وطن-لم يكن سقوط حسني مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 نهاية النظام السياسي الذي حكم مصر لعقود، بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة أعادت فيها مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، ترتيب مواقعها داخل المشهد السياسي.
في تلك اللحظة، برز اسم المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، باعتباره الرجل الأقوى في المرحلة الانتقالية. وبعد أقل من عامين، سيظهر اسم آخر في موقع أكثر قوة: عبد الفتاح السيسي، الذي كان مديرًا لإدارة المخابرات الحربية قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع، ثم رئيسًا للجمهورية.
وبين الرجلين تمتد واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث إثارة للجدل: هل كانت ثورة 25 يناير قد أسقطت نظام مبارك فعلًا، أم أنها أطاحت بالرئيس بينما بقيت مؤسسات النفوذ الأساسية قادرة على إعادة إنتاج نفسها؟
طنطاوي بعد سقوط مبارك
بعد تنحي مبارك، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد، برئاسة طنطاوي، في مرحلة انتقالية اتسمت بالاضطراب السياسي والاحتجاجات المتواصلة.
وكان الجيش قد أعلن خلال أيام الثورة أنه لن يوجه السلاح إلى المتظاهرين، وهو موقف لعب دورًا في منع تحول الاحتجاجات إلى مواجهة شاملة بين القوات المسلحة والشارع.
لكن العلاقة بين المجلس العسكري والقوى الثورية سرعان ما دخلت مرحلة أكثر توترًا، مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد المطالب بتسليم السلطة إلى المدنيين.
وهنا بدأ الجدل حول طبيعة الدور الذي لعبه طنطاوي: هل كان هدف المؤسسة العسكرية حماية الدولة من الانهيار، أم الحفاظ في الوقت نفسه على نفوذها السياسي ومصالحها المؤسسية؟
شهادة طنطاوي في «محاكمة القرن»
أحد أكثر فصول تلك المرحلة إثارة للجدل جاء مع شهادة طنطاوي في قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وعدد من المسؤولين.
وفي شهادته، قال طنطاوي إنه لم يُطلب منه استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، كما أكد أنه لم تكن لديه معلومات مؤكدة عن صدور أوامر من مبارك باستخدام القوة ضد المحتجين. ونُسب إليه كذلك قوله إنه لا يستطيع تحميل جهاز الشرطة وحده مسؤولية عمليات القتل.
وأصبحت هذه الشهادة لاحقًا موضع جدل سياسي وإعلامي كبير، إذ رأى منتقدو طنطاوي أنها ساهمت في تقديم رواية أقل تحميلًا لمسؤولي نظام مبارك للمسؤولية عن أحداث الثورة، بينما اعتبر آخرون أنها عكست ما قاله الرجل أمام المحكمة بناءً على ما كان يعرفه شخصيًا.
المهم هنا أن الشهادة نفسها تحولت إلى جزء من الصراع على تفسير ما حدث خلال الأيام الثمانية عشر التي سبقت تنحي مبارك.
من ماسبيرو إلى محمد محمود
لم تتوقف المواجهات بعد رحيل مبارك، فخلال فترة إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية، شهدت مصر أحداثًا دامية، بينها مواجهات ماسبيرو في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وأحداث مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ثم اشتباكات محمد محمود، إضافة إلى مواجهات محيط وزارة الدفاع في العباسية عام 2012.
وسقط عشرات القتلى في تلك المواجهات، بينما ازداد اتساع الفجوة بين قطاعات من القوى الثورية والمجلس العسكري. وبذلك تحولت الثورة، التي بدأت بمطالب تتعلق بالحرية والعدالة الاجتماعية، إلى صراع سياسي متزايد حول سؤال أكبر: من يملك القرار في مصر بعد مبارك؟
السيسي.. الرجل الذي خرج من الظل
في خضم هذه المرحلة، كان عبد الفتاح السيسي يشغل منصب مدير المخابرات الحربية والاستطلاع. ولم يكن اسمه آنذاك حاضرًا في الواجهة السياسية مثل طنطاوي، لكنه كان جزءًا من المؤسسة العسكرية التي أدارت المرحلة الانتقالية.
وفي أغسطس/آب 2012، اتخذ الرئيس محمد مرسي قرارًا مفاجئًا بإحالة طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان إلى التقاعد، وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي كان قد منح المجلس العسكري صلاحيات واسعة. وفي الوقت نفسه، عيّن مرسي السيسي وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة بعد ترقيته إلى رتبة فريق أول.
