وطن-في أعقاب الضربة الأمريكية التي استهدفت جزيرة لارك الإيرانية، بعث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان برسالة مزدوجة تجمع بين التهديد بالرد والانفتاح المشروط على المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن طهران لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تتردد في مواجهة أي هجوم يستهدف أراضيها.
وقال بزشكيان إن إيران مستعدة لاتخاذ «إجراء متبادل» فور عودة الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم المؤقتة الموقعة في يونيو الماضي، في إشارة إلى إمكانية استئناف المسار التفاوضي بالتوازي مع استمرار التوتر العسكري.
بزشكيان: لا نسعى إلى الحرب
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني بعد يوم من إعلان وسائل إعلام رسمية في طهران تعرض جزيرة لارك لقصف أمريكي، في تطور أعاد المخاوف من اندلاع جولة جديدة من التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
وتحدث بزشكيان، الاثنين، قبل توجهه إلى العاصمة القرغيزية بيشكيك للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بصيغة «SCO+»، قائلاً إن إيران «لا تبحث عن الحرب»، لكنها لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء.
وأضاف أن طهران ستوجه «رداً حاسماً» إذا تعرضت لهجوم جديد، في رسالة تعكس تمسك إيران بحقها في الرد على الضربات التي تستهدف أراضيها.
وفي الوقت نفسه، حرص الرئيس الإيراني على ترك نافذة مفتوحة أمام التفاوض، مؤكداً أن بلاده مستعدة للتحرك بشكل متبادل إذا عادت واشنطن إلى الالتزامات التي نصت عليها مذكرة التفاهم المؤقتة.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن بزشكيان قوله إن الجمهورية الإسلامية «ستتخذ على الفور إجراءً متبادلاً» إذا أوفت الولايات المتحدة بتعهداتها.
ضربة جزيرة لارك ترفع مستوى التوتر
وكانت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية «IRIB» قد أعلنت أن القوات الأمريكية نفذت، الأحد، ضربة على جزيرة لارك. وبحسب «ميدل إيست آي»، تمثل العملية أول ضربة أمريكية معروفة تستهدف إيران منذ يوليو، الأمر الذي أثار مخاوف من انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة.
وتكتسب جزيرة لارك أهمية استراتيجية بسبب موقعها قرب مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، والذي يمثل ممراً رئيسياً لشحنات الطاقة والتجارة الدولية.
وقالت السلطات الإيرانية إن القصف أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من العسكريين والمدنيين، فيما لم تتوافر بشكل مستقل معلومات كافية للتحقق من حجم الخسائر.
إيران تلجأ إلى مجلس الأمن
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تحركت طهران دبلوماسياً في الأمم المتحدة، مطالبة بوقف الهجمات الأمريكية. وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، بعث غلام حسين دارزي، نائب المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، برسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش وصف فيها الضربة بأنها انتهاك لسيادة إيران ووحدة أراضيها.
واتهم المسؤول الإيراني الولايات المتحدة والجهات المشاركة في الهجمات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات تعكس الرواية الرسمية لطهران بشأن العمليات العسكرية.
وأكد دارزي أن إيران أظهرت، بحسب قوله، قدراً كبيراً من ضبط النفس، لكنه حذر من أن القوات الإيرانية لن تتردد في الرد على أي هجمات إضافية تستهدف أراضي البلاد أو مصالحها.
مضيق هرمز تحت المجهر
ولا يقتصر تأثير التصعيد على الجانب العسكري، إذ امتدت تداعياته إلى حركة الملاحة وأسواق الطاقة. ويأتي ذلك في ظل التوتر حول مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن عبر المضيق يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وعلى الرغم من المخاوف، أظهرت بيانات أولية لتتبع السفن من شركة «Kpler» أن الحركة البحرية عبر المضيق لم تتوقف بالكامل الاثنين. وبحسب البيانات، عبرت خمس سفن الممر البحري، إذ دخلت أربع سفن وخرجت أخرى، من بينها ناقلة غاز فارغة وسفن لنقل البضائع الجافة.
وتشير هذه المعطيات إلى استمرار جزء من حركة الملاحة، رغم ارتفاع مستوى المخاطر والقلق بين شركات النقل البحري.
طهران تحاول طمأنة الأسواق
وفي الداخل الإيراني، سعى البنك المركزي إلى تهدئة المخاوف بشأن الوضع الاقتصادي وتداعيات التصعيد والعقوبات الأمريكية.
وقال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي إن بلاده تمتلك احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، مؤكداً استعداد البنك للتدخل في سوق الصرف إذا اقتضت الحاجة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، أشار همتي إلى إمكانية ضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف الأجنبي بهدف الحد من التقلبات.
وقال إن البنك المركزي يواصل تحصيل مستحقاته بالعملات الأجنبية، إلى جانب امتلاكه احتياطيات وموارد محلية يمكن استخدامها عند الضرورة.
وحاول همتي أيضاً توجيه رسالة طمأنة إلى الإيرانيين، قائلاً إن الظروف الاقتصادية والمعيشية صعبة، لكنه نفى احتمال انهيار الاقتصاد، واعتبر الحديث عن انهيار وشيك جزءاً من «الحرب النفسية».
رسائل مزدوجة من طهران
وتكشف تصريحات بزشكيان والتحركات الإيرانية الأخيرة عن استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسي. فمن جهة، تؤكد طهران أنها مستعدة للرد على أي هجوم جديد، في محاولة لردع الولايات المتحدة عن مواصلة الضربات.
ومن جهة أخرى، يحرص الرئيس الإيراني على التأكيد أن باب التفاوض لم يغلق بالكامل، وأن العودة إلى التفاهمات السابقة يمكن أن تفتح المجال أمام إجراءات متبادلة وخفض مستوى التصعيد.
وتأتي هذه الرسائل في وقت أصبحت فيه جزيرة لارك ومضيق هرمز جزءاً مركزياً من المواجهة، ليس فقط بسبب أهميتهما العسكرية، وإنما أيضاً بسبب تأثيرهما المحتمل على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
وبينما تراقب الأسواق تطورات الملاحة في الخليج، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت ضربة لارك ستشكل بداية لجولة جديدة من التصعيد، أم أنها ستدفع واشنطن وطهران إلى إعادة فتح قنوات التفاوض.
وفي الوقت الراهن، تبدو رسالة بزشكيان واضحة: إيران لا تريد حرباً مفتوحة، لكنها مستعدة للرد، وفي الوقت نفسه تترك باب التفاوض مفتوحاً إذا عادت واشنطن إلى التزاماتها السابقة.
اقرأ المزيد
هجوم أمريكي على جزيرة لارك الإيرانية.. وطهران ترد باستهداف قواعد أمريكية في الأردن
واشنطن تستأنف ضرباتها ضد إيران بعد شهر من الهدوء العسكري وتصاعد التوترات الإقليمية
إيران تحذر واشنطن: أي هجوم جديد سيواجه برد حاسم.. والتوتر يعود إلى الخليج
ترامب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي يُظهر تدمير جزيرة خارك الإيرانية.. وطهران تنفي وقوع الهجوم

