وطن-أعاد اتفاق الدفاع الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان رسم جانب من ملامح المعادلة الأمنية في الشرق الأوسط، بعدما تعهدت الدول الثلاث بالتعامل مع أي هجوم على إحداها باعتباره هجوماً على الجميع.
ويحمل الاتفاق، المعروف حتى الآن باسم «اتفاق مكة»، رسالة سياسية واضحة مفادها أن الدول الإقليمية تريد تعزيز قدرتها على حماية أمنها بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية، في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة الأمن التي تشكلت في المنطقة خلال السنوات الماضية.
ورغم أن صيغة الدفاع المشترك دفعت إلى مقارنات مع حلف شمال الأطلسي «الناتو»، فإن الاتفاق لا يزال في مراحله الأولى، فيما تظل أسئلة أساسية معلقة بشأن آليات تنفيذه، وحدود الالتزام العسكري، ومستوى الثقة السياسية بين الأطراف الثلاثة.
تركيا تبحث عن هامش أوسع للمناورة
يمثل توقيت الاتفاق أهمية خاصة بالنسبة إلى أنقرة، التي تواجه بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، في ظل تراجع وضوح الدور الأميركي في أمن الشرق الأوسط، وتصاعد التوتر مع إسرائيل، واستمرار تداعيات الحروب والصراعات التي اتسعت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن المباحثات بين تركيا والسعودية وباكستان استمرت لأكثر من عامين، ما يشير إلى أن الاتفاق جاء نتيجة مسار طويل من الاتصالات الأمنية والسياسية.
وترى تحليلات أن الاتفاق يمنح تركيا، في مرحلته الحالية، مساحة دبلوماسية أوسع أكثر مما يوفر لها ضمانة عسكرية صلبة ومتكاملة. كما يمكن أن يؤدي إلى تعميق العلاقات الأمنية بين أنقرة والرياض، وفتح المجال أمام تركيا لتوسيع خياراتها الاستراتيجية في منطقة تشهد تغيراً سريعاً في موازين القوى.
لكن هذا المكسب يحمل في المقابل مخاطر، أبرزها احتمال أن تجد تركيا نفسها ملتزمة بالتعامل مع أزمات لا تشكل تهديداً مباشراً لها، أو مضطرة إلى توسيع قدراتها العسكرية والصناعية بما يتجاوز إمكاناتها الحالية.
ورقة تفاوض جديدة مع واشنطن
نشأ اتفاق مكة في وقت تواجه فيه البنية الأمنية التي دعمتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ضغوطاً متزايدة. فقد اعتمدت الاستراتيجية الأميركية خلال السنوات الماضية على تعزيز التقارب بين إسرائيل ودول الخليج، واحتواء إيران، مع تقليص حجم الانخراط العسكري الأميركي المباشر في المنطقة.
وكانت اتفاقات إبراهيم تمثل أحد الأعمدة الدبلوماسية لهذا التصور، فيما كان التطبيع المتوقع بين السعودية وإسرائيل مرشحاً ليكون أحد أبرز عناصره.
لكن التطورات الإقليمية الأخيرة دفعت دولاً عدة إلى إعادة النظر في خياراتها الأمنية. وبالنسبة إلى تركيا، يمكن للشراكة مع السعودية وباكستان أن تمنح أنقرة ورقة تفاوض إضافية مع واشنطن، خصوصاً في ظل تصاعد الخلافات التركية الإسرائيلية.
ويرى محللون أن تعزيز العلاقات الأمنية مع الرياض وإسلام آباد يمكن أن يقوي موقع تركيا في علاقاتها مع الولايات المتحدة، ويمنحها مساحة أكبر للتحرك في مواجهة أي توجه أميركي قد يركز بصورة أكبر على إسرائيل ودول الخليج.
ومع ذلك، لا يبدو أن أنقرة تسعى إلى الحلول محل الولايات المتحدة في المنطقة، بقدر ما تحاول بناء شبكة من الشراكات التي تمنحها قدرة أكبر على حماية مصالحها.
لماذا السعودية وباكستان؟
اختيار الرياض وإسلام آباد كشريكين لتركيا لم يكن عشوائياً. فالسعودية تمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً في الخليج، إلى جانب علاقاتها الواسعة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية.
