وطن-ظلّت تجارب الاقتراب من الموت واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل بين العلم والإيمان، بعدما تحدث آلاف الأشخاص حول العالم عن لحظات عاشوها وهم على حافة الموت، وصفوا خلالها شعوراً بمغادرة أجسادهم، ورؤية ضوء ساطع، والمرور عبر فضاء غريب، أو لقاء أشخاص متوفين وأشكال روحانية.
وعلى الرغم من أن العلم لم يحسم حتى الآن ما إذا كانت هذه التجارب تكشف عن وجود وعي يستمر بعد الموت، فإن باحثين متخصصين يؤكدون أن الظاهرة حقيقية من حيث حدوثها وتجربة أصحابها لها، فيما لا يزال تفسيرها النهائي موضع نقاش واسع.
امرأة رأت نفسها فوق جسدها
من بين القصص التي نقلتها صحيفة “يو إس إيه توداي”، تجربة كاتي وينشيف من مدينة بينساكولا بولاية فلوريدا الأمريكية، التي تقول إنها عاشت تجربة اقتراب من الموت عام 2015، بعدما انهارت رئتاها ودخلت في غيبوبة وتوقف تنفسها وتوقّف قلبها عن النبض.
تروي وينشيف أنها شعرت بأنها تطفو فوق جسدها، بينما كان المسعفون يضعونها على كرسي متحرك وينقلونها بسرعة إلى المستشفى.
ومع ارتفاعها في الهواء، بدأت ترى الأشخاص الموجودين أسفلها يصغرون تدريجياً، قبل أن تتمكن من رؤية سطح المستشفى والمركز التجاري المجاور، ثم لمحت في الأفق ضوءاً ساطعاً يشبه القمر المكتمل.
وتقول إنها تساءلت: «إلى أين أذهب؟».
وبسرعة خاطفة، شعرت بأنها اندفعت عبر ذلك الضوء إلى مكان غريب لا حدود واضحة له. وهناك رأت شخصية تشبه صورة المسيح، بعيون خضراء مزرقة شديدة اللمعان، وشعرت بسعادة وراحة لم تختبرهما من قبل.
لكن المشهد تغيّر عندما بدأت صور من حياتها تظهر أمامها؛ رأت والدتها وهي تبكي بعد خلاف بينهما، ورأت الألم على وجوه أطفالها، ثم رأت مشاهد تتعلق بالمستقبل، بينها تفكك عائلتها إذا ماتت وعدم قدرة الأسرة على رعاية جميع أطفالها.
عندها، كما تقول، أدركت أنها يجب أن تعود.

ماذا يحدث عندما يتوقف القلب؟
عادت وينشيف فجأة إلى جسدها، لتجد نفسها على سرير داخل غرفة الطوارئ، بينما كان الأطباء والمسعفون يحاولون إنقاذ حياتها.
ثم شعرت مرة أخرى بأنها خرجت من جسدها. وقالت إنها رأت كاهناً كاثوليكياً يقف عند رأس سريرها ويدهن جسدها بالزيت ويؤدي الطقوس الأخيرة، كما رأت زوجها جو في غرفة أخرى بالمستشفى وهو يجلس ويبكي. لاحقاً، علمت أن رئتيها انهارتا وأنها دخلت في غيبوبة، وأن تنفسها وقلبها توقفا لفترة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت مقتنعة بأنها رأت ما يحدث عندما يقترب الإنسان من الموت.
ملايين الأشخاص يقولون إنهم عاشوا التجربة
تقدر بعض الأبحاث أن شخصاً واحداً من بين كل 20 شخصاً ربما مرّ بتجربة اقتراب من الموت خلال حياته.
وأشارت دراسة حديثة إلى احتمال أن يكون العدد أكبر بكثير في الولايات المتحدة، إذ أفاد نحو ربع البالغين الأمريكيين، أي أكثر من 60 مليون شخص، بأنهم مروا بتجربة من هذا النوع، وفق استطلاع أجرته الرابطة الدولية لدراسات الاقتراب من الموت، وهي منظمة غير ربحية مقرها مدينة دورهام بولاية نورث كارولاينا.
