وطن-تصاعد التوتر مجدداً في جنوب لبنان بعد ليلة عنيفة من الغارات الإسرائيلية التي طالت بلدات وقرى عدة في منطقة النبطية ومحيطها، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 9 أشخاص وإصابة أكثر من عشرة آخرين، في واحدة من أعنف موجات القصف منذ تراجع وتيرة القتال عقب التفاهمات التي رعتها واشنطن في يونيو الماضي.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، نقلاً عن وسائل إعلام لبنانية رسمية ومحلية، إن الغارات الإسرائيلية استهدفت فجر السبت مناطق عدة في جنوب لبنان، بينها بلدة أنصار في قضاء النبطية وبلدة دير الزهراني، وسط مخاوف من اتساع رقعة التصعيد وتهديد ما تبقى من ترتيبات خفض التوتر على الحدود.
غارات دامية تهز النبطية
بحسب ما أوردته الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، استهدفت غارة إسرائيلية منزلاً على أطراف بلدة أنصار، ما أدى إلى مقتل 7 أشخاص وإصابة آخرين. كما أسفرت غارة أخرى على دير الزهراني عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة عدد من السكان، فيما كثّف الجيش الإسرائيلي ضرباته قبل ساعات الفجر على مناطق واسعة في النبطية.
ولم يقتصر القصف على الغارات الجوية، إذ سُجلت أيضاً عمليات قصف مدفعي واستهدافات في مرتفعات علي الطاهر قرب النبطية الفوقا، وكفر تبنيت، وزوطر الشرقية، ومناطق أخرى من جنوب لبنان.
وأدى القصف الليلي المكثف إلى نزوح عدد من الأهالي من منازلهم، بينما تحولت ساعات الفجر إلى عمليات بحث عن ناجين بين الركام.
أطفال ونساء بين ضحايا أنصار
وأفادت وسائل إعلام لبنانية بأن أطفالاً وأفراداً من عائلة واحدة كانوا بين ضحايا الغارة على أنصار، ما زاد من حدة الغضب والقلق في المنطقة، خصوصاً مع استمرار الغارات الإسرائيلية وعمليات الهدم في عدد من البلدات الجنوبية.
ونقلت قناة «الجزيرة» أن وتيرة الهجمات تتصاعد، في وقت لم تنجح فيه الجهود الدبلوماسية حتى الآن في إحداث تغيير ملموس على الأرض أو منع تجدد القصف.
من جهته، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف ما وصفه بـ«بنى تحتية تابعة لحزب الله» في منطقتي النبطية وأنصار، قائلاً إن الضربات جاءت رداً على «نشاط ضد جنود إسرائيليين».
نواف سلام يرفض الرواية الإسرائيلية
في المقابل، رفض رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الرواية الإسرائيلية، ووصف التصعيد في النبطية وأنصار ودير الزهراني والقرى المحيطة بأنه «بالغ الخطورة»، مؤكداً أنه يقوض الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار.
وقال سلام، في بيان نقلته وسائل إعلام لبنانية وأورده موقع «ميدل إيست آي»، إن الأشخاص السبعة الذين قتلوا في غارة أنصار «ليسوا بنية عسكرية»، مشدداً على أن الأطفال والنساء الذين سقطوا في الهجوم لا يمكن اعتبارهم أهدافاً عسكرية.
وأكد رئيس الوزراء اللبناني أن التعامل مع أي بنية عسكرية على الأراضي اللبنانية، إن وُجدت، هو مسؤولية الدولة اللبنانية عبر الجيش والمؤسسات الرسمية، مشدداً على أن وجود أي ملف أمني لا يمنح إسرائيل حق انتهاك الأراضي اللبنانية وتعريض المدنيين للخطر.
حزب الله يتوعد بالرد
في السياق نفسه، قال حزب الله إن الهجمات الإسرائيلية ستُقابل بـ«رد مناسب»، داعياً السلطات اللبنانية إلى وقف ما وصفه بـ«المسار المهين» للمفاوضات مع إسرائيل.
واعتبر الحزب أن الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولات فرض أمر واقع «لا يمكن أن تستمر»، مؤكداً أنها ستُقابل بالرد.
كما انتقد الحزب استمرار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، معتبراً أن السلطات اللبنانية لا ينبغي أن تقدم تنازلات في ظل استمرار الضربات والخروقات الإسرائيلية.
بيروت تحذر من انهيار التفاهمات
وأدان الرئيس اللبناني جوزيف عون الهجمات الإسرائيلية، معتبراً أن التصعيد في النبطية ومحيطها يمثل انتهاكات متكررة للإطار الذي ينظم جهود خفض الأعمال العدائية وحماية المدنيين.
وقال عون إن الهجوم على أنصار أودى بحياة أفراد من عائلة واحدة، واصفاً التصعيد بأنه «رسالة واضحة» إلى مسار التفاوض والجهود التي تقودها الولايات المتحدة لتنفيذ التفاهمات الأمنية.
وتأتي هذه التطورات رغم انخفاض مستوى الأعمال القتالية بعد مذكرة تفاهم أميركية إيرانية في يونيو الماضي، أعقبها إطار برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل.
خلاف حول سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي
وينص الترتيب، وفق ما أورده «ميدل إيست آي»، على نزع سلاح حزب الله تدريجياً، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها في لبنان، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، إلا أن الخلافات حول آليات التنفيذ لا تزال قائمة.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد أعلن، الخميس، أن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي تسيطر عليها في لبنان قبل نزع سلاح حزب الله وإزالة ما وصفه بالتهديد الذي يمثله الحزب.
وجاءت تصريحاته في وقت تتزايد فيه الضغوط على لبنان لتنفيذ بنود الاتفاق، بالتزامن مع استمرار الغارات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
نعيم قاسم ينتقد أداء الدولة اللبنانية
وفي اليوم التالي، انتقد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم السلطات اللبنانية بسبب طريقة تعاملها مع تنفيذ الاتفاق، متهماً إياها بممارسة ضغوط على الجيش اللبناني في وقت تتواصل فيه الهجمات الإسرائيلية.
وقال قاسم إن الجيش اللبناني يتعرض للقصف والضغوط الإسرائيلية، متسائلاً عن سبب قبول السلطات بما وصفه بـ«الإذلال المستمر» للجيش بدلاً من حمايته.
جنوب لبنان أمام اختبار جديد
تُعد غارة أنصار من بين أكثر الهجمات الإسرائيلية دموية في لبنان منذ تفاهمات يونيو، التي أدت إلى تراجع كبير في وتيرة المواجهات.
لكن عودة القصف إلى النبطية ومناطق جنوبية أخرى تكشف هشاشة الترتيبات الأمنية، وتضع التفاهمات الدبلوماسية أمام اختبار جديد، في ظل استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله والوجود الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
ومع سقوط قتلى مدنيين واتساع دائرة الاستهداف، يعود جنوب لبنان إلى واجهة التصعيد، بينما تواجه الجهود الأميركية الرامية إلى تثبيت التهدئة تحدياً متزايداً أمام استمرار الغارات والاتهامات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله.
اقرأ المزيد
جنوب لبنان يدخل مرحلة جديدة.. بدء تنفيذ خطة أمريكية للانسحاب الإسرائيلي
نتنياهو وكاتس يعلنان بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا وغزة «من دون سقف زمني»
الجيش الإسرائيلي ينشئ مراكز اقتراع في غزة ولبنان وسوريا.. استعدادات انتخابية غير مسبوقة
الحرب في لبنان تترك النازحين بين الخيام والقلق.. أزمة صحة نفسية تتفاقم تحت ضغط الجوع والتهجير

