وطن-في عمق المنطقة التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، تبدو كفرشوبا استثناءً قاسياً بين القرى الحدودية. فالبلدة الواقعة قرب الحدود الشرقية مع إسرائيل لم تُفرغ بالكامل من سكانها كما حدث في قرى مجاورة، لكن بقاء الأهالي في أرضهم جاء مشروطاً بقيود مشددة، وحظر حركة، وخوف دائم من أي خطوة قد تُفسَّر إسرائيلياً على أنها خرق للتعليمات.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن كفرشوبا تُعد من القرى القليلة داخل ما تسميه إسرائيل «الخط الأصفر»، وهي منطقة احتلال تمتد على نحو 600 كيلومتر مربع على طول الحدود، سُمح لعدد من سكانها بالبقاء، بخلاف مئات الآلاف الذين اقتلعوا من قرى وبلدات أخرى في جنوب لبنان.
لكن هذا «الاستثناء» لا يعني حياة طبيعية. فالأهالي يعيشون، وفق شهادات نقلها الموقع، في عزلة شبه كاملة، تحت مراقبة مستمرة، ووسط قيود صارمة على التنقل، مع تهديد دائم بالمداهمة أو الاعتقال أو التهجير إذا اتهمت إسرائيل القرية بإيواء أي عنصر مسلح.
اتصالات إسرائيلية وتهديد بتدمير القرية
رئيس بلدية كفرشوبا، قاسم العذيري، قال لـ”ميدل إيست آي” إن الإسرائيليين اتصلوا شخصياً بشيخين من البلدة، وأبلغوهما بأن الاتصال صادر عن وزارة الدفاع الإسرائيلية. وأضاف أن الرسالة كانت واضحة ومباشرة: «العامل الأهم بالنسبة إليهم هو ألا نسمح لأي عنصر مسلح بدخول كفرشوبا».
وتابع العذيري أن الجانب الإسرائيلي هدّد بأنه في حال دخل أي مسلح إلى القرية، أو جرى توفير حماية له أو التعاون معه، فسيصدر أمر بطرد سكان البلدة وتدميرها «كما حدث في قرى أخرى قريبة».
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، فإن كفرشوبا، وهي بلدة ذات غالبية سنية، اختارت النأي بنفسها عن حزب الله، مثل عدد محدود من القرى غير الشيعية الواقعة داخل منطقة الاحتلال. غير أن هذا الموقف لم يمنح السكان شعوراً بالأمان، إذ لا تزال البلدة خاضعة لشروط الجيش الإسرائيلي ومراقبته.
العذيري، وهو في الثمانينيات من عمره، أوضح أنه بصفته سلطة محلية أكد للجيش الإسرائيلي عدم وجود مسلحين داخل القرية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الأهالي لا يملكون القدرة الفعلية على منع أي نشاط مسلح قد يحدث في محيط البلدة أو قربها ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
أراضٍ محظورة ومنازل تحولت إلى نقاط عسكرية
رئيس بلدية كفرشوبا قال إن قوات الاحتلال تمنع السكان من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم الزراعية وبساتين الزيتون. وأضاف: «لا نستطيع استخدام أرضنا. لا يسمحون لنا بذلك. الجبال والوديان والبساتين والأراضي التي نزرعها كلها أصبحت خارج متناولنا».
وأشار العذيري، بحسب “ميدل إيست آي”، إلى أن الحدود الفعلية للحركة داخل البلدة غير واضحة؛ فلا أحد يعرف بدقة أين يُسمح للسكان بالذهاب وأين يُمنعون. وسبق لأهالي كفرشوبا أن أكدوا عدم قدرتهم على الوصول إلى الجزء الجنوبي من بلدتهم.
وفي الأطراف الجنوبية الشرقية لكفرشوبا، أقامت قوات إسرائيلية نقاطاً مؤقتة داخل منازل أُخليت من سكانها، مستفيدة من مواقعها الاستراتيجية. ويقول الأهالي إن هذا الواقع جعل القرية محاصرة عملياً، حتى وإن لم تُعلن إسرائيل تهجيرها بالكامل.
اعتقالات ومداهمات وقتلى برصاص القناصة
ونقل “ميدل إيست آي” أن عمليات الخطف والاعتقال التي تنفذها القوات الإسرائيلية أصبحت متكررة في محيط كفرشوبا. ففي 24 مارس، وخلال مداهمة قبل الفجر، دخل جنود إسرائيليون إلى منطقة حلتا الواقعة عند أطراف البلدة، واعتقلوا شادي كرامة عبد العال، البالغ من العمر 35 عاماً، بعدما اتهموه بالارتباط بـ«سرايا المقاومة» المرتبطة بحزب الله.
