القدس – وطن – في تحول لافت داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، عاد ملف الهجرة الطوعية للفلسطينيين من غزة إلى صدارة النقاش العام، بعد أن كان لسنوات طويلة من القضايا المحظورة سياسياً. ومع اقتراب انتخابات 27 أكتوبر في إسرائيل، باتت الفكرة تحظى بدعم متزايد داخل أوساط اليمين الإسرائيلي، رغم ما تثيره من غضب دولي ورفض واسع لدى أطراف في المجتمع اليهودي الأميركي.
وقالت وكالة التلغراف اليهودية (JTA) إن عدداً من السياسيين البارزين في اليمين الإسرائيلي، بينهم وزراء يشغلون مواقع حساسة في الحكومة الحالية، طرحوا خلال الأسابيع الأخيرة تصورات مختلفة لتشجيع خروج الفلسطينيين من قطاع غزة، متعهدين بدفع هذه السياسات إذا شاركوا في الائتلاف الحكومي المقبل.
وكان أبرز هذه الطروحات ما أعلنه وزير الأمن القومي الإسرائيلي وزعيم حزب «عوتسما يهوديت» اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، الذي كشف الخميس عن خطة تمتد لسبع سنوات، تهدف إلى تشجيع الفلسطينيين في غزة على مغادرة القطاع «طوعاً»، في ظل حرب متواصلة بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس منذ قرابة ثلاث سنوات.
وقال بن غفير، في بيان إعلامي عقب مؤتمر صحفي افتراضي عقده في مدينة اللد جنوب شرقي تل أبيب: «هذا خيار حر، نحن لا نجبر أحداً على المغادرة، لكن هناك تشجيعاً على ذلك». وتكتسب مدينة اللد رمزية خاصة، إذ شهدت تهجيراً واسعاً لسكانها العرب خلال حرب عام 1948.
وبحسب ما أوردته وكالة JTA، فإن هذه الطروحات أثارت إدانات حادة من جهات دولية ومنظمات يهودية أميركية. فقد نددت منظمة «جي ستريت» الأميركية الليبرالية المؤيدة لإسرائيل بالخطة، وقالت في بيان الجمعة: «ينبغي أن يصيبنا الذعر عندما نرى دولة أُقيمت في أعقاب موت ودمار اليهود، تفكر في التطهير العرقي لشعب آخر».
وأضافت المنظمة أن خطة بن غفير لا يجب التعامل معها باعتبارها «خيالاً أو موقفاً هامشياً»، محذرة من أن «هذه الرؤية أصبحت الآن جزءاً من التيار السياسي العام، ويجب رفضها بشكل قاطع».
ورغم أن عدداً قليلاً من المراقبين السياسيين في إسرائيل يتوقعون أن تتحول مثل هذه الخطة إلى سياسة حكومية رسمية، حتى إذا استمر اليمين في الحكم، فإن منتقدين يخشون من أن يؤدي طرحها المتكرر خلال الحملة الانتخابية إلى تطبيع الفكرة داخل المجتمع الإسرائيلي، وإلحاق مزيد من الضرر بمكانة إسرائيل الدولية. وكان يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» اليساري، قد وصف الدعوات الحكومية لتشجيع «الهجرة الطوعية» لسكان غزة بأنها «غير مقبولة».
وأوضحت وكالة التلغراف اليهودية أن بن غفير حرص، خلال عرض خطته، على التأكيد أن مغادرة الفلسطينيين من غزة ستكون طوعية، وأطلق على برنامجه اسم «فك الارتباط 710». ويشير الاسم إلى خطة الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، المعروفة باسم «فك الارتباط»، والتي شملت إخلاء نحو 8 آلاف مستوطن إسرائيلي وهدم 21 مستوطنة في القطاع. أما الرقم 710 فيرمز إلى السابع من أكتوبر، تاريخ الهجوم الذي قادته حماس على جنوب إسرائيل، وأسفر عن مقتل 1200 شخص واحتجاز 251 رهينة، وفق الرواية الإسرائيلية.
وتنص خطة بن غفير على إنشاء وزارة حكومية خاصة، يتولاها وزير مخصص للإشراف على جهود هجرة الفلسطينيين من غزة. كما تقترح تقديم حوافز مالية لسكان القطاع الذين يوافقون على المغادرة، إلى جانب منح مكافآت مالية للدول التي تستقبلهم.
ووفقاً لما نقلته JTA، يهدف البرنامج إلى خروج 250 ألف فلسطيني من غزة خلال السنة الأولى، على أن يصل العدد إلى 1.86 مليون خلال سبع سنوات، أي ما يقارب معظم سكان القطاع البالغ عددهم نحو 2.1 مليون نسمة. وقال بن غفير إن كل فلسطيني يغادر سيكون له برنامج استيعاب في دولة أخرى، مدعياً وجود دول مستعدة لاستقبال فلسطينيين مقابل حوافز مالية.
