وطن-أعلنت الجزائر، الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تعكس وصول الخلافات المتراكمة بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق، بعد سنوات من التوتر حول ملفات إقليمية شديدة الحساسية تمتد من شمال أفريقيا والساحل إلى ليبيا والسودان وملف الصحراء الغربية.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، جاء القرار الجزائري بعد ما وصفته وزارة الخارجية بـ«استنفاد جميع الوسائل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية»، فيما أبلغت الجزائر السفير الإماراتي رسمياً بقرار قطع العلاقات ومنحته مهلة 48 ساعة للامتثال للإجراءات المترتبة عليه.
الجزائر: تجاوزٌ لحدود المقبول
وقالت وزارة الخارجية الجزائرية، وفق الصحيفة، إن الجزائر سبق أن وجهت تحذيرات إلى الجانب الإماراتي بشأن ما وصفته بـ«أعمال عدائية»، مؤكدة أنها بذلت جهوداً متكررة من أجل لفت انتباه أبوظبي إلى ما تعتبره عواقب وخيمة لسلوكها.
وأضاف البيان أن الإمارات، رغم التحذيرات، واصلت تلك التصرفات إلى درجة قالت الجزائر إنها «لم تعد مقبولة أو قابلة للتسامح» في إطار العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة.
وتشير هذه الصياغة إلى أن القرار لم يأتِ، وفق الرواية الجزائرية، رداً على حادثة منفردة، بل بعد مسار طويل من الخلافات والاحتكاكات السياسية.
خلاف يتجاوز الحدود
شهدت العلاقات الجزائرية الإماراتية خلال السنوات الأخيرة تدهوراً تدريجياً، في ظل انتقادات جزائرية للدور الذي تقول الجزائر إن أبوظبي تلعبه في عدد من الأزمات الإقليمية.
وتنظر الجزائر بحساسية كبيرة إلى التطورات السياسية والأمنية في محيطها المباشر، خصوصاً في ليبيا ومنطقة الساحل، باعتبار أن ما يحدث في هذه المناطق يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأمنها القومي.
وفي المقابل، وسعت الإمارات خلال السنوات الماضية حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في عدد من الملفات الإقليمية، الأمر الذي جعل سياساتها موضع خلاف مع الجزائر في أكثر من مناسبة.
وكانت صحيفة «لوسوار دالجيري» الجزائرية قد وصفت الإمارات، في عنوان نشرته عام 2023، بأنها «دولة مشعلة للحرائق»، منتقدة ما اعتبرته دوراً ضاراً لأبوظبي في محيط الجزائر الإقليمي.
ليبيا والسودان في قلب الخلاف
ومن أبرز الملفات التي غذّت التوتر بين البلدين، الدور الإماراتي في ليبيا، حيث دعمت أبوظبي القائد العسكري خليفة حفتر في شرق البلاد.
كما تبرز حرب السودان باعتبارها ملفاً أكثر حساسية، إذ تواجه الإمارات اتهامات بتقديم الدعم إلى قوات الدعم السريع التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
ونقلت «ميدل إيست آي» أن الإمارات استخدمت الأراضي الليبية، وفق ما أوردته الصحيفة، قاعدة لتقديم الدعم إلى قوات الدعم السريع في السودان. وهذه المزاعم تأتي في سياق اتهامات أوسع تواجهها القوات شبه العسكرية بارتكاب انتهاكات واسعة خلال الحرب.
تصريحات تبون تثير الانتباه
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أدلى في أبريل 2024 بتصريحات فُهمت على نطاق واسع على أنها انتقاد للدور الإماراتي في المنطقة.
وقال تبون آنذاك: «أينما يوجد نزاع، توجد أموال هذه الدولة: في مالي وليبيا والسودان»، من دون أن يسمي الإمارات مباشرة.
كما سبق أن تحدث عن «دولة قزم» تسعى إلى التدخل في شؤون المنطقة، قائلاً: «لن أذكر اسمها»، في إشارة اعتبرها مراقبون آنذاك مرتبطة بالخلافات المتزايدة مع أبوظبي.
الجزائر تخشى انتقال الخلاف إلى الداخل
وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الجزائر يتعلق بما تشتبه به من وجود اتصالات إماراتية مع حركة الحكم الذاتي في منطقة القبائل، المعروفة اختصاراً بـ«ماك».
وتصنف السلطات الجزائرية الحركة تنظيماً إرهابياً، وتعتبر أي دعم أو تواصل معها مساساً بوحدة الدولة، وهو ما يجعل الملف بالنسبة إلى الجزائر مختلفاً عن بقية الخلافات الإقليمية.
