداف المؤثرين، ثم ضخ الرسائل في المجال العام على أنها أصوات مستقلة.
وهنا يكمن السؤال الأكبر: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على صناعة مئات الأصوات الوهمية وإدارة حملات تأثير كاملة، فكيف يمكن للجمهور أن يميز بين النقاش الحقيقي والرأي الذي جرى تصنيعه خلف الشاشات؟
اقرأ أيضاً
بلجيكا تعتقل متدربة سابقة في الناتو بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية
تحقيق يكشف خريطة التجسس الإسرائيلية: نصف دول العالم تحت المراقبة الرقمية
تحقيق أمريكي يكشف مسار ضابط استخبارات سابق من مهمة سرية في الإمارات إلى دور استشاري بعد تقاعده
تحقيق بريطاني: الإمارات موّلت عملية مراقبة سرية لناشط مسلم في لندن وسط مخاوف من اغتياله