وخلال العملية نفسها، خرج الفتى محمد علي عبد العال، البالغ 15 عاماً، من منزله بعد سماع صراخ، فأصابه قناص إسرائيلي وقتله. كما أصيب أحد السكان ويدعى أشرف خليل القادري. وبحسب الرواية التي نقلها الموقع، حاصرت القوات الإسرائيلية منزل عبد العال ومنعت أي شخص من الاقتراب لتقديم الإسعافات.
العذيري قال إن هذه ليست حادثة منفردة، مضيفاً أن القوات الإسرائيلية دخلت مزرعة حلتا التابعة لكفرشوبا وخطفت خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة كانوا يقطعون العشب لمنطقة راشيا الفخار، قبل أن تتهمهم بالانتماء إلى «سرايا المقاومة».
تدمير ممنهج وحرائق في الأحراج والحقول
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن الحملة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان جمعت بين التهجير الواسع والتدمير المنهجي للمنازل والبنية التحتية المدنية والأراضي الزراعية. وقد خلّف هذا الدمار قرى بأكملها غير صالحة للسكن، وأصاب القدرة الإنتاجية المحلية بأضرار كبيرة.
كما شهدت مناطق واسعة من الجنوب حرائق متكررة، خصوصاً في الغابات وبساتين الزيتون والأراضي الزراعية. ويقول سكان إن النيران أتلفت مساحات شاسعة، وجعلت الأرض المحروقة غير قابلة للاستخدام في الوقت الراهن.
وفي 5 أغسطس، تسببت أنشطة عسكرية إسرائيلية في اندلاع حريق داخل منطقة حرجية في كفرشوبا، قبل أن يمتد باتجاه حلتا. ووفق ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، استمرت النيران لساعات، بينما منعت القوات الإسرائيلية فرق الإطفاء اللبنانية من الوصول إلى المنطقة لإخمادها.
كما نقلت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن حسين فقيه، وهو عنصر إطفاء من النبطية، قوله إن القوات الإسرائيلية أشعلت في 11 أغسطس حرائق باستخدام مواد حارقة قرب بلدة الخيام المجاورة لكفرشوبا. وأضاف أن طواقم الإطفاء اللبنانية حاولت التدخل، لكن طائرة مسيرة إسرائيلية نفذت ضربة قريبة، ما أجبرهم على الانسحاب.
اقتصاد زراعي مشلول ونقص في الخدمات
تعتمد كفرشوبا بصورة رئيسية على الزراعة، وخصوصاً بساتين الزيتون وزراعة التبغ، وهما مصدران أساسيان لدخل الأهالي. لكن القيود الإسرائيلية حوّلت هذه الموارد إلى عبء لا يمكن الوصول إليه، في وقت تعاني فيه البلدة من نقص في الاحتياجات الأساسية وتضرر كبير في البنية التحتية، لا سيما الكهرباء والمياه.
وقال رئيس البلدية لـ”ميدل إيست آي” إن شبكة الكهرباء مقطوعة، وإن القوات الإسرائيلية تمنع السكان من إصلاحها. ولتشغيل مضخة المياه، يضطر الأهالي إلى استخدام مولد كهربائي يكلف نحو 300 دولار يومياً من الوقود، ويحتاج إلى قرابة عشر ساعات لملء الخزان.
هذا الواقع ترك السكان أمام معادلة صعبة: بقوا في أرضهم، لكنهم لا يستطيعون زراعتها أو إصلاح مرافقها أو التحرك بحرية داخلها. وحتى القرى المجاورة التي كانت تمثل امتداداً اقتصادياً واجتماعياً لكفرشوبا تضررت بشدة من الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
«نعيش في سجن كبير»
حسن عمرو، صاحب متجر محلي في كفرشوبا، قال لـ”ميدل إيست آي” إن حركة الناس والبضائع إلى القرية تراجعت بشكل حاد. وأوضح أن كثيرين ممن كانوا يقيمون خارج البلدة اعتادوا زيارتها في عطلة نهاية الأسبوع، لكن ذلك توقف تقريباً.
