وطن-أُسدل الستار في دمشق على واحدة من أبرز محاكمات رموز النظام السوري السابق، بعدما أصدرت محكمة الجنايات الرابعة حكماً بالإعدام بحق وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، عقب إدانته بارتكاب جرائم قتل وتعذيب بحق مدنيين، وصفتها المحكمة بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وجاء الحكم، الثلاثاء 18 أغسطس/آب 2026، في الجلسة السادسة والأخيرة من محاكمة وسيم الأسد، التي جرت ضمن مسار العدالة الانتقالية في سوريا. كما قررت المحكمة مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، فيما يبقى الحكم قابلاً للطعن بالنقض.
من نفوذ عائلة الأسد إلى قفص الاتهام
كان اسم وسيم الأسد مرتبطاً لسنوات بدوائر النفوذ المحيطة بالنظام السابق، قبل أن يتحول من شخصية تتمتع بالحماية والنفوذ إلى متهم يمثل أمام القضاء في دمشق.
وبحسب وقائع القضية التي عرضتها المحكمة، بدأ دوره في تشكيل مجموعات مسلحة رديفة لقوات النظام السابق في عام 2011، بالتنسيق مع ضباط في الفرقة الرابعة. وأشارت المحكمة إلى أنه أشرف على مجموعتين مسلحتين، ووفّر لهما السلاح والذخيرة والتمويل والإمدادات.
وتتركز الوقائع التي نظرت فيها المحكمة بصورة خاصة في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية، حيث اتُهمت المجموعات المرتبطة به بالمشاركة في عمليات استهدفت مدنيين بين عامي 2012 و2014.
قتل وتعذيب وسلب للمدنيين
لم تقتصر الاتهامات التي ناقشتها المحكمة على المشاركة في العمليات العسكرية، بل شملت أيضاً وقائع قتل وخطف وتعذيب وسلب وابتزاز.
وقالت المحكمة إن عناصر تابعة للمجموعات التي أشرف عليها وسيم الأسد شاركت في اختطاف مدنيين وسلب ممتلكات محال تجارية، كما تعرض بعض المحتجزين للتعذيب خارج أي إطار قضائي أو احتجاز رسمي.
وتناول ملف القضية كذلك واقعة قصف وقعت عام 2013 على الطريق بين المليحة وزبدين، وأسفرت، وفق ملف الدعوى، عن مقتل نحو 75 مدنياً، أمكن توثيق أسماء 44 منهم.
وأكد رئيس المحكمة، القاضي فخر الدين العريان، أن المحكمة خلصت إلى ثبوت تورط المتهم في أفعال قتل عمد وقصد اقترنت بالتعذيب والشراسة، واعتبرت تلك الأفعال داخلة في نطاق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
اتهامات بجرائم على أساس الهوية
ومن أكثر الوقائع حساسية التي عرضتها المحكمة، شهادة أحد الشهود المحميين الذي نجا من إحدى عمليات الاستهداف بعد الإفصاح عن دينه.
واعتبر القاضي أن هذه الشهادة تحمل دلالة مهمة على أن الانتماء الديني كان، في بعض الوقائع، عاملاً في تحديد الضحايا، وأن عمليات القتل لم تكن عشوائية في جميع الحالات.
وبذلك، لم تعد القضية أمام المحكمة مجرد ملف يتعلق بمشاركة في أعمال قتالية، بل أصبحت مرتبطة باتهامات أوسع تتعلق باستهداف المدنيين والتعذيب والقتل والانتهاكات المنهجية.
من اتهامات الكبتاغون إلى العقوبات الدولية
ارتبط اسم وسيم الأسد كذلك لسنوات بملف تجارة الكبتاغون وشبكات تهريب المخدرات المرتبطة بشخصيات من النظام السوري السابق.
وكان اسمه قد أُدرج في عام 2023 على قوائم العقوبات الأميركية والأوروبية ضمن إجراءات استهدفت شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق.
لكن القضية التي انتهت اليوم بحكم الإعدام لم تُبنَ فقط على اتهامات مرتبطة بالمخدرات، وإنما ركزت بصورة أساسية على وقائع قتل وتعذيب وتشكيل مجموعات مسلحة واستهداف مدنيين، وفق ما عرضته المحكمة خلال جلسات المحاكمة.
اعتقاله ومحاكمته
أُلقي القبض على وسيم الأسد في 21 يونيو/حزيران 2025، بعد عملية أمنية قالت السلطات السورية إنها تمت عبر استدراجه في كمين. وبعد ذلك أُحيل إلى القضاء وبدأت محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق.
وانطلقت أولى جلسات المحاكمة في 24 يونيو/حزيران 2026، قبل أن تتوالى الجلسات التي استمعت خلالها المحكمة إلى الشهود وناقشت الأدلة والاتهامات. وفي الجلسة الخامسة، قدم الدفاع مذكرة أنكر فيها الاتهامات وطالب بالبراءة والرأفة.
لكن المحكمة، بعد استكمال الإجراءات، أعلنت إدانته وأصدرت بحقه أقصى عقوبة في القضية، مع مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة.
أول حكم إعدام بارز بحق أحد أفراد عائلة الأسد
يحمل الحكم دلالة سياسية وقضائية كبيرة، باعتباره واحداً من أبرز الأحكام الصادرة بحق شخص من الدائرة العائلية المرتبطة بالرئيس السوري المخلوع.
ويأتي ضمن سلسلة محاكمات تستهدف شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات خلال سنوات حكم النظام السابق، في إطار مسار العدالة الانتقالية الذي تقول السلطات السورية إنه يهدف إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف الضحايا.
وبالنسبة إلى كثير من السوريين الذين فقدوا أقاربهم أو تعرضوا للاعتقال والتعذيب خلال سنوات الحرب، يمثل الحكم لحظة رمزية في مسار طويل من البحث عن العدالة، فيما تبقى كيفية تنفيذ الأحكام وضمان حقوق المتهمين والضحايا واختبارها أمام القضاء من أبرز الأسئلة المطروحة في المرحلة المقبلة.
وهكذا، انتقل وسيم الأسد من موقع ارتبط لعقود بنفوذ عائلة الأسد إلى قاعة محكمة في دمشق، حيث صدر بحقه حكم بالإعدام على خلفية جرائم قالت المحكمة إنها استهدفت مدنيين خلال سنوات الحرب السورية.
الحكم ليس مجرد نهاية لمحاكمة رجل واحد، بل اختبار لمسار العدالة الانتقالية في سوريا: هل تستطيع المحاكم تحويل ملفات سنوات الحرب والانتهاكات إلى أحكام قضائية ومحاسبة فعلية؟
قد يعجبك
محكمة دمشق تقضي بإعدام بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب بتهم القتل والتعذيب وجرائم ضد الإنسانية

