وطن-مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز وتصاعد الخلاف بين إيران والولايات المتحدة بشأن الملاحة والعقوبات والحصار البحري، تتحرك قطر وسلطنة عُمان في محاولة جديدة لكسر الجمود بين طهران وواشنطن، وإعادة فتح الباب أمام تسوية سياسية تحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وتأتي هذه الجهود في وقت تبدو فيه مذكرة التفاهم الإيرانية الأميركية، التي جرى التوصل إليها في يونيو الماضي، أمام اختبار هو الأصعب منذ الإعلان عنها، بعدما أصبح كل طرف متمسكًا بموقفه، فيما تتزايد الضغوط العسكرية والاقتصادية حول واحد من أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية.
رسالة ترامب تصل إلى طهران
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، وصل رئيس أركان الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى طهران في 24 أغسطس، حاملاً رسالة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وذلك بالتزامن مع تصعيد أميركي جديد تمثل في إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
وفي اليوم نفسه، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إطلاق حملة ضغط اقتصادي واسعة ضد إيران، محذرًا الدول والشركات التي تواصل التعامل التجاري مع طهران من احتمال تعرضها لعقوبات ثانوية.
وخلال زيارته إلى طهران، التقى منير عددًا من المسؤولين الإيرانيين، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان والجنرال محسن رضائي، الذي عُيّن أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
ونقلت «ميدل إيست آي» عن مصدرين قريبين من الحكومة الإيرانية أن الرسالة التي حملها المسؤول العسكري الباكستاني كانت واضحة: ترامب لا يريد العودة إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في يونيو.
اتفاق يتآكل تحت الضغط
كانت مذكرة التفاهم قد وُلدت في 17 يونيو، باعتبارها إطارًا أوليًا لإنهاء أشهر من المواجهة وفتح الطريق أمام إعادة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب تمهيد الطريق لمفاوضات أوسع بين طهران وواشنطن.
لكن الاتفاق لم يحسم جميع الملفات الشائكة، الأمر الذي ترك مساحة واسعة للخلاف حول آليات تنفيذه، خصوصًا ما يتعلق بالعقوبات والنفط والملاحة في المضيق.
وبحسب مصدر إيراني محافظ تحدثت إليه الصحيفة، فإن ترامب لا يريد إحياء النص السابق، وإنما يسعى إلى اتفاق جديد بشروط مختلفة. أما طهران، فتبدو أقل استعدادًا للتنازل عن الاتفاق القديم، بعدما اعتبرت أن المذكرة حققت لها مكاسب أساسية.
لماذا تتمسك طهران بالمذكرة؟
ونقلت «ميدل إيست آي» عن محلل سياسي في طهران، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الاتفاق منح إيران عددًا من المزايا المهمة، بينها إعفاءات مرتبطة بصادرات النفط والسماح بتلقي عائداتها، إضافة إلى إنهاء الحرب على مختلف الجبهات.
وبحسب المحلل، فإن إحدى أهم النقاط بالنسبة لطهران تتعلق بمضيق هرمز، الذي تعتبر إيران أن لها دورًا أساسيًا في تنظيم حركة الملاحة داخله.
ويعتقد المحلل أن ترامب واجه ضغوطًا داخل الولايات المتحدة، ولا سيما من تيارات محافظة ومن إسرائيل، بعد انتقادات اتهمته بتقديم تنازلات لإيران.
ومن هذا المنطلق، يرى أن الضغوط السياسية في واشنطن دفعت الإدارة الأميركية إلى البحث عن صيغة جديدة بدل الالتزام بالمذكرة السابقة.
معركة على ممر النفط
وفي موازاة المسار السياسي، تحركت القوات الأميركية تدريجيًا لإنشاء ممر ملاحي يسمح لناقلات النفط بالعبور من مسار جنوبي بمحاذاة الساحل العُماني.
لكن هذه الخطوة أثارت مخاوف في طهران، التي فسرتها، بحسب الصحيفة، باعتبارها محاولة أميركية لإضعاف مذكرة التفاهم وإجبار إيران على اتخاذ رد عسكري أو بحري يمكن أن تستخدمه واشنطن مبررًا للانسحاب من الاتفاق.
وهنا تتحول أزمة الملاحة إلى أكثر من خلاف تقني حول مسار السفن، إذ أصبحت مرتبطة مباشرة بمستقبل التفاهم السياسي بين البلدين.
هرمز يعود إلى واجهة التصعيد
وخلال الأشهر الماضية، شهدت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة فترات من الهدوء النسبي، قبل أن تعود التوترات إلى الواجهة عبر اشتباكات وهجمات متبادلة.
وتفاقمت الأزمة مجددًا خلال الأسبوع الماضي، مع تبادل هجمات استهدفت سفنًا، وسط تهديدات إيرانية بالرد على أي عمل عسكري أميركي جديد.