وغالباً ما تحدث هذه التجارب بعد حالات تهدد الحياة، مثل توقف القلب، أو إصابات الدماغ الخطيرة، أو حوادث السيارات، أو فقدان كميات كبيرة من الدم.
ورغم اختلاف التفاصيل من شخص إلى آخر، تتكرر بعض العناصر بشكل لافت، مثل الإحساس بمغادرة الجسد، أو رؤية ضوء غير مألوف، أو المرور عبر نفق، أو لقاء أقارب وأصدقاء متوفين، أو شخصيات دينية وروحية، إضافة إلى الشعور بأن أحداث الحياة بأكملها تمر أمام الشخص في لحظات.
هل يعني ذلك أن الوعي يستمر بعد الموت؟
هنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للجدل. يعتقد بعض الباحثين المتخصصين في هذه الظاهرة أن تكرار التجارب وتشابه بعض تفاصيلها قد يمثل دليلاً على احتمال استمرار الوعي بعد توقف وظائف الجسم لفترة معينة.
ومن أبرز الباحثين في هذا المجال الطبيب النفسي بروس غرايسون، الذي درس أكثر من ألف حالة لتجارب الاقتراب من الموت خلال مسيرته العلمية. ويقول غرايسون إن هذه الحالات دفعته إلى الاعتقاد بأن الوعي ربما لا ينتهي بمجرد توقف الجسم عن العمل، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أنه لا يعرف طبيعة ما قد يحدث بعد الموت.
كما توجد آلاف الشهادات المسجلة في قواعد بيانات متخصصة، حيث يصف أصحابها بالتفصيل ما عاشوه أثناء تلك اللحظات. وتستخدم بعض الدراسات مقياساً وضعه غرايسون عام 1983 لتقييم تجارب الاقتراب من الموت، ويتضمن أسئلة حول الإحساس بالانفصال عن الجسد، وتغير الإحساس بالزمن، ومشاهدة الضوء أو الدخول إلى عالم مختلف، وغيرها من التفاصيل.

امرأة رأت الضوء أثناء الولادة
تروي نوريت نيسكالا، التي كانت تعيش في تل أبيب عام 1984، تجربة مختلفة بدأت أثناء ولادة ابنتها. كانت نيسكالا شابة تتمتع بصحة جيدة عندما تعرضت لمضاعفات خطيرة أثناء الولادة. وأدى دواء مستخدم لتحفيز الانقباضات إلى تمزق رحمها في عدة أماكن، بينما نجت طفلتها، لكن الأم فقدت كمية كبيرة من الدم وبدأت تدخل في غيبوبة.
في تلك اللحظات، تقول نيسكالا إنها شعرت بأنها انفصلت عن جسدها وأصبحت تطفو بحرية في فضاء مفتوح خارج حدود الزمن والمكان. وتتذكر أنها رأت ضوءاً وصفته بأنه أجمل ضوء رأته في حياتها، ثم وجدت نفسها أمام تشكيل يشبه سحابة أو كرة داكنة من الطاقة، شعرت بأنها تجذبها إليها.
وبعد دخولها ذلك المكان، قالت إنها رأت أشكالاً أخرى اعتقدت أنها أرواح أشخاص متوفين، وشعرت براحة وسعادة عميقتين. لكنها شعرت بأنها بحاجة إلى العودة إلى طفلتها حديثة الولادة وابنتها الأخرى البالغة من العمر خمس سنوات.
وبعد العملية، استيقظت في المستشفى وبقيت هناك لأسابيع. وتقول إن التجربة غيّرت حياتها بالكامل، إذ أصبحت أكثر ثقة بنفسها واتخذت قرارات شخصية ومهنية كبيرة، من بينها إنهاء علاقة مؤذية وترك وظيفتها المصرفية وبدء مشروع خاص بها.