ورغم أن بن غفير يقف في أقصى اليمين الإسرائيلي، فإن الفكرة لم تعد محصورة في التيارات المتطرفة فقط. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وهو قيادي في حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن «لا حل حقيقياً لغزة من دون الهجرة».
وكان كاتس قد أعلن في فبراير 2025 إنشاء هيئة مكلفة بتشجيع الهجرة من غزة، وقال هذا الأسبوع إن هذه الهيئة «مستعدة بالكامل» للحظة التي تسمح فيها الظروف لإسرائيل بتشجيع سكان القطاع على المغادرة.
وبحسب وكالة JTA، قال كاتس خلال مقابلة علنية في مؤتمر نظمته مجموعة «واي نت» الإعلامية العبرية ومعهد الديمقراطية الإسرائيلي، الأربعاء، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب «جمّد» المبادرة تحت ضغط دول عربية. لكنه شدد في المقابل على أن المبادرة لم تُلغَ، وأن النقاشات حولها لا تزال مستمرة.
وأثارت تصريحات كاتس ردود فعل غاضبة في الولايات المتحدة. فقد دعا السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين، ممثل ولاية ماريلاند، إلى إنهاء ما وصفه بـ«التواطؤ مع التطهير العرقي الإسرائيلي للفلسطينيين». وكتب على منصة «إكس» أنه بعد زيارته مع السيناتور جيف ميركلي إلى حدود غزة ومصر العام الماضي، أصدرا تقريراً بعنوان «حكومة نتنياهو تنفذ خطة لتطهير غزة عرقياً من الفلسطينيين»، مضيفاً أن وزير الدفاع الإسرائيلي «أكد الآن أن هذا هو الهدف».
لكن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، قال للصحفيين السبت إن «لا أحد يقترح أن يكون هناك تهجير قسري، لا الإسرائيليون ولا الأميركيون بالتأكيد، ولا أعرف أحداً يؤيد ذلك».
وتعود جذور الجدل الحالي إلى يناير 2025، عندما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أيام من عودته إلى البيت الأبيض، فكرة هجرة الفلسطينيين من غزة بوصفها حلاً محتملاً للصراع بين إسرائيل وحماس، وطريقاً لخروج السكان من الدمار الذي خلّفته الحرب.
وقالت وكالة التلغراف اليهودية إن بعض المؤشرات في ذلك الوقت أظهرت أن فكرة فتح مسار للهجرة الطوعية لم تكن مرفوضة بالكامل لدى سكان غزة. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب إنترناشونال» البريطانية في مارس 2025 أن 52% من سكان القطاع قالوا إنهم سيغادرون إلى دولة أخرى إذا أُتيحت لهم الفرصة، بينهم 38% يريدون مغادرة مؤقتة، و14% يرغبون في هجرة دائمة.
غير أن الفكرة قوبلت بإدانة قوية من شخصيات دولية، خصوصاً حلفاء واشنطن العرب. وفي نهاية المطاف، تراجع ترامب عنها واستبدلها بخطته المكونة من 20 بنداً لإنهاء الحرب، والتي نصت صراحة على عدم تشجيع سكان غزة على المغادرة.
ومع ذلك، رأت قطاعات واسعة في اليمين الإسرائيلي أن تصريحات ترامب الأولى فتحت الباب أمام طرح فكرة كانت تُعد لسنوات خارج حدود النقاش السياسي المقبول. وقد أبدى نتنياهو نفسه، بعد فترة قصيرة من إثارة ترامب للموضوع في مطلع 2025، دعماً للفكرة، قائلاً: «فُتح الباب أيضاً أمام رؤية الرئيس ترامب لسكان غزة كي يغادروا القطاع بمحض إرادتهم. أعتقد أن هذه فكرة مهمة جداً. نحن نعمل عليها باستمرار مع الأميركيين، وأقول لكم إن ذلك ممكن».
ووفقاً لما أوردته JTA، أظهر استطلاع أجراه «معهد سياسة الشعب اليهودي» في القدس في مارس 2025 أن 52% من اليهود الإسرائيليين أيدوا نقل الفلسطينيين من غزة وفق الخطوط العامة لخطة ترامب.
كما حصلت فكرة «الهجرة الطوعية» على دعم من بعض شخصيات المعارضة الإسرائيلية. ففي عام 2025، قال زعيم المعارضة يائير لابيد إن على إسرائيل «تطوير خطة طويلة الأمد للقضاء على حماس وتشجيع الهجرة الطوعية». لكن الأحزاب الرئيسية في كتلة المعارضة لم تؤيد علناً خطة بن غفير، ولم تطرح خططاً خاصة بها لتشجيع الهجرة.
