وطن-في وقت تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي برنهام إلى ترميم علاقتها مع مسلمي بريطانيا، عادت إلى الواجهة قضية شائكة تتعلق بما يُعرف داخل الأوساط السياسية والإعلامية باسم «سياسة عدم التواصل» مع المجلس الإسلامي البريطاني، أكبر مظلة تمثيلية للمنظمات الإسلامية في المملكة المتحدة.
وكشف موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن هذه السياسة، التي تؤكد حكومة برنهام أنها لا تزال متمسكة بها، تبدو أقرب إلى «سياسة شبحية»؛ إذ لا توجد، بحسب وثائق اطلع عليها الموقع، سجلات مكتوبة أو مستندات رسمية تثبت وجودها أو تحدد الجهة الحكومية المسؤولة عنها.
وجاء الجدل بعد أن قالت حكومة آندي برنهام إنها ستواصل نهج الحكومات السابقة في الامتناع عن التعامل مع المجلس الإسلامي البريطاني، المعروف اختصارًا بـ “MCB”. غير أن تحليلًا أجراه “ميدل إيست آي” أظهر أن الإدارات الحكومية المعنية لا تحتفظ بأي معلومات أو وثائق تتعلق بهذه السياسة المزعومة.
وبحسب الموقع البريطاني، لا يزال من غير الواضح أي وزارة أو جهة رسمية تتحمل مسؤولية هذه السياسة، كما لا توجد إجابة واضحة بشأن المبرر الرسمي لمقاطعة المجلس الإسلامي البريطاني، الذي يقول إنه يضم أكثر من 500 جهة ومنظمة تابعة أو منضوية تحت مظلته.
حكومة برنهام ومسلمو بريطانيا
كان آندي برنهام قد ألقى أول خطاب له أمام مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت وسط لندن في 20 يوليو 2026، بعد أن كلفه الملك بتشكيل الحكومة الجديدة، بحسب ما أوردته وكالة فرانس برس.
ونقل “ميدل إيست آي” عن مصادر متعددة قريبة من الحكومة أن إدارة برنهام الجديدة حريصة على إصلاح العلاقة مع المسلمين البريطانيين، بعدما ابتعد كثير منهم عن حزب العمال خلال رئاسة كير ستارمر للحكومة. وتأتي هذه المساعي في سياق سياسي واجتماعي حساس، خصوصًا بعد الكشف مؤخرًا عن تعرض مسجد في بريطانيا لهجوم كل خمسة أيام.
وعلى الرغم من هذه الخلفية، أكدت الحكومة الجديدة تمسكها بعدم التواصل مع المجلس الإسلامي البريطاني. وكانت صحيفة التلغراف قد ذكرت، الإثنين، أن وزير المساواة الجديد في حكومة برنهام، السير ستيفن تيمز، شارك في ديسمبر الماضي في ندوة حضرها ممثل عن المجلس الإسلامي البريطاني.
ونقلت التلغراف عن متحدث باسم الحكومة قوله: «لم يطرأ أي تغيير على سياسة عدم التواصل الخاصة بنا فيما يتعلق بالمجلس الإسلامي البريطاني، ولا توجد خطط لعقد اجتماعات بين الوزراء والمجموعة».
لكن السؤال الذي طرحه “ميدل إيست آي” هو: ما الأساس الفعلي لهذه السياسة؟ وهل تعرف أي جهة داخل الحكومة البريطانية تفاصيلها أو مبرراتها؟
البحث عن سياسة لا تجدها الوزارات
بحسب وثائق اطلع عليها “ميدل إيست آي”، تلقى طلب بموجب قانون حرية المعلومات ردًا من وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، كان يطلب أي وثائق سياسات أو إرشادات أو مذكرات إحاطة نهائية أو مذكرات مرفوعة إلى الوزراء «تحدد أو تشير إلى سياسة عدم التواصل مع المجلس الإسلامي البريطاني».