أما باكستان، فتربطها بتركيا علاقات عسكرية ودفاعية طويلة الأمد، كما تمتلك في الوقت نفسه علاقات أمنية وثيقة مع السعودية. وتوفر هذه المعادلة لكل طرف نقاط قوة مختلفة.
فتركيا تمتلك خبرة متنامية في تطوير المنصات والأنظمة الدفاعية والصناعات العسكرية، بينما تتمتع باكستان بخبرة في الهندسة والإنتاج والتكامل العسكري، في حين تمتلك السعودية قدرة مالية كبيرة وسوقاً دفاعية واسعة. وتطرح هذه المزايا إمكانية بناء قاعدة تعاون دفاعي أكثر تكاملاً بين الدول الثلاث.
هل يمكن توسيع الاتفاق؟
بدأت التكهنات بالفعل بشأن إمكانية انضمام دول أخرى إلى الترتيب الأمني الجديد. ويبرز اسم مصر باعتبارها إحدى الدول التي يمكن أن تكون مرشحة للتعاون مستقبلاً، وهو ما قد يمنح الاتفاق امتداداً جغرافياً أكبر باتجاه شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر. لكن توسيع الاتفاق ليس أمراً سهلاً، إذ يرتبط بحسابات سياسية وعسكرية معقدة لكل دولة.
كما أن اختلاف الهياكل العسكرية والأمنية للدول المحتملة قد يجعل توسيع الترتيب أكثر تعقيداً من الناحية العملية.
غياب عدو واضح يثير التساؤلات
من أبرز نقاط الغموض في اتفاق مكة أن الدول الثلاث لم تحدد خصماً بعينه يستهدفه الاتفاق. ويشير الخطاب التركي إلى مفهوم «التهديد المشترك» بدلاً من الحديث عن «عدو مشترك»، وهو فارق سياسي مهم.
فالإعلان عن عدو محدد كان سيعطي الاتفاق طابعاً أكثر هجومية، بينما يسمح التركيز على التهديد والدفاع والردع بإبقاء الباب مفتوحاً أمام التعامل مع أزمات متعددة من دون تحويل الاتفاق إلى تحالف موجّه رسمياً ضد دولة بعينها. وتبقى المسألة الأكثر أهمية هي: متى يتم تفعيل الالتزام بالدفاع المشترك؟ فإذا تعرضت إحدى الدول لهجوم، فما طبيعة الرد؟ وهل يعني الاتفاق إرسال قوات عسكرية، أم تقديم دعم استخباراتي ولوجستي ودفاعي فقط؟
إيران في قلب الحسابات التركية
على الرغم من تأكيد أنقرة أن الاتفاق لا يستهدف إيران، فإن طهران تبقى حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية التركية. فتركيا تتعاون مع إيران في ملفات إقليمية عدة، لكنها تختلف معها في ملفات أخرى، ما يجعل الحفاظ على قنوات الاتصال بين البلدين جزءاً أساسياً من السياسة التركية.
ومن هنا تواجه أنقرة تحدياً دبلوماسياً مزدوجاً: تعزيز شراكتها الأمنية مع السعودية وباكستان، وفي الوقت نفسه إقناع إيران بأن الاتفاق ليس موجهاً ضدها. وتزداد صعوبة هذه المهمة في ظل استمرار المواجهة بين إسرائيل وإيران، وتصاعد الاستقطاب الإقليمي.
كما تحتاج تركيا إلى الحفاظ على توازنها داخل الخليج، خصوصاً في علاقاتها مع الإمارات، بالتزامن مع تعميق تعاونها الأمني مع السعودية.
البحر الأحمر واليمن قد يكونان الاختبار الأول
قد يتحول البحر الأحمر وممر باب المندب إلى أحد أهم الاختبارات العملية للاتفاق. فأي أزمة جديدة في هذه المنطقة يمكن أن تمس المصالح الأمنية والاقتصادية للدول الثلاث، خصوصاً مع أهمية الملاحة البحرية والتجارة الدولية.
وفي حال تصاعدت هجمات الحوثيين على السعودية، ستظهر سريعاً مسألة حدود الالتزام التركي بموجب الاتفاق.