وفي الآونة الأخيرة، ذهب بعض السياسيين الإسرائيليين إلى أبعد من ذلك، بطرح سيناريوهات لا يكون فيها خروج سكان غزة طوعياً. فقد تحدث عضو بارز في حزب «الصهيونية الدينية» اليميني المتطرف، الذي يقوده وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، عن «هجرة قسرية».
كما قال السياسي اليميني المتشدد موشيه فيغلين، قبل انضمامه إلى الحزب الشهر الماضي: «علينا، بطريقة أو بأخرى، أن نضمن ألا يبقى أي غزي هناك»، مشيراً إلى إمكانية إجبارهم على المغادرة «بأي وسيلة ممكنة».
ونقلت وكالة التلغراف اليهودية أيضاً عن العميد المتقاعد عوفر فينتر، وهو مرشح سياسي جديد يترأس حزباً يمينياً صاعداً باسم «عمخا يسرائيل»، قوله في مؤتمر إطلاق الحزب في أغسطس إن «الحل لغزة واحد: الهجرة»، قبل أن يؤكد لاحقاً أن «هذه ليست مجرد شعارات».
ورغم موجة التأييد داخل اليمين الإسرائيلي، لا توجد مؤشرات عملية على اقتراب تنفيذ هذا السيناريو. فقد قال مسؤول إسرائيلي كبير للصحفيين هذا الأسبوع إن أي دولة لم توافق حتى الآن على استقبال سكان من غزة. كما أشار وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى أن الدول المحتملة لاستقبال الفلسطينيين تريد دعماً أميركياً قبل اتخاذ أي خطوة.
وفي وقت سابق، طُرحت أسماء دول مثل أرض الصومال وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية في نقاشات داخلية إسرائيلية باعتبارها وجهات محتملة لسكان غزة، وفق تقارير إعلامية.
لكن خطة ترامب ذات العشرين بنداً بشأن غزة، التي نُشرت لأول مرة في سبتمبر 2025 والتزمت إسرائيل بها، تتعارض صراحة مع أي محاولة لتشجيع الهجرة من القطاع. وينص البند الثاني عشر من الخطة على أنه «لن يُجبر أحد على مغادرة غزة»، وأنه «سيتم تشجيع الناس على البقاء ومنحهم فرصة لبناء غزة أفضل».
وكان ترامب قد برر طرحه الأول لفكرة نقل سكان غزة بالظروف الكارثية التي يعيشونها. وقال في الأسابيع الأولى من ولايته الثانية: «أعتقد أنه ينبغي أن يحصلوا على قطعة أرض جيدة وجديدة وجميلة، وأن نجلب أشخاصاً لتمويل بنائها»، مضيفاً: «لا أعرف كيف يمكنهم أن يرغبوا في البقاء».
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الدمار الذي خلفته الحرب أدى إلى نزوح معظم السكان الفلسطينيين داخل غزة، فيما دُمّر نحو 60% من المنازل. وحذرت الأمم المتحدة من أن إعادة الإعمار قد تكلف 71.4 مليار دولار وتستغرق سنوات طويلة.
غير أن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، حذر من أن خطط نقل سكان غزة ترقى إلى مستوى التطهير العرقي، وهي اتهامات يرددها مسؤولون فلسطينيون ومنتقدون لإسرائيل داخل المجتمع الدولي.
وكانت المعارضة الدولية الأشد قد صدرت عن المسؤولين الفلسطينيين والدول العربية وحلفاء رئيسيين للولايات المتحدة في الغرب. وقال وزير خارجية ألمانيا في عام 2025 إن «قطاع غزة للفلسطينيين، وطردهم سيكون غير مقبول ومخالفاً للقانون الدولي».
كما أصدرت الإمارات، إلى جانب وزراء خارجية سبع دول هي السعودية وقطر والأردن وإندونيسيا وباكستان وتركيا ومصر، بياناً الأحد أدانت فيه مقترحات بن غفير وكاتس. ودعت الدول الموقعة المجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن الدولي، إلى وقف أي محاولة لتغيير الواقع الديمغرافي في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك قطاع غزة.
وأكد البيان أن «مثل هذه التصريحات والمقترحات التحريضية تنتهك بشكل صارخ مبادئ القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، وتشكل تهديداً مباشراً للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني».
اقرأ أيضاً:
الرجوب يكشف لقاءات مع قادة حماس في تركيا ويشكك في إجراء الانتخابات الفلسطينية
بن غفير يطرح خطة لتهجير جميع الفلسطينيين من غزة: إخراج 250 ألفاً في العام الأول والبقية خلال 6 سنوات