وجاء رد الوزارة، المؤرخ في 16 يونيو، ليقول إن «المعلومات المطلوبة غير محفوظة لدى الوزارة». وأضاف الموقع أن مكتب مجلس الوزراء البريطاني تلقى الطلب نفسه، ورد في 27 مايو بالقول إنه بعد البحث في السجلات الورقية والإلكترونية «تبين أن المعلومات المطلوبة غير محفوظة لدى مكتب مجلس الوزراء».
كما جاء رد وزارة الداخلية البريطانية، بتاريخ 22 يونيو، ليؤكد: «يمكننا تأكيد عدم وجود أي معلومات محفوظة تنطبق على معايير طلبكم».
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أنه تواصل مع مكتب المساواة والفرص في المملكة المتحدة، التابع لوزارة المجتمعات، ومع الوزارة نفسها، لسؤالها عن ماهية سياسة عدم التواصل تحديدًا، وعن التبرير الرسمي لعدم التعامل مع المجلس الإسلامي البريطاني.
ورد متحدث باسم مكتب المساواة والفرص بالقول إن «الحكومة تدرك أهمية التواصل الهادف مع جماعات الدين والمعتقد». لكنه كرر العبارة الحكومية نفسها: «لم يطرأ أي تغيير على سياسة عدم التواصل الخاصة بنا فيما يتعلق بالمجلس الإسلامي البريطاني، ولا توجد خطط لاجتماع الوزراء مع المجموعة».
في المقابل، قال متحدث باسم المجلس الإسلامي البريطاني، في تصريح نقله “ميدل إيست آي”: «ما يسمى بسياسة عدم التواصل هو بقايا تاريخية. لقد صُممت لإرضاء من يتاجرون بالإسلاموفوبيا، ولا تزال قائمة فقط عبر إعادة تدوير اتهامات عمرها عقود لم تصمد أبدًا أمام التدقيق».
برنهام سبق أن تواصل مع المجلس
المفارقة التي يبرزها تقرير “ميدل إيست آي” أن رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام نفسه سبق أن تعامل مع المجلس الإسلامي البريطاني، وشارك في فعالياته، بما في ذلك إلقاء كلمة خلال عشاء للقيادات المسلمة نظمه المجلس عام 2015.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن الرواية المتداولة على نطاق واسع تشير إلى أن سياسة عدم التواصل بدأت منذ عام 2009. غير أن الموقع البريطاني يؤكد أن هذا غير دقيق.
ففي عام 2009، قاطعت حكومة حزب العمال بقيادة غوردون براون المجلس الإسلامي البريطاني لفترة قصيرة، بعد أن وقّع نائب الأمين العام للمجلس آنذاك، داود عبد الله، ما عُرف بـ«إعلان إسطنبول» في تركيا.
وقالت الحكومة البريطانية وقتها إن الإعلان دعا إلى مهاجمة سفن البحرية الملكية إذا حاولت منع وصول أسلحة إلى حركة حماس في غزة. لكن داود عبد الله نفى ذلك، قائلًا: «لم أؤيد ولا أؤيد الدعوات إلى شن هجمات على القوات البريطانية».
وبحسب “ميدل إيست آي”، فقد أعلن المجلس الإسلامي البريطاني رفضه للبيان، مؤكدًا أن توقيع داود عبد الله جاء بصفته الشخصية فقط. وبعد استقالته، استأنفت حكومة حزب العمال التواصل مع المجلس.
تواصل حكومي بعد 2009
يوضح التقرير أن الوزراء في حكومة الائتلاف البريطاني بين عامي 2010 و2015 عقدوا أيضًا اجتماعات مع المجلس الإسلامي البريطاني، كما واصل موظفون حكوميون مدنيون التواصل مع المجلس حتى مارس 2020.
وفي ذلك الشهر، أصدر المجلس الإسلامي البريطاني ملفًا قال إنه يتضمن أدلة على الإسلاموفوبيا ضد أكثر من 300 شخص، بينهم نواب محافظون وأعضاء مجالس محلية وأعضاء في الحزب ومستشارون خاصون داخل مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، أفادت تقارير بأن موظفين حكوميين قطعوا العلاقات مع المجلس في الشهر نفسه، من دون أن تتضح الأسباب الرسمية وراء ذلك.
