وطن-بينما يستعد المتحف البريطاني لاستقبال مئات الآلاف من الزوار لمشاهدة «نسيج بايو» التاريخي، تعود إلى الواجهة أسئلة تتجاوز حدود الفن والتاريخ، بعدما أثارت تقارير صحفية جدلًا حول الملياردير إيغور تولتشينسكي، الراعي المالي للمعرض، وعلاقاته الاستثمارية في قطاع التكنولوجيا الدفاعية في إسرائيل.
وتأتي هذه التساؤلات في وقت يستعد فيه المتحف لعرض النسيج الشهير الذي يمتد لنحو 70 مترًا ويروي أحداث الغزو النورماندي لإنجلترا عام 1066، في معرض استثنائي أعاد القطعة التاريخية إلى الأراضي الإنجليزية للمرة الأولى منذ عقود.
معرض تاريخي تحت الأضواء
ظل «نسيج بايو» لعقود أحد أبرز القطع الفنية والتاريخية المرتبطة بتاريخ إنجلترا. ومنذ عام 1931، سعت حكومات بريطانية إلى الحصول على موافقة فرنسا لإعارته، قبل أن يصل أخيرًا إلى لندن هذا الصيف وسط ترتيبات أمنية مشددة.
وتشير التقارير إلى أن الإقبال على المعرض كان لافتًا منذ البداية، إذ بيعت تذاكر الأشهر الأربعة الأولى خلال ساعات، في ما وُصف بأنه أحد أكبر أيام المبيعات في تاريخ المتحف الممتد لنحو 273 عامًا.
لكن خلف هذا الحدث الثقافي، ظهر اسم تولتشينسكي، مؤسس ورئيس شركة الاستثمار الأميركية «وورلد كوانت»، بعدما أُعلن في فبراير الماضي راعيًا للمعرض، في صفقة قدرت تقارير إعلامية قيمتها بنحو 5 ملايين جنيه إسترليني.
وقد ظهر الملياردير خلال حفل استقبال رسمي للمعرض إلى جانب شخصيات سياسية بارزة، من بينها الملك تشارلز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، خلال معاينة النسيج التاريخي المحفوظ خلف الزجاج الأمني.
من المتحف إلى تل أبيب
غير أن الجدل لم ينشأ بسبب رعاية المعرض وحدها، وإنما بسبب نشاط تولتشينسكي الاستثماري في إسرائيل. وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، يقف الملياردير وراء صندوق استثماري جديد مقره تل أبيب يحمل اسم «وورلد كوانت جينيسيس»، ويركز على مجالات تشمل تقنيات الدفاع والذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية.
وأُطلق الصندوق في أبريل الماضي، ويرأسه اللواء الإسرائيلي المتقاعد ساعر تسور، الذي تولى سابقًا قيادة «الفيلق الشمالي» و«منظومة المناورة» في الجيش الإسرائيلي خلال الفترة الأولى من الحرب على غزة.
وهنا تحديدًا بدأ الجدل يأخذ منحى أكثر حساسية: فالصندوق الذي يستثمر في التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها المجالات الدفاعية، يقوده عسكري إسرائيلي سابق ارتبط اسمه بتطوير واستخدام تقنيات عسكرية تعتمد على التشغيل عن بعد.
قائد عسكري سابق في قلب الاستثمارات
غادر ساعر تسور مناصبه العسكرية في أكتوبر 2024 قبل تقاعده من الجيش الإسرائيلي، ثم انضم إلى المجلس الاستشاري لشركة التكنولوجيا الناشئة «أوتوبيا»، التي تطور تقنيات تسمح بالتحكم عن بعد في المركبات غير المأهولة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، تحدث تسور عن هذه التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لتعزيز القدرات العسكرية وتقليل المخاطر التي يتعرض لها الجنود، واصفًا التحكم عن بعد بأنه عنصر أساسي في العمليات البرية غير المأهولة.
وتقول «أوتوبيا» على موقعها الإلكتروني إن تقنياتها «مختبرة في المعارك»، وتعرض استخداماتها في مجالات من بينها العمليات القتالية والتعامل مع الأهداف، كما تروج لإمكانية تشغيل الجرافات والمركبات العسكرية عن بعد.
