وطن-لم تكن الولايات المتحدة تتوقع أن تتحول طائرات MQ-9 ريبر، إحدى أبرز مسيّراتها المسلحة، إلى واحدة من أكثر منظوماتها تعرضاً للخسائر خلال الحرب مع إيران. لكن سماء مضيق هرمز باتت تمثل اختباراً قاسياً لهذه الطائرات، في ظل استمرار العمليات العسكرية وارتفاع وتيرة الاستنزاف.
ربع أسطول «ريبر» الأمريكي في مهب الخسائر
بحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست في 13 أغسطس 2026، فقد الجيش الأمريكي ما لا يقل عن 45 طائرة مسيرة من طراز MQ-9 ريبر خلال الحرب مع إيران، بما يعادل نحو ربع أسطوله من هذا الطراز.
وتتجاوز القيمة الإجمالية لهذه الخسائر 1.3 مليار دولار، وفق تقديرات التقرير، ما يجعل خسارة المسيّرات جزءاً مهماً من الكلفة المتزايدة للعمليات العسكرية الأمريكية.
ولا تقتصر أهمية الرقم على القيمة المالية للطائرات، إذ تعد «ريبر» من أهم المنصات الأمريكية للاستطلاع والمراقبة وتنفيذ الضربات الدقيقة، ما يجعل خسارتها تمثل أيضاً استنزافاً لقدرات المراقبة والعمليات الجوية.
لماذا أصبحت «ريبر» هدفاً سهلاً؟
تكمن المفارقة في أن الطائرة التي صممت للعمل لساعات طويلة في أجواء العمليات أصبحت تواجه بيئة قتالية شديدة الخطورة فوق مضيق هرمز.
فالـ«ريبر» طائرة كبيرة نسبياً وبطيئة مقارنة بالمقاتلات الحديثة، كما أن طبيعة المهام التي تنفذها تجعلها مضطرة إلى التحليق لفترات طويلة فوق مناطق حساسة، الأمر الذي يمنح الخصم فرصاً أكبر لرصدها واستهدافها.
ومع كثافة العمليات الأمريكية في محيط هرمز، تحولت هذه الطائرات من أداة لتعزيز التفوق الجوي إلى هدف متكرر للقوات الإيرانية.
ليست كل الخسائر بسبب النيران الإيرانية
لكن خسائر واشنطن لا تعود جميعها إلى إسقاط الطائرات من جانب القوات الإيرانية. فقد كشف مسؤول أمريكي، بحسب التقارير التي تناولت الخسائر، أن بعض طائرات «ريبر» تحطمت بعد فقدان الاتصال بينها وبين مشغليها، ما يعني أن جزءاً من الاستنزاف يرتبط أيضاً بالمشكلات التشغيلية والاتصالات التي يمكن أن تواجه هذا النوع من الطائرات خلال العمليات المكثفة.
وتضيف هذه الحوادث بعداً آخر إلى خسائر البرنامج، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة احتساب جميع الطائرات المفقودة باعتبارها نتيجة مباشرة لقدرات الدفاع الجوي الإيرانية.
«ريبر» ليست السلاح الأمريكي الوحيد المستنزف
ولا تتوقف الضغوط على أسطول المسيّرات، إذ تشير المعطيات المتداولة حول الحرب إلى استنزاف منظومات وذخائر أمريكية أخرى، بينها صواريخ توماهوك وأنظمة الدفاع الجوي باتريوت وثاد.
وهنا يتحول السؤال من مجرد عدد الطائرات التي خسرتها واشنطن إلى قدرة الولايات المتحدة على المحافظة على وتيرة العمليات العسكرية لفترة طويلة، خصوصاً إذا استمرت الحاجة إلى استخدام كميات كبيرة من الذخائر والمنظومات الدفاعية.
مليارات الدولارات أمام اختبار الحرب الطويلة
تمثل الخسائر المالية جانباً مهماً من المعادلة. فتكلفة الطائرة الواحدة من «ريبر» يمكن أن تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات بحسب التجهيزات والعقد المستخدم، بينما تتطلب إعادة بناء المخزون العسكري وقتاً وقدرات صناعية كبيرة.
وبالتالي، فإن استمرار الحرب لا يعني فقط زيادة الإنفاق على العمليات اليومية، بل يفرض على وزارة الدفاع الأمريكية أيضاً مهمة تعويض المخزونات المستهلكة وإعادة بناء القدرات التي فقدتها خلال المعارك.
ويصبح هذا التحدي أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بأنظمة تحتاج إلى خطوط إنتاج متخصصة وفترات زمنية طويلة للتصنيع والتسليم.
هرمز يتحول إلى معركة استنزاف
كان مضيق هرمز أحد أهم النقاط التي سعت واشنطن إلى فرض نفوذها عليها خلال الحرب، نظراً إلى أهميته بالنسبة إلى حركة الطاقة والتجارة العالمية.
لكن استمرار الخسائر الأمريكية في محيطه يمنح المعركة بعداً مختلفاً؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر استراتيجي تسعى الولايات المتحدة إلى تأمينه، بل تحول أيضاً إلى بيئة مكلفة للعمليات الجوية الأمريكية.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن استهداف المنصات الأمريكية واستنزافها يمثل وسيلة لرفع كلفة الحرب وإجبار واشنطن على التفكير في حجم الموارد المطلوبة لمواصلة عملياتها.
السؤال الأصعب أمام البنتاغون
المشكلة التي تواجه واشنطن لا تتعلق فقط بخسارة 45 طائرة «ريبر»، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا استمرت الحرب بالوتيرة نفسها لأشهر إضافية.
فكل طائرة مفقودة تحتاج إلى تعويض، وكل صاروخ يُطلق يحتاج إلى إعادة بناء المخزون، وكل منظومة دفاعية تُستخدم بكثافة تفرض ضغوطاً إضافية على الإنتاج العسكري الأمريكي.
وبذلك، يتحول الاستنزاف الإيراني للقدرات الأمريكية إلى اختبار لقدرة البنتاغون على خوض حرب طويلة ومكلفة، وليس مجرد سلسلة من الخسائر التكتيكية.
مضيق هرمز.. كلفة متزايدة لواشنطن
تكشف حرب المسيّرات في هرمز أن التفوق التكنولوجي الأمريكي لا يعني بالضرورة غياب نقاط الضعف. فحتى واحدة من أكثر الطائرات المسيرة الأمريكية شهرة وقدرة على تنفيذ مهام طويلة المدى أصبحت عرضة للخسارة في بيئة قتالية معقدة.
ومع استمرار استنزاف «ريبر» إلى جانب الذخائر والمنظومات الدفاعية الأخرى، يبقى السؤال الأكبر: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة تحمل الكلفة العسكرية والمالية لحرب طويلة في منطقة استراتيجية بحجم مضيق هرمز؟
اقرأ أيضاً
بين نفي البيت الأبيض وتصريحات ترامب: ما حقيقة المخزون العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط؟
وسط تقارير عن أزمة تسليح: ترامب يدعو لصفقة مع إيران والبيت الأبيض ينفي مواجهة هيغسيث