ونقلت الصحيفة عن أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في دراسات الأمن بكلية كينغز لندن، قوله إن القطيعة لم تكن مفاجئة، وإنما جاءت نتيجة تراكم طويل من التوترات.
ويرى كريغ أن الجزائر باتت تنظر بقلق إلى ما وصفه بـ«دليل العمل الإقليمي» لأبوظبي، مشيراً إلى دعم قوى وشخصيات مختلفة في عدد من الساحات، من خليفة حفتر في ليبيا إلى قوات الدعم السريع في السودان، إضافة إلى قوى في اليمن.
قرارات سبقت القطيعة
ولم يكن قرار قطع العلاقات المؤشر الأول على تدهور العلاقات.
ففي السابع من فبراير الماضي، بدأت الجزائر إجراءات لإلغاء اتفاق خدمات النقل الجوي الثنائية مع الإمارات، من دون تقديم تفسير رسمي واضح، وهو ما اعتبره محللون في حينه مؤشراً إضافياً على عمق الخلاف بين البلدين.
كما أثار قرار الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك تعليقاً من الرئيس تبون، الذي قلل من أهمية الخطوة، مؤكداً أن السعودية تظل الركيزة الأساسية للمنظمة، قبل أن يقول بشأن الإمارات إن «الكتاب أغلق».
وتعكس هذه التصريحات، إلى جانب الإجراءات الدبلوماسية السابقة، انتقال الخلاف تدريجياً من التصريحات السياسية إلى خطوات عملية.
الصحراء الغربية.. ملف آخر
ولا تقتصر الخلافات على ليبيا والسودان والساحل، إذ يمثل موقف الإمارات من ملف الصحراء الغربية نقطة حساسة أخرى بالنسبة إلى الجزائر.
وتعتبر الجزائر القضية من الملفات الأساسية في سياستها الخارجية، بينما عززت الإمارات علاقاتها مع المغرب وأبدت دعماً لمواقفه في عدد من القضايا الإقليمية.
ويرى كريغ أن تراكم هذه الملفات، إلى جانب قضية القبائل والحضور الإماراتي في محيط الجزائر، ساهم في دفع العلاقات نحو نقطة القطيعة.
لماذا الآن؟
بحسب الخبير الذي نقلت عنه «ميدل إيست آي»، تكمن أهمية القرار الجزائري في أنه لا يبدو مرتبطاً بحادثة واحدة، إذ تحدث بيان وزارة الخارجية عن «استنفاد كل الوسائل» للحفاظ على العلاقة.
وهذا يعني، وفق قراءته، أن الجزائر تعتبر أنها وصلت إلى قناعة بأن الخلافات المتراكمة أصبحت أكبر من قدرة القنوات الدبلوماسية التقليدية على احتوائها.
وفي المقابل، لا يعني قطع العلاقات بالضرورة أن جميع الملفات الاقتصادية والتجارية والأمنية بين البلدين ستتوقف فوراً، إذ يعتمد ذلك على الإجراءات التي قد تتخذها الحكومتان خلال المرحلة المقبلة.
مرحلة جديدة بين الجزائر وأبوظبي
يمثل قطع العلاقات الدبلوماسية تحولاً كبيراً في مسار العلاقات الجزائرية الإماراتية، بعدما انتقلت الخلافات من مستوى التصريحات والرسائل السياسية إلى القطيعة الرسمية.
ويأتي القرار في وقت تشهد فيه المنطقة أزمات متشابكة في ليبيا والسودان والساحل والصحراء الغربية، فيما تتنافس قوى إقليمية ودولية على توسيع نفوذها في هذه المناطق.
ويبقى السؤال الأبرز الآن هو ما إذا كانت القطيعة ستظل محصورة في الجانب الدبلوماسي، أم أنها ستتوسع لتشمل ملفات اقتصادية وأمنية أخرى، وما إذا كانت أبوظبي سترد بخطوات مماثلة.
وبذلك، تدخل العلاقات بين الجزائر والإمارات مرحلة جديدة، عنوانها القطيعة، بعد سنوات من التوتر الذي تراكم ملفاً بعد آخر حتى بلغ، وفق الرواية الجزائرية، «حدود المقبول».
اقرأ أيضاً
رسمياً: الجزائر تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات بعد سنوات من التوتر
أزمة صامتة بين القاهرة والجزائر: هل أشعلت زيارة السيسي لأبوظبي “فتيل المحاور” في شمال إفريقيا