كان ذلك التحول لحظة فاصلة: الرجل الذي كان يدير المرحلة الانتقالية خرج من منصبه، والرجل الذي كان يعمل في إحدى أهم مؤسسات المعلومات داخل الجيش انتقل إلى قمة المؤسسة العسكرية.
هل انتهى نفوذ طنطاوي؟
رسميًا، غادر طنطاوي منصبه في أغسطس/آب 2012، وعُيّن مستشارًا لرئيس الجمهورية ومنح قلادة النيل. لكن خروج الرجل من المنصب لم يكن بالضرورة يعني انتهاء المرحلة التي قادها أو اختفاء المؤسسة التي كان يمثلها.
فهنا تكمن المفارقة التي جعلت الانتقال من طنطاوي إلى السيسي موضع اهتمام كبير في القراءات السياسية اللاحقة: المؤسسة العسكرية لم تختفِ من المشهد، بل استمر حضورها السياسي، قبل أن يصل السيسي نفسه إلى رئاسة الجمهورية بعد أحداث 2013.
وهذا لا يعني، بالضرورة، أن هناك خطة موثقة ومتصلة بين الرجلين لإعادة إنتاج الحكم نفسه؛ لكن تسلسل الأحداث سمح لمنتقدي النظام المصري بالقول إن انتقال السلطة من طنطاوي إلى السيسي لم يكن انتقالًا بعيدًا عن المؤسسة العسكرية، بل كان انتقالًا داخلها.
من احتواء الثورة إلى إعادة تشكيل السلطة
إذا كان طنطاوي قد وجد نفسه أمام مهمة إدارة بلد خرج للتو من ثورة، فإن السيسي وصل لاحقًا إلى موقع مختلف تمامًا. كما قاد الطنطاوي المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقالية، بينما أصبح السيسي لاحقًا وزيرًا للدفاع، ثم قاد المؤسسة العسكرية خلال الأزمة السياسية التي انتهت بعزل مرسي في يوليو/تموز 2013، قبل أن يفوز بالرئاسة في انتخابات 2014.
ومن هنا ظهرت قراءة سياسية ترى أن ثورة يناير لم تُنهِ نفوذ المؤسسة العسكرية، وإنما أعادت توزيع الأدوار داخل الدولة.
هذه القراءة، بطبيعة الحال، ليست حقيقة واحدة متفقًا عليها؛ فأنصار المؤسسة العسكرية يرون أن الجيش تدخل في مراحل مختلفة للحفاظ على الدولة ومنع انهيارها، بينما يرى منتقدو النظام أن المؤسسة العسكرية حافظت على موقع مركزي في الحياة السياسية رغم سقوط مبارك.
هل سقط النظام أم الرئيس فقط؟
بعد أكثر من عقد على سقوط مبارك، يبقى السؤال الذي طرحته ثورة يناير حاضرًا في قراءات كثيرة للتاريخ المصري الحديث: هل كان سقوط مبارك سقوطًا لنظام كامل، أم سقوطًا لرأس النظام فقط؟
طنطاوي لم يبقَ في السلطة بعد 2012، والسيسي لم يكن يومها رئيسًا ولا حتى وزيرًا للدفاع. لكن المؤسسة العسكرية ظلت لاعبًا أساسيًا في المشهد، قبل أن يعود أحد أبرز رجالها إلى قصر الرئاسة.
وبين طنطاوي والسيسي، لا تبدو القصة مجرد انتقال بين شخصين، بقدر ما تكشف عن علاقة معقدة بين الثورة، والدولة، والمؤسسة العسكرية، والسلطة السياسية.
فربما تغيّر الرئيس أكثر من مرة، وتبدلت الوجوه والمواقع، لكن السؤال الأصعب ظل قائمًا: هل غيّرت ثورة يناير شكل الدولة المصرية، أم أنها غيّرت رأس السلطة بينما بقيت مراكز النفوذ الأساسية قادرة على الاستمرار؟
قد يعجبك
اعتقال إسماعيل دولار بعد صبري نخنوخ.. هل يعيد السيسي ضبط “دولة البلطجية” في مصر؟
محمود فتحي وزوجته في قلب أزمة بين ليبيا ومصر.. هل جرى تسليمهما إلى القاهرة؟
قاع الهامور.. كيف تحولت نكتة على فيسبوك إلى مجتمع رقمي يقلق النظام المصري؟
في الذكرى الـ13 لمجزرة رابعة.. عائلات الضحايا تطالب مصر بالإفراج عن السجناء السياسيين

