وطن-بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان، لم يتحقق السيناريو الأسوأ الذي توقعه كثيرون بانهيار الدولة مالياً بعد انسحاب المساعدات الدولية وعزل كابل عن النظام المالي العالمي. لكن تفادي الإفلاس لم ينعكس تحسناً في حياة الأفغان، إذ أصبحت البلاد تنتج أكثر من السابق، بينما يمتلك سكانها، في المتوسط، موارد أقل لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
اقتصاد أصغر يعتمد على الإيرادات المحلية
وقالت وكالة «إفي» الإسبانية إن أفغانستان تمكنت من تجنب الانهيار الشامل من خلال دولة أصغر حجماً وأكثر اعتماداً على الإيرادات المحلية، بعدما تراجعت الموارد الخارجية التي كانت تموّل جزءاً كبيراً من مؤسسات الجمهورية السابقة. غير أن هذا الاستقرار المالي النسبي لم يتحول إلى ازدهار اقتصادي، ولا يزال ملايين الأفغان يواجهون ضغوطاً معيشية شديدة.
نمو اقتصادي لا يكفي لزيادة السكان
ووفقاً لبيانات البنك الدولي التي أوردتها وكالة «إفي»، نما الاقتصاد الأفغاني بنسبة 4.8% خلال عام 2025، مدفوعاً جزئياً بعودة أعداد كبيرة من الأفغان من الدول المجاورة. إلا أن هذا النمو لم يكن كافياً لمواكبة الزيادة السكانية، إذ قدّر البنك الدولي أن عودة نحو 3.7 ملايين شخص ساهمت في انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.6%.
إنتاج أكبر وموارد أقل للأسر
وتكشف هذه الأرقام مفارقة واضحة في الاقتصاد الأفغاني تحت حكم طالبان؛ فالبلاد تنتج أكثر مما كانت تنتجه قبل سنوات، لكن الأسر تمتلك موارد أقل. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من العائلات الأفغانية غارقة في الديون، فيما تعجز غالبية واسعة منها عن تغطية احتياجاتها الأساسية من الغذاء والسكن والرعاية الصحية.
الديون وبيع الممتلكات لسد الاحتياجات
ونقلت وكالة «إفي» عن مارتين فان بيليرت، الباحثة في شبكة محللي أفغانستان، قولها إن بعض العائلات تعيش منذ سنوات على القروض وبيع الأثاث والمقتنيات المنزلية، إضافة إلى المساعدات التي تصلها من الأقارب والأصدقاء أو عبر التحويلات المالية من الخارج. وأضافت أن الأفغان يساعد بعضهم بعضاً على تجاوز هذه المرحلة، واصفة هذا النظام الاجتماعي بأنه «مرهق إلى حد لا يُصدّق».
طالبان تلقي باللوم على العزلة والعقوبات
وتحمّل حكومة طالبان جانباً كبيراً من التدهور الاقتصادي للقيود المصرفية والعقوبات والعزلة الدولية المفروضة على أفغانستان. لكن توزيع الإنفاق العام، بحسب ما أوردته وكالة «إفي» نقلاً عن البنك الدولي، يكشف أيضاً عن أولويات داخلية واضحة لدى النظام الحاكم.
نصف الإنفاق العام يذهب إلى الأمن
فقد ذهب نحو نصف الإنفاق العام منذ بداية العام إلى قطاع الأمن، بينما حصل قطاعا الصحة والحماية الاجتماعية مجتمعين على أقل من 10% من إجمالي الإنفاق. وفي عام 2025 وحده، أُغلق أكثر من 400 مركز صحي في أفغانستان بسبب نقص التمويل، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة كبيرة في الخدمات العامة.
استقرار اقتصادي بلا ازدهار
وقال محمد حسن حق يار، رئيس مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، في تصريحات نقلتها وكالة «إفي»، إن أفغانستان حققت «قدراً من الاستقرار الاقتصادي»، لكنه أقر بأن الازدهار الاقتصادي لم يتحقق بعد، مشيراً إلى استمرار ارتفاع معدلات البطالة والتراجع الكبير في المساعدات الدولية.
مشاريع ضخمة لإنعاش الاقتصاد
وفي مواجهة ضعف الاستثمار الأجنبي وانكماش الدعم الخارجي، تراهن طالبان على مشاريع بنية تحتية ضخمة لتغيير موقع أفغانستان الاقتصادي. ومن أبرز هذه المشاريع قناة قوش تيبه، التي تهدف إلى ري مئات الآلاف من الهكتارات الزراعية، إلى جانب خط أنابيب الغاز «تابي»، المصمم لنقل الغاز من تركمانستان إلى الهند مروراً بأفغانستان وباكستان.
أفغانستان تسعى للتحول إلى ممر تجاري
وبحسب ما أوردته وكالة «إفي»، تندرج هذه المشاريع ضمن استراتيجية تسعى إلى استغلال الموقع الجغرافي لأفغانستان كممر بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وزيادة الإنتاج الزراعي، وخلق مصادر دخل جديدة تقلل اعتماد البلاد على نموذج التمويل الخارجي الذي دعم الجمهورية السابقة قبل عودة طالبان.
إقصاء النساء يضغط على الاقتصاد
غير أن هذه الرهانات الاقتصادية تصطدم بعامل بالغ التأثير يتمثل في القيود المفروضة على النساء. فاستبعاد النساء من قطاعات واسعة من سوق العمل ومن التعليم العالي يقلص حجم القوى العاملة، ويضعف قدرة البلاد على إعداد كوادر مهنية في الطب والهندسة والتعليم والتقنية، وهي مجالات تعاني أصلاً من نقص حاد.
خسائر اقتصادية بسبب تهميش النساء
ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الإقصاء الاقتصادي للنساء سيكلف الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني نحو 920 مليون دولار بين عامي 2024 و2026. وهذه الخسارة، بحسب خبراء، لا تقتصر على أرقام الاقتصاد الكلي، بل تمتد إلى جودة الخدمات العامة وإنتاجية المجتمع وقدرة الدولة على تحقيق النمو.
التعليم الحديث أمام اختبار صعب
ونقلت وكالة «إفي» عن أمان فراهي، الخبير الاقتصادي الذي عمل سابقاً مع البنك الدولي ووزارة المالية الأفغانية قبل عودة طالبان، قوله إن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية لن تكون قادرة وحدها على تعويض التدهور إذا لم تستعد البلاد الاستثمار في التعليم الحديث.
وحذر من أن تفضيل التعليم الديني على التعليم العصري يراكم آثاراً سلبية عاماً بعد عام، مع تراجع أعداد الطبيبات والمهندسين وأصحاب التأهيل الفني المتخصص.
استقرار الدولة لا يعني تحسن حياة الأفغان
وبعد خمس سنوات من عودة طالبان إلى الحكم، تبدو التجربة الاقتصادية في أفغانستان قد أثبتت قدرة الدولة على البقاء بموارد خارجية أقل، لكنها لم تثبت قدرتها على تحقيق رفاه اقتصادي لسكان أكثر عدداً وأثقل ديوناً. وبين العزلة الدولية وتراجع المساعدات واستبعاد النساء من جزء كبير من الحياة الاقتصادية، يبقى الاستقرار المالي النسبي بعيداً عن التحول إلى استقرار معيشي يشعر به الأفغان في حياتهم اليومية.
اقرأ أيضاً
طبول الحرب في كابول.. الطيران الباكستاني يقصف العاصمة الأفغانية ويعلن مقتل 228 مقاتلاً!
رمزية الزي الأفغاني في الكرملين رسالة سيادة وتحدٍ دبلوماسي من كابول لموسكو

