وطن-في بلدة براوناو أم إن الهادئة، على الحدود بين النمسا وألمانيا، لا يبدو المبنى الواقع في شارع سالزبورغر فورشتات رقم 15 مختلفاً كثيراً عن غيره من البيوت القديمة. واجهته عادية إلى حد بعيد، رغم أن أصله يعود إلى القرن السابع عشر، لكن حجراً تذكارياً منصوباً أمامه يكشف جانباً من تاريخه الثقيل، إذ يحمل عبارة: «من أجل السلام والحرية والديمقراطية. لن يتكرر الفاشية أبداً. ملايين الموتى يذكّروننا بذلك».
قالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن هذا المبنى، الذي وُلد في طابقه العلوي أدولف هتلر في 20 أبريل 1889، افتُتح هذا الأربعاء مركزاً للشرطة، بعد معركة قانونية طويلة خاضتها الحكومة النمساوية لمنع تحوّله إلى مزار رمزي للنازيين الجدد والمتعاطفين مع إرث الديكتاتور النازي.
وعلى الرغم من أن هتلر لم يعش في هذا المنزل سوى الأسابيع الثلاثة الأولى من حياته، فإن رمزية المكان ظلّت تطارد السلطات النمساوية لعقود طويلة. فالمنزل لم يكن مجرد عقار قديم في بلدة حدودية، بل موقعاً شديد الحساسية في بلد لا يزال يتعامل مع ذاكرة النازية والهولوكوست والحرب العالمية الثانية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، تعود ملكية المنزل منذ أكثر من قرن إلى عائلة غيرلينده بومر، وهي من سكان البلدة، باستثناء فترة قصيرة صودر فيها العقار عقب ضمّ النمسا إلى ألمانيا النازية عام 1938، حين جرى تحويله إلى متحف مخصص لهتلر.
وبعد نحو 34 عاماً من تلك المرحلة، وقّعت الحكومة النمساوية عقد إيجار مع عائلة بومر لتحويل المبنى إلى مركز نهاري تابع لمنظمة خيرية تُعنى بالأشخاص ذوي الإعاقة. وبموجب هذا العقد، كان العقار مؤجراً للحكومة مقابل بدل شهري مرتفع، وهو ما ساعد لعقود على إبقائه بعيداً عن «السياحة اليمينية المتطرفة» التي كانت تخشى السلطات من تناميها حول مسقط رأس هتلر.
غير أن هذا الوضع تغيّر بشكل مفاجئ عام 2011، عندما عرقلت مالكة العقار أعمال تطوير كانت تهدف إلى جعل المبنى أكثر ملاءمة لاحتياجات ذوي الإعاقة. كما رفضت مراراً بيع المنزل للحكومة النمساوية، ما فتح الباب أمام نزاع قانوني طويل استمر سنوات.
وأضافت صحيفة “لا فانغوارديا” أن الحكومة النمساوية لجأت، بعد خمس سنوات من الشد والجذب، إلى مصادرة العقار بشكل رسمي، وحصلت بومر في المقابل على تعويض قدره 800 ألف يورو. وفي عام 2019، اتخذت السلطات قرارها النهائي بتحويل المنزل إلى مركز للشرطة، في خطوة رأت فيها محاولة لتجريد المكان من أي هالة رمزية يمكن أن يستغلها المتطرفون.
لم يكن القرار سهلاً. فقد طُرحت في مرحلة سابقة فكرة هدم المبنى بالكامل، وهي الفكرة التي أيّدها وزير الداخلية النمساوي السابق فولفغانغ سوبوتكا، لكنها أثارت مخاوف من اتهام الحكومة بمحاولة محو التاريخ أو التنصل من الماضي النازي للنمسا. وفي المقابل، كان خيار تحويل المكان إلى موقع تذكاري يحمل لوحات تعريفية ينطوي على خطر آخر، يتمثل في أن تتعامل معه جماعات اليمين المتطرف باعتباره مكاناً للتبجيل لا للتذكير بالمأساة.
لذلك اختارت السلطات النمساوية مساراً ثالثاً: تحويل المبنى إلى مكان يومي عادي، بلا طابع احتفالي أو رمزي. ومن هنا جاء قرار إنشاء مركز شرطة داخل المنزل، باعتباره استخداماً عملياً ومؤسسياً يفرغ المكان من الغموض والأسطورة المرتبطة باسم هتلر.