وأضاف عمرو: «نحن نعيش هنا، لكننا نشعر كأننا في سجن كبير. لا نستطيع الدخول والخروج كما نريد». وتابع أن الأهالي لا يستطيعون الذهاب لمسافات أبعد لتفقد أشجار الزيتون، رغم اقتراب موسم القطاف.
وأشار إلى أن السكان لم يتمكنوا من العناية ببساتين الزيتون منذ حرب 2024، قائلاً إنهم لن يستطيعوا غالباً جني المحصول هذا العام أيضاً. وأضاف: «نحن محاطون بكل ما يمكن أن تمنحه هذه الأرض، لكننا عاجزون عن فعل أي شيء».
وبحسب ما نقله “ميدل إيست آي” عن عمرو، فإن تدفق الإمدادات تحسن نسبياً بفضل جهود محلية لجلب المؤن من البقاع. لكن ذلك لا يعوض التجارة المتبادلة التي كانت قائمة مع قرى قريبة مثل الخيام وكفركلا، وقد تعرضت هذه القرى لدمار واسع خلال الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب.
وقال عمرو إن الحرب الحالية «أقسى من الحرب السابقة»، موضحاً أن كفرشوبا لم تعد قادرة على جلب الإمدادات من القرى المجاورة، لأن معظمها دُمّر بالكامل، أما القرى التي لم تُدمر فلا يرغب سكانها أو تجارها في القدوم بسبب المخاطر. وأضاف أن وصول أحد الموردين إلى متجره كان الأول منذ بداية الحرب، بعد أن كان الأهالي يضطرون سابقاً إلى الذهاب بأنفسهم إلى البقاع، رغم خطورة الطرق.
مفاوضات بلا ضمانات و«مناطق تجريبية» توسع الاحتلال
منذ بدء المحادثات بين إسرائيل ولبنان في أبريل، لم تظهر الحكومة اللبنانية، بحسب “ميدل إيست آي”، قدرة تفاوضية كافية لانتزاع انسحاب إسرائيلي واضح من الجنوب. ويتيح إطار ترعاه الولايات المتحدة بقاء الجيش الإسرائيلي داخل المناطق المحتلة في جنوب لبنان إلى حين نزع سلاح حزب الله وتسلم الجيش اللبناني السيطرة، وهي شروط يرفضها الحزب ويعتبرها بمثابة استسلام.
ويرى مراقبون أن ما يسمى «المناطق التجريبية» التي أُنشئت في مناطق لم تكن محتلة سابقاً، خلافاً للرواية الإسرائيلية، تحولت عملياً إلى آلية لتوسيع نطاق الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان بدلاً من تقليصه.
وذكرت وسائل إعلام لبنانية، وفق ما أشار إليه “ميدل إيست آي”، أن إسرائيل وسّعت مؤخراً نطاق المناطق الخاضعة لسيطرتها لتشمل قرى مثل المنصوري ومجدل زون وحداثا وبرعشيت، مع تقدم إضافي باتجاه تبنين وبيت ياحون.
ولا يوفر الاتفاق المطروح، وفق المعطيات الميدانية، حماية فعلية للمدنيين اللبنانيين، سواء داخل المناطق المحتلة أو خارجها، من التهديدات والانتهاكات المستمرة التي يتعرضون لها على يد الجيش الإسرائيلي.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، كثفت إسرائيل تصعيدها العسكري في الجنوب، ونفذت غارات جوية أسفرت عن مقتل 11 شخصاً، بينهم ثلاثة أطفال، وإصابة 19 آخرين في أنصار ودير الزهراني. ووصف الهجوم بأنه الأكثر دموية منذ إعلان اتفاق خفض التصعيد في يونيو.
وبين القيود العسكرية والعزلة الاقتصادية والخوف من التهجير، تقف كفرشوبا اليوم شاهدة على واقع جديد في جنوب لبنان: قرية لم تُمحَ من الخريطة، لكنها تعيش تحت شروط تجعل البقاء نفسه معركة يومية.
اقرأ المزيد
قصف إسرائيلي بالفوسفور الأبيض يستهدف بلدات في جنوب لبنان ودمار واسع في بيت الصياد
نواف الموسوي: لا انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان بلا قوة.. وحزب الله يتمسك بخيار المقاومة
“المناطق التجريبية” لإسرائيل في جنوب لبنان.. انسحاب على الورق واحتلال مستمر على الأرض
غارات إسرائيلية دامية على جنوب لبنان.. 9 قتلى وتصعيد يهدد تفاهمات خفض التوتر

