وطن-أعادت الأزمة الحدودية الأخيرة في مدينة سبتة فتح النقاش مجدداً حول توظيف ملف الهجرة في الصراعات السياسية بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. وبينما قُدمت التطورات في بعض الروايات باعتبارها موجة عبور مفاجئة نحو الأراضي الإسبانية، تناولتها وسائل إعلام جزائرية من زاوية مختلفة، معتبرة أن ما حدث قد يكون مرتبطاً بحسابات سياسية تهدف، وفق هذه الرواية، إلى ممارسة الضغط على مدريد وبروكسل.
الهجرة تتحول إلى ورقة سياسية
وقالت صحيفة «تي إس إيه الجزائر» الجزائرية إن تدفق المهاجرين نحو حدود سبتة لا يمكن فصله، بحسب قراءتها، عن سياق التوترات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، معتبرة أن الرباط تلجأ إلى ملف الهجرة عندما تريد توجيه رسائل سياسية أو التأثير في مواقف الطرف الأوروبي.
وفي الخطاب الإعلامي الجزائري، برز تعبير «الابتزاز بالهجرة» في توصيف الأزمة، إذ ترى وسائل إعلام جزائرية أن ما حدث في سبتة، إلى جانب أحداث سابقة، أبرزها أزمة عام 2021، يندرج ضمن سياسة ضغط تقوم على السماح لأعداد كبيرة من المهاجرين بالاقتراب من الحدود في توقيت حساس.
وتذهب هذه القراءة إلى أن التحركات لا تبدو، من وجهة نظر محللين نقلت عنهم وسائل الإعلام الجزائرية، مجرد أحداث عفوية، وإنما يمكن أن تُستخدم للضغط على إسبانيا وتذكيرها بحساسية موقعها الجغرافي والسياسي في شمال إفريقيا.
سبتة ومليلية في قلب التوتر المغربي الإسباني
كما اتهمت وسائل إعلام جزائرية المغرب بتشجيع الاقتراب من الحدود الإسبانية، معتبرة أن ملف الهجرة أصبح ورقة إضافية في النزاع المرتبط بمدينتي سبتة ومليلية.
وبحسب صحيفة «الجزائرية الوطنية»، فإن الأزمات المرتبطة بحدود سبتة ومليلية تتزامن أحياناً مع تحولات في العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وإسبانيا، وهو ما يمنحها، وفق الصحيفة، بعداً سياسياً يتجاوز الجانب الإنساني.
وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة الأخيرة جاءت بعد زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، في سياق تقارب بين البلدين، وهو ما استخدمته وسائل إعلام جزائرية لتفسير التطورات في إطار أوسع من مجرد أزمة هجرة.
اتهامات بتجاهل المعاناة الإنسانية
ولا تقتصر الانتقادات الجزائرية على اتهام الرباط بتوظيف الهجرة سياسياً، بل تمتد أيضاً إلى ما تصفه بعض وسائل الإعلام بـ«اللامبالاة» تجاه الظروف الإنسانية للمهاجرين على الحدود.
وترى هذه الوسائل أن محاولات آلاف الشباب الوصول إلى سبتة ومليلية تعكس، في جانب منها، أزمات اجتماعية واقتصادية تشمل الفقر والبطالة وانسداد الأفق أمام فئات من الشباب.
وفي مقابلة مع المحلل جاكوب كوهين، نقلت «الجزائرية الوطنية» قراءة تعتبر أن الدخول الجماعي للمهاجرين إلى سبتة يمثل «فعلاً سياسياً متعمداً بوضوح»، وليس مجرد موجة هجرة ناجمة عن ظروف اجتماعية.
وتستند هذه الرؤية إلى توقيت التحركات وحجمها وطريقة تعامل السلطات معها، باعتبار أن هذه العناصر قد تحمل رسائل سياسية موجهة إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
الهجرة غير النظامية وأزمة السيادة
وتؤكد وسائل الإعلام الجزائرية أن سبتة ومليلية لا تزالان منفذين رئيسيين أمام أشخاص يسعون إلى الوصول إلى الأراضي الأوروبية بحثاً عن فرص اقتصادية وحياة أفضل.
وفي المقابل، تركز هذه الوسائل على التناقض بين الأوضاع الاجتماعية التي تدفع بعض الشباب إلى محاولة العبور، وبين المشاريع الاقتصادية والسياحية الكبرى التي يروج لها المغرب، وفي مقدمتها الاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وبحسب صحيفة «تي إس إيه الجزائر»، فإن فهم أزمة الهجرة في سبتة يتطلب النظر إلى الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الحدود الأوروبية إلى أداة ضغط في النزاعات الإقليمية.
وترى التحليلات التي نقلتها الصحيفة أن أحد الأهداف المحتملة لمثل هذه التحركات يتمثل في دفع إسبانيا إلى إعادة النظر في بعض مواقفها السياسية، ولا سيما في الملفات الحساسة المرتبطة بقضية الصحراء الغربية.
اختبار لمدريد وبروكسل
ويركز الخطاب الإعلامي الجزائري على ضرورة ألا تستجيب أوروبا لما تصفه بعض الصحف بـ«المناورات الهجينة»، معتبرة أن أزمة سبتة تتجاوز الجانب الحدودي لتلامس العلاقة المعقدة بين الهجرة والسياسة والأمن.
وفي هذه الرواية، تتحول معاناة المهاجرين إلى عنصر في صراع أوسع بين الرباط ومدريد وبروكسل، بينما تجد السلطات الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية الحدود واحترام الالتزامات الإنسانية من جهة، والتعامل مع الخلافات السياسية مع دول جنوب المتوسط من جهة أخرى.
ومع ذلك، تبقى هذه الاتهامات جزءاً من الرواية الإعلامية الجزائرية بشأن الأزمة، ولا تعني بحد ذاتها إثبات وجود توجيه رسمي مغربي للتحركات. فملف الهجرة في سبتة يرتبط بعوامل متعددة، من بينها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتدابير الأمنية والتوترات الدبلوماسية المتغيرة.
وفي ظل تداخل هذه العوامل، تبقى سبتة واحدة من أكثر النقاط حساسية في غرب المتوسط، حيث تتقاطع الهجرة غير النظامية مع الخلافات السياسية والمصالح الأمنية، فيما تتحول الحدود إلى ساحة تعكس التوتر المستمر بين المغرب وإسبانيا والجزائر والاتحاد الأوروبي.
اقرأ المزيد
الهجرة تقسم أوروبا.. أزمة سبتة تكشف انقسام الاتحاد الأوروبي وتضع إسبانيا تحت الضغط
“المغرب لم يمنحني شيئاً”.. آلاف الشباب يخاطرون بحياتهم للوصول إلى سبتة وسط مأساة إنسانية

