وطن-في موقف أميركي لافت، وجّه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والسفير الأميركي لدى تركيا، توم براك، انتقادًا مباشرًا للتحركات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبرًا أن الضربات التي استهدفت قاعدة أبو الظهور العسكرية تمثل «تصعيدًا غير ضروري» ولا تخدم استقرار المنطقة.
وجاء الموقف الأميركي بعد غارات جوية استهدفت مدرج قاعدة أبو الظهور في شمال سوريا، في وقت تشهد فيه العلاقة بين دمشق وتل أبيب توترًا متصاعدًا، بالتوازي مع محاولات دبلوماسية لخفض التصعيد.
انتقاد أميركي للتحرك الإسرائيلي
وقال براك عبر منصة «إكس» إن الحكومة السورية لم تتبنَّ موقفًا عدائيًا تجاه إسرائيل، ولم تحتفظ بقوات تعمل بالوكالة، مشيرًا إلى أن دمشق عبّرت مرارًا عن رغبتها في خفض التصعيد.
وأضاف المسؤول الأميركي أن واشنطن «قلقة للغاية» من الضربات، معتبرًا أنها لا تسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تحافظ فيه الولايات المتحدة عمومًا على دعم قوي لإسرائيل، ما يجعل اللهجة المستخدمة من جانب مسؤول أميركي بارز بشأن العمليات الإسرائيلية في سوريا لافتة سياسيًا.
قاعدة أبو الظهور في قلب التوتر
وتعرض مدرج قاعدة أبو الظهور الجوية، بحسب السلطات السورية، لثماني ضربات خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء. وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تعلن رسميًا مسؤوليتها عن الهجوم، فإن تصريحات براك حملت إشارة واضحة إلى الجهة التي تعتبرها واشنطن مسؤولة عن التصعيد.
وتزداد أهمية القاعدة بسبب الحديث عن تحركات لإعادة تفعيلها، إذ أفادت تقارير بأن وفدًا عسكريًا تركيًا زار الموقع خلال الأيام الأخيرة، وهو ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد، في ظل الحضور التركي المتزايد في شمال سوريا، والتداخل بين المصالح السورية والتركية والإسرائيلية والأميركية.
إسرائيل تكثف عملياتها داخل سوريا
منذ سقوط نظام بشار الأسد ومغادرته سوريا إلى روسيا في ديسمبر/كانون الأول 2024، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية.
واستهدفت الضربات الإسرائيلية مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بقدرات الجيش السوري، بينما دفعت إسرائيل بقوات إلى مناطق داخل المنطقة العازلة التي تشرف عليها الأمم المتحدة.
وتقول إسرائيل إن تحركاتها مرتبطة باعتبارات أمنية ومنع تشكل تهديدات عسكرية بالقرب من حدودها، في حين تعتبر دمشق أن استمرار الضربات والتوغلات يمثل انتهاكًا لسيادتها وتهديدًا لاستقرار المنطقة.
دمشق تختار عدم الرد
وعلى الرغم من حجم العمليات الإسرائيلية، أكدت القيادة السورية أنها تتجنب الرد العسكري المباشر. ونقلت تقارير عن الرئيس السوري أحمد الشرع قوله إن دمشق لم ترد على الاعتداءات لأنها تريد التركيز على إعادة بناء سوريا.
كما رفض الشرع التبريرات الإسرائيلية المتعلقة بوجود جماعات مرتبطة بإيران، مؤكدًا أن القوات المرتبطة بطهران أُخرجت من سوريا. وبذلك تحاول دمشق، بحسب الخطاب الرسمي، الجمع بين الدفاع عن سيادتها وتجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل.
مفاوضات خلف الكواليس
تتمثل المفارقة في أن التصعيد العسكري يتزامن مع وجود اتصالات سياسية بين سوريا وإسرائيل، ففي الوقت الذي تتعرض فيه الأراضي السورية لضربات إسرائيلية، توجد محاولات دبلوماسية لخفض التوتر وإعادة ترتيب الوضع الأمني على الحدود.
وكان لقاء براك بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في إسطنبول قد تناول، وفق السياق المحيط بالزيارة، قضايا مرتبطة بخفض التصعيد والمسار الدبلوماسي.
وهنا تظهر معادلة شديدة التعقيد: ضربات إسرائيلية من جهة، واتصالات سياسية من جهة أخرى، ووساطة أميركية تحاول منع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
يطرح الموقف الأميركي سؤالًا مهمًا حول حدود الصبر الأميركي تجاه العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، فالولايات المتحدة لا تريد، على ما يبدو، أن يتحول الملف السوري إلى جبهة جديدة للصراع الإقليمي، خصوصًا في مرحلة تحاول فيها دمشق إعادة بناء مؤسسات الدولة وتحسين علاقاتها مع محيطها.
ولهذا شدد براك على أن واشنطن ستواصل استضافة المحادثات بين الأطراف بهدف تشجيع المسار الدبلوماسي بدلًا من التصعيد العسكري.
اختبار جديد للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب
قد لا يعني انتقاد مسؤول أميركي واحد حدوث تحول جذري في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، لكنه يكشف عن وجود قلق داخل واشنطن من أن تؤدي العمليات العسكرية المتكررة في سوريا إلى نتائج تتجاوز الأهداف الأمنية الإسرائيلية المعلنة.
فاستمرار الضربات والتوغلات قد يعرقل جهود إعادة الاستقرار في سوريا، كما يمكن أن يدفع أطرافًا إقليمية أخرى إلى التدخل أو الرد، بما يوسع دائرة الصراع.
وفي المقابل، يبدو أن دمشق تراهن على الدبلوماسية، بينما تتمسك إسرائيل بسياسة عسكرية وقائية داخل الأراضي السورية. وبين الخيارين، تحاول واشنطن الدفع باتجاه الحوار.
سوريا أمام مرحلة جديدة
لم يعد المشهد السوري بعد سقوط الأسد محكومًا فقط بالصراع الداخلي، بل أصبح ساحة لتقاطع مصالح إقليمية ودولية معقدة، فتركيا تتحرك في الشمال، وإسرائيل توسع عملياتها العسكرية، ودمشق تحاول إعادة بناء الدولة، بينما تسعى واشنطن إلى منع انفجار أمني جديد.
وفي هذا السياق، قد تكون رسالة توم براك أكثر من مجرد اعتراض على ضربة محددة؛ فقد تكون تحذيرًا من أن استمرار التصعيد الإسرائيلي داخل سوريا قد يقوّض المسار الذي تريد الولايات المتحدة دفعه نحو الاستقرار والحوار بدل المواجهة.
اقرأ المزيد
ترامب يتوسط في اتفاق سري بين سوريا وإسرائيل لإزالة مواد نووية من موقع “99”
شمال سوريا يهتز أمنياً.. كوباني تشتعل والأنظار تتجه إلى حزب العمال الكردستاني
الجيش الإسرائيلي ينشئ مراكز اقتراع في غزة ولبنان وسوريا.. استعدادات انتخابية غير مسبوقة
تصريحات غير مسبوقة للشرع.. هل تدخل سوريا مرحلة التفاهمات الأمنية مع إسرائيل؟

