وطن-حذّرت شركة آبل ما لا يقل عن ثلاثة وزراء أتراك من احتمال استهداف هواتفهم ببرمجيات تجسس تجارية متطورة، في واقعة تعيد إلى الواجهة المخاوف بشأن استخدام أدوات المراقبة الرقمية ضد مسؤولين وشخصيات سياسية بارزة في تركيا والمنطقة.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، أرسلت آبل إشعارات أمنية إلى هواتف الوزراء، ضمن حملة تحذيرات أوسع شملت مستخدمي هواتف «آيفون» في نحو 110 دول، من بينها تركيا.
وتشير هذه الإشعارات إلى احتمال تعرض الأجهزة لمحاولات اختراق باستخدام برمجيات تجسس مأجورة، وهي أدوات متقدمة تُستخدم عادة لاستهداف شخصيات سياسية وأمنية وصحفية واقتصادية، وقد تكون قادرة على الوصول إلى بيانات حساسة دون علم صاحب الهاتف.
أنقرة ترجّح فشل الاختراق
ونقلت الصحيفة عن مسؤول تركي، لم تكشف هويته، أن السلطات تعتقد أن محاولات اختراق هواتف الوزراء لم تنجح.
وبحسب المصدر، كان المسؤولون يستخدمون هواتف مزودة بإجراءات حماية متقدمة، إلى جانب تطبيقات مشفرة مخصصة للتعامل مع المعلومات الحساسة.
وبعد وصول تحذيرات آبل، تولت الجهات التركية المختصة بالأمن السيبراني فحص الأجهزة، قبل استبدالها واتخاذ إجراءات أمنية إضافية.
ولم تكشف السلطات التركية أسماء الوزراء الذين تلقوا الإشعارات، في ظل حساسية القضية وارتباطها بأمن الاتصالات الحكومية.
سوابق تركية مع «بيغاسوس»
ولا تأتي هذه التحذيرات في فراغ، إذ سبق أن ارتبط اسم مسؤولين أتراك كبار بقضايا استهداف ببرمجيات التجسس.
ففي عام 2021، كشفت تحقيقات دولية أن أرقام هواتف لمسؤولين وشخصيات تركية ظهرت ضمن قوائم مرتبطة ببرنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس»، الذي طورته شركة «إن إس أو غروب».
وفي العام نفسه، كشفت منظمة «فوربيدن ستوريز» بالتعاون مع مؤسسات إعلامية دولية، أن أكثر من 50 ألف رقم هاتف حول العالم جرى تحديدها كأهداف محتملة للمراقبة أو الاختراق منذ عام 2016.
وأثار التحقيق آنذاك واحدة من أكبر الفضائح المتعلقة باستخدام برمجيات التجسس التجارية، بعدما ظهرت مؤشرات على استهداف صحفيين وسياسيين ونشطاء وشخصيات عامة في عدد من الدول.
من يقف وراء المحاولات الجديدة؟
يتعلق السؤال الأكثر حساسية في القضية الحالية بالجهة التي تقف وراء محاولات الاستهداف. ووفق «ميدل إيست آي»، ظهرت تكهنات في تركيا بشأن احتمال تورط دول، من بينها إسرائيل أو اليونان، إلا أن هذه الفرضيات لم تُثبت.
كما أن تحديد مصدر الهجوم السيبراني ليس مهمة سهلة، خصوصًا أن شركات عدة حول العالم تطور وتبيع أدوات تجسس متقدمة لحكومات وأجهزة أمنية.
وبالتالي، فإن ظهور مؤشر تقني مرتبط بدولة معينة لا يعني بالضرورة أن حكومة تلك الدولة هي التي نفذت الهجوم، إذ يمكن أن تمر العمليات عبر بنى تحتية أو خوادم موجودة في دول أخرى.
هجمات «من دون نقرة»
تكمن خطورة بعض برمجيات التجسس الحديثة في قدرتها على استغلال ثغرات أمنية من دون أن يضطر الضحية إلى الضغط على رابط أو فتح ملف.