ومع ذلك، لم ينقطع التعامل الحكومي بالكامل. فقد استمر المجلس الإسلامي البريطاني، بعد ذلك، في التعاون مع وزارة الدفاع من خلال العمل كجهة تزكية للأئمة المتقدمين لشغل مناصب وعاظ عسكريين في القوات المسلحة.
لكن هذا التعاون لم يكن معروفًا على نطاق واسع حتى أواخر أكتوبر 2023، حين كشفت صحيفة التلغراف أن المجلس الإسلامي البريطاني يعمل مع وزارة الدفاع.
وعلى إثر ذلك، أصدر وزراء في الحكومة البريطانية، مطلع نوفمبر من العام نفسه، أوامر إلى وزارة الدفاع بقطع كل الصلات مع المجلس الإسلامي البريطاني.
شبكة الأديان وإغلاق بسبب عضو في المجلس
وفي عام 2024، أُجبرت مؤسسة خيرية كبرى معنية بالحوار بين الأديان، هي «شبكة الأديان» Inter Faith Network، على الإغلاق بعد أن سحبت حكومة المحافظين تمويلها. وبحسب “ميدل إيست آي”، جاء ذلك بسبب وجود أحد أعضاء المجلس الإسلامي البريطاني ضمن مجلس أمنائها.
ثم تبنت حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر النهج نفسه. وكشف “ميدل إيست آي” في يوليو 2024 أن الحكومة لم تكن ترد على اتصالات المجلس الإسلامي البريطاني خلال أعمال الشغب اليمينية المتطرفة التي اجتاحت البلاد ذلك الصيف.
كما كشف الموقع، في الشهر نفسه، أن الحكومة منعت مجموعة عمل كانت قد شكلتها لتقديم المشورة بشأن تعريف محتمل للإسلاموفوبيا من التشاور مع المجلس الإسلامي البريطاني.
ويقول التقرير إن ما يسمى «سياسة عدم التواصل» ظل مستعصيًا على التحديد؛ فلا وثيقة رسمية منشورة، ولا جهة حكومية تعلن مسؤوليتها المباشرة عنها، ولا مبرر واضح يمكن تتبعه عبر السجلات الحكومية.
المجلس الإسلامي البريطاني وتأثيره في المجتمع المدني
على الرغم من المقاطعة الحكومية المعلنة، لا يزال المجلس الإسلامي البريطاني يتمتع بانتشار واسع داخل مؤسسات المجتمع المدني الإسلامي في بريطانيا. كما يؤكد التقرير أن قيادته لا تزال تُنتخب ديمقراطيًا، ما يجعل تجاهله سياسيًا ومجتمعيًا مسألة معقدة، خاصة في ظل تصاعد القلق من الإسلاموفوبيا والهجمات على المساجد.
ويطرح هذا الوضع تحديًا أمام حكومة آندي برنهام، التي تقول مصادر قريبة منها إنها تريد استعادة ثقة الناخبين المسلمين الذين ابتعدوا عن حزب العمال خلال السنوات الماضية.
ويبقى السؤال، كما خلص “ميدل إيست آي”، ما إذا كان برنهام، الذي تحدث سابقًا في فعالية للمجلس بعد ست سنوات من التاريخ المزعوم لبدء سياسة عدم التواصل، سيغير المسار ويفتح باب التعامل مع المجلس الإسلامي البريطاني، أم سيبقي على سياسة لا تعثر الوزارات نفسها على وثائق تثبت وجودها.
اقرأ المزيد
ترامب يهاجم ستارمر: بريطانيا لم تعد “نفس الدولة” وتخضع لضغوط الناخبين المسلمين بشأن إيران
تهديد بقنبلة يخلي مدرسة إسلامية في برمنغهام.. تحقيقات أمنية وسط مخاوف من استهداف الطلاب المسلمين
أكثر من 70 اعتداءً على المساجد في بريطانيا خلال عام.. تصاعد الإسلاموفوبيا يثير المخاوف