لكن هذه التكنولوجيا أصبحت موضع انتقاد حاد بسبب الحديث عن استخدامها في الحرب على غزة.
روبوتات ومركبات متفجرة في غزة
وفقًا لما أوردته «ميدل إيست آي»، قال مؤسس «أوتوبيا» أميت روزنزفيغ إن الشركة زودت الجيش الإسرائيلي في غزة بناقلات جنود مدرعة محملة بالمتفجرات، فيما تحدث عن إمكانية تشغيل مركبات عسكرية عن بعد من مسافة آمنة.
وتقول منظمات حقوقية إن استخدام مركبات متفجرة يتم التحكم فيها عن بعد في مناطق سكنية مكتظة ارتبط بعمليات هدم واسعة النطاق وأثار مخاوف بشأن سلامة المدنيين والقواعد التي تحكم استخدام القوة أثناء النزاعات المسلحة.
وبحسب «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، بدأت إسرائيل استخدام مركبات متفجرة يتم التحكم فيها عن بعد داخل مناطق سكنية مكتظة في قطاع غزة خلال مايو 2024، قبل أن يتوسع استخدامها لاحقًا، وفق رواية المرصد.
وتحدث المرصد كذلك عن استخدام مكثف لهذه المركبات خلال فترات لاحقة من الحرب، وقدّم أرقامًا عن عمليات تدمير للمباني ومركبات متفجرة قال إنه وثق استخدامها في القطاع.
هل كانت «أوتوبيا» وراء تلك المركبات؟
هنا تظهر إحدى أهم النقاط التي تستدعي الحذر.
فالمرصد الأورومتوسطي قال إنه لا يستطيع التحقق بشكل مستقل من أن المركبات التي وثق استخدامها في غزة كانت تعمل تحديدًا بتكنولوجيا «أوتوبيا».
لكنه أشار إلى وجود أوجه تشابه بين بعض المركبات التي ظهرت في القطاع وبين التقنيات التي تتحدث عنها الشركة الإسرائيلية في موادها التعريفية، فيما تعرض «أوتوبيا» حلولًا للتحكم عن بعد في مجموعة واسعة من المركبات، بما فيها الجرافات والمركبات العسكرية.
وبالتالي، فإن الربط المباشر بين كل مركبة متفجرة استخدمت في غزة وبين شركة «أوتوبيا» لا يمكن اعتباره أمرًا مثبتًا استنادًا إلى هذه المعطيات وحدها.
غزة تدفع الثمن.. والتراث في دائرة الخطر
ولا يقتصر الجدل على الخسائر البشرية والدمار العمراني، إذ تقول جهات حقوقية إن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالتراث الثقافي الفلسطيني في غزة.
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى تضرر مواقع دينية وتاريخية وثقافية في مناطق شهدت عمليات عسكرية، بينها مواقع في جباليا ومدينة غزة.
ومن بين المواقع التي أشار إليها المسجد العمري القديم والكنيسة البيزنطية وفندق المتحف ومسجد الشيخ سعد وبيت ومحل رجب إبراهيم عبد ربه.
وقال أنس جرجاوي من المرصد، وفق «ميدل إيست آي»، إن استخدام هذه الأسلحة داخل مناطق مكتظة بالسكان يهدد، إلى جانب المدنيين والمباني السكنية، النسيج التاريخي والثقافي للمجتمع الفلسطيني.
من غزة إلى جنوب لبنان
وتتجاوز القضية حدود قطاع غزة. فقد أشارت الصحيفة إلى استخدام مركبات يتم التحكم فيها عن بعد في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بالتزامن مع تدمير بلدات وقرى ومواقع على طول الحدود.
كما استشهدت بتصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحدث فيها عن إعادة تطبيق ما وصفه بـ«نموذج الدمار في غزة» في جنوب لبنان.
ومع ذلك، لا توجد، بحسب التقرير، أدلة تثبت أن تكنولوجيا «أوتوبيا» تحديدًا استُخدمت في كل عمليات الهدم التي شهدها جنوب لبنان.
