وطن-تشهد إسرائيل تصاعداً غير مسبوق في معدلات تعاطي المخدرات والمهدئات والكحول، في ظل الضغوط النفسية المتراكمة التي خلّفتها الحرب على غزة واستمرار التوترات الأمنية منذ السابع من أكتوبر 2023، وفق معطيات نقلتها صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وأوردها موقع “ميدل إيست آي“.
ويشير التقرير إلى أن الحرب لم تترك آثارها على الجبهات العسكرية فقط، بل امتدت إلى الحياة اليومية داخل إسرائيل، حيث أصبحت الصحة النفسية والإدمان من أبرز التحديات الاجتماعية التي تواجه المجتمع الإسرائيلي.
ربع الإسرائيليين يعانون من تعاطٍ ضار للمواد
وبحسب البيانات الصادرة عن المركز الإسرائيلي للإدمان والصحة النفسية، ارتفعت نسبة الإسرائيليين الذين يعانون من استخدام ضار للمواد المخدرة أو المؤثرة نفسياً إلى نحو 25% من السكان، أي ما يعادل شخصاً واحداً من كل أربعة.
ويُظهر هذا الرقم تحولاً كبيراً مقارنة بالسنوات السابقة، إذ كانت النسبة قبل جائحة كورونا تقارب 10%، ثم ارتفعت إلى نحو 14% خلال الجائحة، قبل أن تقفز بصورة حادة بعد اندلاع الحرب على غزة.
قفزة في استخدام المهدئات والمواد الأفيونية
وكشفت المعطيات عن ارتفاع ملحوظ في استهلاك عدد من المواد المؤثرة نفسياً، حيث ارتفع استخدام المهدئات بمعدل مرتين ونصف، فيما تضاعف تقريباً استهلاك المواد الأفيونية والمنشطات.
كما سجّل التقرير زيادة واضحة في تعاطي الكحول والقنب، في وقت يعاني فيه عدد متزايد من الإسرائيليين من اضطرابات النوم والقلق المزمن والشعور الدائم بالخطر.
اضطراب ما بعد الصدمة يغذي الأزمة
وتبدو الأزمة أكثر حدة بين المصابين باضطراب ما بعد الصدمة، إذ وصلت نسبة تعاطي المواد الضارة بينهم إلى 54.2%، بحسب المركز الإسرائيلي للإدمان والصحة النفسية.
ونقلت هآرتس عن البروفيسور شاؤولي ليف-ران، مؤسس المركز، قوله إن الأزمات المتكررة أدت إلى ترسيخ أنماط سلوكية مرتبطة باستخدام المخدرات، مضيفاً أن ارتفاع مستويات التوتر يدفع مزيداً من الأشخاص إلى اللجوء لهذه المواد، محذراً من استمرار هذه السلوكيات حتى بعد تراجع حدة الأزمة.
المخدرات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية
وتكشف شهادات نقلتها الصحيفة أن استخدام مواد مثل الكيتامين والكوكايين والأمفيتامينات والقنب، إضافة إلى المهدئات الطبية، أصبح بالنسبة لبعض الإسرائيليين وسيلة للتعامل مع الضغوط الناتجة عن صفارات الإنذار، والجنازات، والاستدعاءات العسكرية، والأخبار اليومية عن القتلى.
وقال أحد المتعاطين إن الحرب دفعته إلى زيادة استخدام المخدرات هرباً مما وصفه بـ”مشاهد الدم والموت”، فيما أشار آخر إلى أن بعض الأشخاص لجأوا إلى الأمفيتامينات أثناء حضور الجنازات بعد أكتوبر 2023.
كما تحدثت شهادات أخرى عن استخدام الكيتامين قبل دخول الملاجئ أثناء الهجمات الصاروخية، أو تناول المنشطات للبقاء قادرين على العمل رغم الأرق والإجهاد النفسي.
الإدمان لم يعد مرتبطاً بالحياة الليلية
ووفق التقرير، لم يعد تعاطي المخدرات محصوراً بالحفلات أو الحياة الليلية كما كان في السابق، بل أصبح يحدث داخل المنازل، وأماكن العمل، والحانات، وحتى الملاجئ العامة.
كما ساهمت تطبيقات المراسلة المشفرة ووسائل الدفع الرقمية في تسهيل الوصول إلى المواد المخدرة، وهو ما زاد من انتشارها بين فئات مختلفة من المجتمع.
وأشار الدكتور روي تسوكر، المختص في الحد من أضرار المخدرات، إلى أن أكثر من 80% من الحالات الطارئة المرتبطة بالمخدرات تتعلق بتعاطي أكثر من مادة في الوقت نفسه، وهو ما يزيد من احتمالات الجرعات الزائدة والمضاعفات الصحية الخطيرة.
فلسطينيو الداخل أيضاً تحت ضغط الحرب
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على المجتمع اليهودي، إذ أشار التقرير إلى أن فلسطينيين من مواطني إسرائيل تحدثوا أيضاً عن ارتفاع اللجوء إلى المخدرات، نتيجة متابعتهم المستمرة لمشاهد الدمار والضحايا في قطاع غزة، إلى جانب الضغوط التي يقولون إنهم يواجهونها داخل إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن أحدهم قوله إن كثيرين انهاروا نفسياً بعد متابعة الحرب، ولجأ بعضهم إلى المخدرات بدلاً من العلاج النفسي، سواء بسبب ارتفاع تكلفته أو صعوبة الوصول إليه.
تحذيرات من أزمة طويلة الأمد
وحذر البروفيسور ليف-ران من أن استمرار العمليات العسكرية وحالة التأهب الأمني الدائمة قد يدفعان أزمة الإدمان إلى مستويات أكثر خطورة، مشيراً إلى أن غياب الاستقرار يمنع كثيرين من استعادة حياتهم الطبيعية، مع استمرار المخاوف من اندلاع جولات جديدة من القتال أو استدعاءات عسكرية متكررة.
ويعكس هذا التصاعد في معدلات تعاطي المخدرات والمهدئات جانباً من الآثار الاجتماعية والنفسية العميقة التي خلفتها الحرب على غزة داخل إسرائيل، حيث لم تعد تداعيات الصراع تقتصر على الجوانب العسكرية، بل امتدت إلى الصحة النفسية والسلوك اليومي وأنماط الحياة، في أزمة قد تستمر آثارها لسنوات حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.
اقرأ المزيد
ملاحقة قضائية في مانهاتن.. تحرك حقوقي لمقاضاة إيتمار بن غفير جنائياً فور وصوله إلى نيويورك
لعنة الاسم العائلي: يائير نتنياهو يتنصل من لقب والده ويتحول إلى “يوناتان هون” في أمريكا..
الهجرة من إسرائيل تتسارع بعد 7 أكتوبر.. وطلبات الجوازات الأجنبية تكشف أزمة ثقة غير مسبوقة