وكشفت الصحيفة أن هذه المقاربة لم تخلُ من الانتقادات. فهناك من يرى أن تحويل المنزل إلى مركز شرطة لن يمنع زيارات النازيين الجدد أو المعجبين بهتلر. ومن بين هؤلاء روبرت إيتر، من لجنة ماوتهاوزن، وهي أبرز منظمة نمساوية تمثل الناجين من الهولوكوست، إذ اعتبر أن الخطوة لن تؤدي بالضرورة إلى تقليل عدد الذين يقومون بما وصفه بـ«الحج إلى براوناو».
ويرى إيتر، بحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية، أن طريقة تعامل المجتمع النمساوي مع هذه القضية تعكس في جانب منها رغبة جماعية في «نسيان الماضي بأسرع وقت ممكن»، بدلاً من مواجهته بصورة أكثر وضوحاً وعمقاً.
وليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها دولة أوروبية إلى تحويل مواقع مرتبطة بالنازية إلى أماكن عادية بغرض نزع رمزيتها. ففي ألمانيا، حُوّل جزء من «الفوهرربونكر»، وهو مجمع المخابئ وسط برلين حيث انتحر هتلر وزوجته إيفا براون، إلى موقف سيارات في مطلع الألفية الجديدة. أما أجزاء أخرى من المجمع تحت الأرض فقد رُدمت أو أُغلقت أو تُركت من دون إبراز.
وفي عام 2006، وُضعت لوحة تعريفية صغيرة وغير لافتة قرب الموقع، تشرح بكثافة وقائع الموت والدمار اللذين تسببت بهما الحرب العالمية الثانية، مرفقة بخرائط تاريخية مبسطة. وتقع هذه اللوحة على بُعد مبنى واحد فقط من النصب التذكاري الضخم لليهود الأوروبيين الذين قُتلوا خلال الهولوكوست.
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” إن منزل هتلر في براوناو أم إن لا يحمل اليوم أي إشارة واضحة تدل على أنه مسقط رأسه، ومع ذلك لا تزال البلدة تشهد من حين إلى آخر زيارات لعناصر متطرفة من النازيين الجدد. ففي عام 2021، وبالتزامن مع ذكرى ميلاد هتلر، توجّه أحد المتطرفين إلى المكان ووضع إكليلاً من الزهور أمام المنزل تكريماً له.
ويكتسب هذا الجدل حساسيته من الإرث الدموي للنظام النازي، الذي تسبب في إبادة نحو ستة ملايين يهودي، إلى جانب أقليات وفئات اجتماعية أخرى استُهدفت بالاضطهاد والقتل. كما أدت الحرب العالمية الثانية، التي أشعلتها ألمانيا عام 1939، إلى مقتل نحو 60 مليون شخص حول العالم.
وخلال مراسم افتتاح مركز الشرطة الجديد، قال وزير الداخلية النمساوي غيرهارد كارنر إن «جمهورية النمسا والولاية والمنطقة عليها أن تواجه هذا الإرث الرهيب»، في إشارة إلى المسؤولية التاريخية التي لا تزال تلقي بظلالها على البلاد. وبلغت تكلفة أعمال تحويل المبنى إلى منشأة شرطية نحو 20 مليون يورو.
وبين من يرى في الخطوة تفكيكاً عملياً لرمزية المكان، ومن يعتبرها محاولة لتجاوز الماضي دون مواجهة كافية، يبقى منزل ولادة أدولف هتلر في النمسا واحداً من أكثر المواقع حساسية في أوروبا، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع تحديات الحاضر ومخاوف عودة التطرف اليميني.
اقرأ أيضاً
إرث بارود وانقسام: تفكيك مواقف السيناتور الراحل من حرب غزة إلى جبهة أوكرانيا ومضيق هرمز…
قانون “هسّن” الاستثنائي: ألمانيا تمضي نحو تجريم إنكار “وجود إسرائيل” بعقوبة تصل لـ 5 سنوات..
هدنة تحت ظلال التاريخ: كيف أقنع ترامب بوتين وزيلينسكي بوقف النار في ذكرى انتصار السوفييت؟