ويُعرف هذا النوع من الهجمات باسم «هجمات من دون نقرة»، إذ يمكن في بعض الحالات استغلال ثغرة في تطبيق أو نظام تشغيل بمجرد وصول رسالة أو بيانات مصممة خصيصًا إلى الجهاز.
وقد ارتبط «بيغاسوس» في السابق باستغلال ثغرات في خدمات وتطبيقات على هواتف «آيفون»، ما سمح في حالات موثقة بالوصول إلى رسائل وبيانات ومعلومات حساسة.
لكن التحذيرات الأخيرة من آبل لا تعني بالضرورة أن «بيغاسوس» هو البرنامج المستخدم، إذ لم يُكشف حتى الآن عن طبيعة أداة التجسس التي يُشتبه في استخدامها ضد الوزراء الأتراك.
«نمط العزل».. خط دفاع آبل
في مواجهة هذا النوع من الهجمات عالية التعقيد، توفر آبل ميزة أمنية متقدمة تُعرف باسم «نمط العزل»، وهي مصممة خصيصًا للمستخدمين الذين قد يكونون أهدافًا لهجمات رقمية شديدة التطور.
وتعمل الميزة على تقليص بعض الوظائف والاتصالات التي يمكن استغلالها كمدخل للهجوم، بما يرفع مستوى الحماية، وإن كان ذلك يأتي على حساب بعض وظائف الهاتف.
وتشمل الإجراءات الأمنية الأخرى التي قد تلجأ إليها الجهات المستهدفة استبدال الأجهزة، تغيير أرقام الهواتف، تحديث أنظمة التشغيل، وتقليص كمية المعلومات الحساسة المخزنة على الأجهزة المحمولة.
خطر متزايد على المسؤولين
وقال المسؤول التركي الذي تحدثت إليه الصحيفة إن استهداف هواتف الوزراء والسياسيين ورجال الأعمال والشخصيات البارزة أصبح خطرًا يجب التعامل معه بجدية.
وأضاف أن الهجمات الرقمية قد لا تحتاج دائمًا إلى سبب واضح، ما يجعل اليقظة الأمنية ضرورية حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يعرفون لماذا قد يكونون هدفًا.
وتكشف القضية بذلك عن تحول الهواتف الذكية من مجرد أدوات اتصال إلى جزء أساسي من أمن الدولة، خصوصًا بالنسبة إلى المسؤولين الذين يحملون على أجهزتهم معلومات سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية.
آبل ترفع مستوى التحذير
وتأتي تحذيرات آبل في سياق أوسع من تنبيهات الشركة لمستخدمين حول العالم يشتبه في أنهم قد يكونون أهدافًا لبرمجيات تجسس مأجورة.
وعلى خلاف الهجمات الإلكترونية التقليدية التي تستهدف أعدادًا كبيرة من المستخدمين، غالبًا ما تكون هذه العمليات أكثر انتقائية، وتركز على أشخاص محددين بسبب مواقعهم أو المعلومات التي يمتلكونها.
ولهذا السبب، يمثل وصول إشعار أمني من آبل إلى مسؤول حكومي تطورًا يستحق المتابعة، حتى إذا لم يثبت نجاح عملية الاختراق.
فالمشكلة لم تعد تقتصر على احتمال اختراق هاتف وزير، بل تمتد إلى السؤال الأكبر: من يمتلك القدرة على مراقبة المسؤولين، ومن يستطيع الوصول إلى اتصالاتهم السرية دون أن يترك وراءه أدلة واضحة؟
وتعيد القضية التركية بذلك ملف برمجيات التجسس المأجورة إلى دائرة الضوء، في وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات الأمنية على تطوير أدوات أكثر تعقيدًا، بينما تحاول الدول حماية المسؤولين والمؤسسات الحساسة من هجمات قد تبدأ من هاتف محمول وتنتهي بكشف معلومات على مستوى الدولة.
اقرأ المزيد
بلجيكا تعتقل متدربة سابقة في الناتو بتهمة التجسس لصالح دولة أجنبية
تسريبات جديدة تكشف تفاصيل استخدام بيغاسوس في المغرب.. تجسس رقمي طال صحافيين ومسؤولين أجانب

