وطن-أثارت الزيادة اللافتة في أعداد السجناء البيض الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون داخل سجون إنجلترا وويلز جدلاً سياسياً وأمنياً في بريطانيا، بعدما كشفت بيانات رسمية ارتفاع عددهم إلى أكثر من 3200 سجين، وسط مطالب بإجراء تحقيق لمعرفة أسباب هذا النمو وما إذا كانت بعض حالات اعتناق الإسلام تتم تحت ضغط أو ترهيب داخل السجون.
وقالت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية إن بيانات وزارة العدل أظهرت أن نحو واحد من كل خمسة سجناء مسلمين في إنجلترا وويلز من البيض، وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة المسلمين البيض بين عموم السكان، والتي تبلغ نحو 5.8%.
ودفعت هذه الأرقام وزير العدل في حكومة الظل البريطانية، نيك تيموثي، إلى المطالبة بتحقيق عاجل، معتبراً أن الفارق بين النسبتين يطرح تساؤلات جدية بشأن ما يحدث داخل بعض المؤسسات العقابية.
من 2767 إلى 3218 سجيناً
تكشف البيانات الرسمية عن ارتفاع واضح في عدد السجناء البيض الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم مسلمون. ففي عام 2022، بلغ عددهم 2767 سجيناً، قبل أن يرتفع إلى 3218 سجيناً بحلول 30 يونيو 2025، أي بزيادة تقارب 16%.
وفي الفترة نفسها، ارتفع إجمالي عدد السجناء المسلمين في إنجلترا وويلز من 14,037 إلى 16,051 سجيناً، بزيادة تبلغ نحو 14%.
غير أن الارتفاع في أعداد السجناء البيض المسلمين تحديداً هو الذي أثار التساؤلات، في ظل وجود تقارير سابقة تحدثت عن نفوذ جماعات متشددة داخل بعض السجون وممارسة ضغوط على نزلاء جدد.
ومع ذلك، لا تثبت هذه الأرقام وحدها أن حالات الاعتناق تمت بالإكراه، ولا تعني أن غالبية السجناء البيض المسلمين اعتنقوا الإسلام تحت الضغط. فهي تكشف تغيراً إحصائياً يحتاج إلى تفسير، لكنها لا تحدد دوافع كل حالة على حدة.
هل توجد ضغوط لاعتناق الإسلام؟
أعاد الجدل الحالي إلى الواجهة تقارير بريطانية سابقة حذرت من نفوذ جماعات دينية متشددة داخل بعض السجون. ففي تقرير صدر عام 2022، تحدث جوناثان هول، المراجع المستقل للحكومة البريطانية في شؤون تشريعات مكافحة الإرهاب، عن وجود سجناء متطرفين يتصرفون داخل بعض المؤسسات وكأنهم أصحاب سلطة غير رسمية، أو ما يشبه «الأمراء» داخل الأجنحة.
وبحسب ما أوردته “ديلي ميل”، تحدث التقرير عن استخدام بعض هؤلاء نفوذهم لاستقطاب سجناء آخرين، خصوصاً النزلاء الجدد أو الأشخاص الأكثر ضعفاً وعزلة، من خلال تقديم الدعم والطعام والهدايا الصغيرة، إلى جانب حالات وصفها التقرير بأنها اعتناقات للإسلام رافقها عنف فعلي أو تهديد ضمني.
عندما تصبح الهوية وسيلة للحماية
وتشير تقارير أخرى إلى أن بعض السجناء الجدد قد يجدون أنفسهم أمام ضغوط للانضمام إلى جماعة دينية أو اجتماعية مهيمنة داخل الجناح بهدف الحصول على الحماية.
ووفق ما نقلته الصحيفة عن كولن بلوم، الذي أعد تقريراً حكومياً حول الظاهرة، فإن بعض السجناء كانوا يواجهون خياراً صعباً بين الانضمام إلى البنية الدينية السائدة داخل الجناح أو البقاء من دون شبكة حماية، وهو ما قد يجعل اعتناق الإسلام في بعض الحالات مرتبطاً بالرغبة في تأمين السلامة الشخصية أكثر من القناعة الدينية.
كما حذر إيان أتشيسون، الذي أجرى مراجعة مستقلة حول التطرف الإسلامي في السجون، من قدرة بعض العصابات على ممارسة نفوذ واسع على السجناء، بما قد يدفع بعض النزلاء إلى تبني هوية دينية للحصول على الحماية.
اعتناق الإسلام بعد ساعات من دخول السجن
ونقلت “ديلي ميل” عن محامٍ يزور سجوناً بريطانية شديدة الحراسة قوله إن بعض حالات الاعتناق قد تحدث خلال فترة قصيرة جداً من دخول السجين إلى الجناح.