وبحسب «ميدل إيست آي»، تباطأت حركة الملاحة في المضيق مع بداية الأسبوع، في ظل المخاوف من تحول التهديدات المتبادلة إلى مواجهة تؤثر بصورة مباشرة على حركة شحن النفط.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية لأنه يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تمر عبرها إمدادات الطاقة العالمية، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يتجاوز حدود المواجهة الإيرانية الأميركية ويؤثر في أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
يوليو.. بداية انهيار التفاهم
وترجع الصحيفة بداية تآكل مذكرة التفاهم إلى مطلع يوليو، عندما احتدم الخلاف بين طهران وواشنطن حول طريقة تنفيذها.
وكانت إعادة فتح المضيق إحدى أبرز نقاط الخلاف، خصوصًا بعدما استهدفت إيران سفنًا كانت تعبره ردًا على محاولة واشنطن إنشاء ممر بحري منفصل.
وفي 7 يوليو، ألغت الولايات المتحدة إعفاءات رئيسية مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، في خطوة قوضت أحد المكونات الاقتصادية المهمة في التفاهم.
كما استمر الخلاف بشأن حدود الدور الإيراني في تنظيم الملاحة داخل المضيق، إضافة إلى توقيت ونطاق رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية. ورغم ذلك، بقيت قنوات الاتصال غير المباشرة مفتوحة عبر الوسطاء.
قطر تدخل على الخط
بعد ثلاثة أيام من زيارة المشير عاصم منير، وصل مسؤولون قطريون كبار إلى طهران، بينهم رئيس الوزراء، حاملين الرسالة الأميركية نفسها بشأن رفض العودة إلى مذكرة التفاهم بصيغتها الحالية.
لكن الرد الإيراني، وفق المصادر التي نقلتها الصحيفة، كان واضحًا أيضًا: طهران لا تريد استبدال المذكرة باتفاق جديد، وإنما تتمسك بالنص الذي جرى التوصل إليه في يونيو.
وهكذا وجد الوسطاء أنفسهم أمام فجوة متزايدة بين موقفين متعارضين؛ واشنطن تريد اتفاقًا جديدًا، بينما تصر طهران على الحفاظ على التفاهم السابق.
عُمان وقطر.. محاولة لكسر الجمود
وفي مواجهة هذا الانسداد، تواصل قطر وسلطنة عُمان جهودهما للبحث عن صيغة وسط يمكن أن تسمح باستئناف المفاوضات.
وتتمثل الفكرة، بحسب «ميدل إيست آي»، في محاولة إحياء الاتفاق السابق مع إدخال تعديلات محدودة تمنح كل طرف مساحة للتراجع دون أن يبدو وكأنه خسر المعركة السياسية.
وفي 6 سبتمبر، زار وفد قطري آخر طهران بصورة غير معلنة برئاسة علي الثوادي، الوزير القطري من دون حقيبة، والذي ارتبط اسمه بأدوار خلف الكواليس في جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن المصادر نفسها أن الثوادي حمل رد ترامب على أحدث رسالة إيرانية، مؤكدًا أن واشنطن لا تريد العودة إلى مذكرة التفاهم بصيغتها الحالية. لكن طهران كررت موقفها: لا اتفاق بديل، ولا مفاوضات على نص جديد.
من يملك مفتاح هرمز؟
وهكذا تبدو الأزمة في ظاهرها مرتبطة بمضيق هرمز، لكنها في العمق تتعلق بسؤال أكبر: ما الشكل الذي يمكن أن تأخذه العلاقة بين إيران والولايات المتحدة بعد أشهر من المواجهة والضغوط المتبادلة؟
فواشنطن تريد اتفاقًا يمنحها شروطًا أوسع، فيما ترى طهران أن التفاهم السابق يمثل الحد الأدنى الذي يمكنها قبوله.
وبين العقوبات الأميركية والتهديدات البحرية، تواصل قطر وسلطنة عُمان لعب دور الوسيط، في محاولة لإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين ويمنع انهيار قنوات الحوار.
لكن كلما طال أمد أزمة مضيق هرمز، ارتفعت كلفة الفشل في التوصل إلى تسوية. فالممر البحري الذي أصبح ورقة ضغط في الصراع بين طهران وواشنطن قد يتحول، إذا خرج التصعيد عن السيطرة، إلى شرارة لأزمة تتجاوز حدود البلدين وتصل تداعياتها إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
اقرأ أيضاً
ترامب يعلن نهاية وقف إطلاق النار مع إيران.. واشنطن تواصل المفاوضات رغم التصعيد العسكري
أزمة مضيق هرمز.. ترامب يصعّد وإيران تضع شروط إعادة فتح أهم ممر للنفط