العلم يبحث عن تفسير مختلف
رغم قوة هذه التجارب بالنسبة إلى أصحابها، فإن العلماء يميزون بوضوح بين الاقتراب من الموت والموت الفعلي. ويقول طبيب الأعصاب كيفن نيلسون إن الموت حالة نهائية لا يمكن الرجوع منها، بينما يكون الأشخاص الذين يمرون بتجارب الاقتراب من الموت في حالة شديدة الخطورة، لكنهم لم يصلوا بالضرورة إلى مرحلة الموت غير القابل للعكس.
ويشير نيلسون إلى أن الدماغ أثناء هذه الحالات قد يستمر في استقبال المعلومات ومعالجتها، حتى عندما يبدو الشخص فاقداً للوعي بالنسبة إلى من حوله. ولهذا السبب، يرى بعض الباحثين أن ما يصفه الناجون قد يكون مرتبطاً بتغيرات تحدث في الدماغ أثناء الأزمات الصحية الشديدة.
نقص الأكسجين أم نشاط الدماغ؟
حاولت دراسات علمية متعددة تفسير هذه الظاهرة من خلال التغيرات التي تحدث في الدماغ والجسم أثناء اقتراب الإنسان من الموت.
واقترح فريق من العلماء أن بعض التجارب قد تكون نتيجة تغير مستويات الأكسجين والغازات في الدماغ، أو تغير النشاط الكيميائي والكهربائي للخلايا العصبية، وهي تغيرات يمكن أن تنتج عنها مشاهد وأحاسيس شديدة الواقعية.
لكن هذه الفرضية واجهت انتقادات من بعض الباحثين في مجال تجارب الاقتراب من الموت، الذين يرون أنها لا تفسر جميع التفاصيل التي يرويها الناجون. ومن بين الأسئلة التي لا تزال مطروحة: كيف يمكن لبعض الأشخاص وصف أشخاص أو أماكن لم يكونوا يعرفون عنها شيئاً، أو تذكر أحداث وقعت حولهم أثناء فقدانهم الوعي؟
«لم يكن بإمكانها معرفة ما رأته»
تقدم قصة كاتي وينشيف واحدة من أكثر التفاصيل إثارة للجدل. بعد إنقاذها، أخبرت زوجها بما قالت إنها شاهدته أثناء وجودها خارج جسدها، بما في ذلك تفاصيل الغرفة التي كان موجوداً فيها، ومكان جلوسه، وملامح الغرفة، وحتى طريقة وضع ذراعيه أثناء بكائه.
وقال زوجها إنه أصيب بالذهول، مؤكداً أنها لم تكن قد دخلت تلك الغرفة من قبل، ولم تكن تعرف كيف كان يرتدي ملابسه في ذلك الوقت. كما وصفت وينشيف الكاهن الذي قالت إنه كان يؤدي الطقوس الأخيرة بجانبها.
وبعد أشهر، تمكنت من الوصول إلى المستشفى والتعرف إلى هويته. وكان الكاهن جورج ثيكو، الذي كان يعمل آنذاك ضمن رجال الدين المناوبين في المستشفى. ويقول باحثون إن مثل هذه القصص هي التي تجعل تجارب الاقتراب من الموت موضوعاً بالغ التعقيد، لأنها تطرح أسئلة لا يمكن تفسيرها بسهولة بمجرد الحديث عن الهلوسة.

تجربة أخرى.. لقاء الأقارب المتوفين
أما شيلا بوستر، فتروي تجربة حدثت لها عام 2000 بعد تعرضها لمضاعفات خطيرة أثناء عملية جراحية في الظهر. وخلال العملية، أصيب الشريان الأبهر لديها، ما تسبب في نزيف شديد وانخفاض حاد في ضغط الدم وتوقف التنفس ووظائف القلب.