فالتهديدات التي تأتي من جماعات مسلحة غير مركزية تختلف عن الهجمات التقليدية التي تشنها دولة ذات جيش نظامي، ما يجعل تحديد طبيعة الرد أكثر تعقيداً.
وبالنسبة إلى تركيا، سيكون هناك فارق كبير بين تقديم دعم للردع السعودي وبين الاضطرار إلى إرسال قوات والانخراط مباشرة في صراع طويل داخل اليمن.
ولهذا قد تكون أول أزمة أمنية كبرى هي الاختبار الحقيقي لمصداقية اتفاق مكة.
تحديات تكنولوجية تعرقل الطموح العسكري
لا تقتصر التحديات على الجانب السياسي، بل تمتد إلى المجال العسكري والتكنولوجي. فالجيوش الثلاثة تعتمد على منظومات مختلفة بدرجة كبيرة.
تركيا تطور بنيتها العسكرية وفق معايير مرتبطة بالناتو، بينما تعتمد السعودية بدرجة كبيرة على أنظمة أميركية وغربية، في حين تجمع الترسانة الباكستانية بين معدات أميركية وأوروبية وصينية وأنظمة محلية.
هذا الاختلاف يجعل دمج أنظمة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة تحدياً كبيراً.
وقد يكون النموذج الأكثر واقعية في المرحلة الأولى هو إنشاء برامج مشتركة محددة، بدلاً من محاولة بناء منظومة عسكرية موحدة بالكامل. ومن الممكن أن يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، والمناورات العسكرية، والتخطيط للطوارئ، والإنذار المبكر بالصواريخ، والمراقبة الجوية والبحرية، إضافة إلى برامج التعاون الصناعي.
التكنولوجيا الحساسة عقبة إضافية
يواجه التعاون الصناعي بدوره ملفات شديدة الحساسية، من بينها ملكية التكنولوجيا، والبرمجيات العسكرية، وأنظمة المهام، ومحركات الطائرات، والرادارات، والحرب الإلكترونية، وحقوق التصدير.
وتحتاج الدول الثلاث إلى الاتفاق على حدود مشاركة هذه التقنيات، ومن يمتلكها، وكيفية استخدامها وتصدير الأنظمة الناتجة عنها. كما أن تحقيق استقلال كامل في مجالات مثل محركات الطائرات المقاتلة والإلكترونيات المتقدمة والمواد المتخصصة قد يستغرق سنوات طويلة.
لذلك، فإن ضخ الأموال وحده لن يكون كافياً لتسريع بناء منظومة دفاعية مشتركة.
بين المكاسب والمخاطر
بالنسبة إلى تركيا، يمثل اتفاق مكة فرصة لتعزيز حضورها كقوة أمنية إقليمية، وتوسيع شراكاتها مع السعودية وباكستان، وزيادة قدرتها على المناورة في مواجهة التحولات الجيوسياسية.
لكن الاتفاق يضع أنقرة أيضاً أمام مخاطر جديدة. فكلما توسعت التزاماتها الأمنية، زادت احتمالات دخولها في أزمات لا ترغب في خوضها، كما قد تجد نفسها مطالبة بالموازنة بين التزاماتها داخل الناتو وشراكاتها الجديدة في الشرق الأوسط.
وفي النهاية، لن تتحدد قيمة الاتفاق بعدد البيانات السياسية التي تصدر عنه، بل بقدرته على العمل فعلياً عندما تواجه الدول الثلاث أزمة أمنية حقيقية.
وسيكون الاختبار الأول لهجوم كبير أو أزمة إقليمية واسعة هو اللحظة التي ستكشف ما إذا كان اتفاق مكة يمثل بداية منظومة أمنية إقليمية جديدة، أم مجرد إعلان سياسي طموح لم يتحول بعد إلى تحالف دفاعي متكامل.
اقرأ المزيد
اتفاق مكة يشعل صراع التحالفات.. لماذا تهاجم الإمارات باكستان وتقلق من المحور السعودي التركي؟
اتفاق مكة وتحالف الإمارات وإسرائيل.. مقارنة تكشف معادلة السرعة والعمق في تحالفات المنطقة
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..
مشروع تركي ضخم في مكة.. استثمار بـ400 مليون دولار يعكس مرحلة جديدة في العلاقات السعودية التركية