استثمار في مستقبل التكنولوجيا الدفاعية
في المقابل، لا يخفي صندوق «وورلد كوانت جينيسيس» توجهه نحو التكنولوجيا المتقدمة.
وبحسب صحيفة «كالكيليست» الإسرائيلية، يستهدف الصندوق شركات ناشئة في مراحلها الأولى تجمع بين الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، وقد استثمر بالفعل في شركة إسرائيلية ناشئة تعمل على تطوير تقنيات لمواجهة أسراب الطائرات المسيرة منخفضة التكلفة.
ويقول تولتشينسكي إن التزامه تجاه إسرائيل ومستقبلها لا يزال ثابتًا، مشيرًا إلى ما يعتبره مزيجًا استثنائيًا من الجامعات والقدرات التقنية والخبرة العسكرية والقدرة على التعامل مع التحديات المعقدة.
كما سبق أن تحدث عن تقديم دعم مالي للجيش الإسرائيلي بعد هجمات 7 أكتوبر 2023 وبداية الحرب على غزة، مؤكدًا أنه قدم الأموال عبر منظمة.
المتحف أمام سؤال أخلاقي
من هنا جاء الاعتراض من جانب «فنانون من أجل فلسطين في المملكة المتحدة»، وهي شبكة تضم فنانين وعاملين في المجال الثقافي، والتي وصفت اختيار تولتشينسكي راعيًا للمعرض بأنه مثير للغضب.
وترى الشبكة أن ارتباطاته الاستثمارية في إسرائيل تثير تساؤلات حول المعايير الأخلاقية التي يعتمدها المتحف البريطاني في اختيار رعاته، خصوصًا في ظل الجدل الدولي المستمر حول الحرب في غزة والاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي.
كما يأتي ذلك بعد انتقادات أخرى طالت المتحف بسبب علاقاته مع رجال أعمال وشركات مثيرة للجدل، من بينها الملياردير بيتر ثيل، مؤسس شركة «بالانتير»، التي ترتبط بعقود تكنولوجية مع جهات عسكرية وأمنية إسرائيلية.
وبحسب «ميدل إيست آي»، لم يقدم المتحف البريطاني ولا شركة «وورلد كوانت» ردًا على طلبات متعددة للتعليق على هذه المسائل.
عندما يلتقي التاريخ بالحاضر
المفارقة أن «نسيج بايو» الذي يعرضه المتحف البريطاني يروي قصة حرب وقعت قبل نحو ألف عام، بينما الجدل المحيط بالمعرض يعيد النقاش إلى حرب معاصرة ما زالت آثارها حاضرة بقوة.
وبين قطعة تاريخية جاءت إلى لندن لتروي قصة غزو قديم، واستثمارات حديثة تدور حول الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتكنولوجيا الدفاعية، يجد المتحف نفسه أمام سؤال يتجاوز قيمة المعروضات: هل يمكن فصل الفن والتاريخ عن مصادر تمويل المؤسسات الثقافية وعلاقات رعاتها التجارية والسياسية؟
بالنسبة إلى منتقدي المتحف، الإجابة ليست بسيطة. أما إدارة المؤسسة ورعاتها، فلم تقدّم حتى الآن، وفق التقرير، ردًا علنيًا على الانتقادات التي أثارتها هذه الروابط.
وهكذا، لم يعد «نسيج بايو» وحده تحت أضواء المتحف البريطاني؛ فالراعي الذي موّل عرضه أصبح بدوره جزءًا من قصة أكبر، تتقاطع فيها الثقافة مع الاستثمار والتكنولوجيا والحرب، وتطرح سؤالًا حساسًا عن حدود المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات الثقافية الكبرى.
اقرأ المزيد
بعد احتجاجات غزة.. وثائق تكشف تراجع جامعة كامبريدج سرا عن خطة تقليص استثماراتها في شركات الأسلحة
إسرائيل تسعى لبيع أسلحة لدول الخليج.. هل يتحول التطبيع إلى تعاون عسكري؟