تقول بوستر إنها وجدت نفسها وسط سحب جميلة وناعمة، محاطة بصوت هادئ يشبه الموسيقى، ثم رأت شقيقتها بريندا التي توفيت قبل سنوات، إضافة إلى عمها وجدّيها الذين كانوا قد فارقوا الحياة أيضاً.
وتقول إن التواصل بينهم لم يكن بالكلام، بل كان بطريقة شعورية مباشرة. كما قالت إنها رأت أحد مرضاها السابقين، وكانت تربطها به علاقة وثيقة، فأخبرها بأنه لا يزال أمامها الكثير من الحياة والأشياء التي ينبغي أن تفعلها.
وبحسب روايتها، أخبرها الجميع بأنها يجب أن تعود لأن وقتها لم يحن بعد. ثم شعرت بأنها عادت بقوة إلى جسدها، وكأنها سقطت من مكان مرتفع جداً.

«كانت حقيقية»
بعد استيقاظها، أخبرها الأطباء أن نبضها كان قد توقف لفترة قصيرة أثناء العملية، وأنها كانت في حالة حرجة للغاية. وبعد مرور سنوات، لا تزال بوستر تقول إنها لم تعد تخاف الموت بالطريقة نفسها التي كانت تخافه بها سابقاً. وتؤكد أنها تؤمن بالعلم، وأنها حاولت مراراً أن تجد تفسيراً علمياً لما حدث لها، لكنها لم تقتنع بأن التجربة كانت مجرد هلوسة أو نتيجة نقص الأكسجين. وتختصر موقفها بعبارة واضحة: «كانت حقيقية».
أين يقف العلم اليوم؟
على الرغم من آلاف الشهادات والدراسات، لم يتمكن العلم حتى الآن من إثبات أن تجارب الاقتراب من الموت تمثل دليلاً قاطعاً على وجود حياة بعد الموت. وفي المقابل، لم يتمكن الباحثون أيضاً من تقديم تفسير واحد يفسر جميع تفاصيل هذه التجارب لدى كل الأشخاص.
ويؤكد بعض العلماء أن الدماغ يمر بتغيرات معقدة أثناء الأزمات التي تهدد الحياة، وقد تكون هذه التغيرات مسؤولة عن الإحساس بالخروج من الجسد، ورؤية الضوء، واستحضار الذكريات، والشعور بوجود أشخاص آخرين.
أما الباحثون الذين يدرسون الظاهرة من زاوية مختلفة، فيرون أن بعض التفاصيل غير المعتادة، خصوصاً روايات إدراك أحداث خارج نطاق الحواس المعتادة، تستحق مزيداً من البحث.
وهكذا، تبقى تجارب الاقتراب من الموت في المنطقة الفاصلة بين الطب وعلم الأعصاب وعلم النفس والأسئلة الفلسفية والدينية الكبرى.
فهل ما يراه الإنسان عندما يكون على حافة الموت مجرد نتيجة لنشاط الدماغ في لحظاته الأخيرة؟ أم أن الوعي قد يمتلك طبيعة لا يزال العلم عاجزاً عن فهمها بالكامل؟
حتى الآن، لا توجد إجابة نهائية. لكن بالنسبة إلى ملايين الأشخاص الذين عاشوا تلك اللحظات وعادوا منها، فإن التجربة لم تكن حلماً عابراً، بل حدثاً غيّر نظرتهم إلى الحياة والموت بصورة دائمة.
اقرأ المزيد
20 مليون يورو لتغيير التاريخ… النمسا تحوّل منزل هتلر إلى مركز أمني
تقرير مرعب لهآرتس لعام 2026! مخدرات ومهدئات في الملاجئ.. إسرائيل تواجه أضخم موجة إدمان في تاريخها
في زمن “الإعجاب” الرقمي… حين تتحول الحاجة إلى القبول إلى قيدٍ غير مرئي