وبحسب روايته، فإن بعض السجناء الجدد قد يجدون أنفسهم سريعاً داخل شبكات النفوذ الموجودة في السجن، حيث يمكن أن تصبح الهوية الدينية جزءاً من منظومة الحماية والانتماء.
وتحدثت تقارير بريطانية كذلك عن سجناء يعلنون اعتناق الإسلام بصورة شكلية بهدف الاستفادة من بعض التسهيلات المرتبطة بالممارسات الدينية داخل السجون، وهي ظاهرة أطلق عليها في بعض التقارير وصف «مسلمي المصلحة».
لكن هذه الادعاءات تظل بحاجة إلى التمييز بين الحالات الفردية والظاهرة العامة، إذ لا يمكن اعتبار كل سجين أبيض اعتنق الإسلام داخل السجن ضحية للإكراه أو الضغط.
المرشدون المسلمون يتجاوزون الأنجليكانيين
وتزامن الجدل حول أعداد السجناء مع تغير واضح في تركيبة الطواقم الدينية داخل المؤسسات العقابية البريطانية.وتشير البيانات التي أوردتها “ديلي ميل” إلى وجود 140 مرشداً دينياً مسلماً في سجون إنجلترا وويلز، مقابل 87 مرشداً من كنيسة إنجلترا.
كما تضم السجون البريطانية عشرات المرشدين الكاثوليك وأتباع الكنائس الحرة وغيرهم من المرشدين المسيحيين. ولا يعني تفوق عدد المرشدين المسلمين وجود مشكلة بحد ذاته، إذ يرتبط توزيع المرشدين بالتركيبة الدينية للسجناء واحتياجاتهم، لكن الأرقام أصبحت جزءاً من النقاش الأوسع حول التحولات الدينية داخل نظام السجون.
وزارة العدل ترفض التعميم
في المقابل، تحذر وزارة العدل البريطانية من القفز إلى استنتاجات واسعة اعتماداً على الأرقام وحدها. وأكد متحدث باسم الوزارة أن السلطات لا تتسامح مع أي شكل من أشكال الإكراه الديني أو الترهيب أو نشاط العصابات داخل السجون، مشدداً على أن موظفي المؤسسات العقابية يتدخلون عندما يهدد أي فرد أو جماعة سلامة السجناء الآخرين.
وترى الوزارة أن الربط المباشر بين ارتفاع عدد السجناء البيض المسلمين وبين الاعتناق القسري يحتاج إلى أدلة أكثر من مجرد البيانات الإحصائية أو الشهادات الفردية.
أرقام تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات
وبين ارتفاع عدد السجناء البيض المسلمين من 2767 إلى 3218 خلال ثلاث سنوات، والتقارير السابقة عن نفوذ بعض الجماعات داخل السجون، عاد ملف التطرف والضغط الديني إلى دائرة الاهتمام السياسي في بريطانيا.
لكن الأرقام، رغم لفتها للانتباه، لا تقدم بمفردها تفسيراً لهذا الارتفاع. فقد تكون وراء بعض الحالات قناعة دينية حقيقية، أو بحث عن الانتماء، أو تغيرات في التركيبة السكانية للسجون، أو رغبة في الحصول على الحماية، أو في حالات محددة ضغوط وترهيب.
ولهذا، فإن السؤال الأهم الذي يواجه السلطات البريطانية لا يتعلق بعدد السجناء البيض المسلمين فقط، بل بما يحدث فعلياً خلف أبواب السجون، ولماذا يختار بعض النزلاء اعتناق الإسلام، وما إذا كان هذا القرار نابعاً من قناعة شخصية أم من ضغوط تمارسها جماعات نافذة.
وفي ظل استمرار الجدل، تبدو الحاجة إلى بيانات أكثر تفصيلاً وتحقيقات مستقلة أمراً أساسياً لفهم الظاهرة بعيداً عن التعميم، وحماية حق السجين في ممارسة معتقده بحرية، وفي الوقت نفسه منع أي جماعة من استغلال الدين للترهيب أو فرض النفوذ داخل السجون.
اقرأ المزيد
فرنسا تجدد الجدل حول تنظيم الإسلام: اتهامات للنصوص الدينية وإغلاق مساجد جديدة
نتنياهو يهاجم بريطانيا ويصفها بـ”الجمهورية الإسلامية” قبيل إعلان عقوبات مرتقبة على إسرائيل
أكثر من 70 اعتداءً على المساجد في بريطانيا خلال عام.. تصاعد الإسلاموفوبيا يثير المخاوف
غموض رسمي يحيط بالمقاطعة.. وزارات بريطانية تعجز عن إثبات سياسة تجاه المجلس الإسلامي

