وطن-في خطوة تكشف حجم الانقسام داخل دوائر صنع القرار في طهران، عيّن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي القائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة مهّدت لتوليه أمانة المجلس، أحد أبرز مراكز صناعة القرار الأمني والسياسي في الجمهورية الإسلامية.
استقالة ذو القدر تفجّر الخلافات
جاء تعيين رضائي بعد استقالة محمد باقر ذو القدر، الجنرال السابق في الحرس الثوري، من منصبه، وسط خلافات حادة بشأن مذكرة تفاهم توصل إليها مفاوضون إيرانيون مع الولايات المتحدة في أواخر يونيو، في محاولة لإنهاء أشهر من التصعيد بين طهران وواشنطن.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، كان المجلس الأعلى للأمن القومي قد أصدر بياناً يؤيد الاتفاق مع واشنطن بعد وقت قصير من التوصل إليه، وحمل البيان توقيع ذو القدر، الذي كان قد خلف علي لاريجاني، الشخصية المعتدلة التي دعمت التوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة قبل مقتله في ضربة أمريكية إسرائيلية في 17 مارس.
وتكمن أهمية موقف ذو القدر في أنه لم يكن يشغل منصب أمين المجلس فحسب، بل كان أيضاً ممثلاً للمرشد الأعلى داخله، وهو ما منحه حق التصويت، وجعل دعمه للاتفاق أكثر تأثيراً داخل المؤسسة الأمنية العليا.
الأصوليون يشنون هجوماً على الاتفاق
أثار موقف ذو القدر ارتباكاً داخل التيار الأصولي المتشدد، الذي لم يكن يتوقع دعماً واضحاً للاتفاق من شخصية ذات خلفية عسكرية محافظة.
وسرعان ما بدأت حملة انتقادات علنية ضده، وصلت إلى حد تداول اتهامات شخصية، بينها مزاعم تتعلق بإقامة نجله في النمسا.
وبعد أيام من صدور بيان المجلس، أصدر مجتبى خامنئي بياناً أكد فيه معارضته للاتفاق «من حيث المبدأ»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن المسؤولية عن القرار تقع على عاتق الذين تولوا التفاوض بشأنه.
وفُهم هذا الموقف، وفق الصحيفة البريطانية، على أنه تخلٍّ سياسي عن فريق التفاوض، الأمر الذي شجع التيار الأصولي على تصعيد هجومه على الاتفاق وعلى حكومة الرئيس مسعود بزشكيان وعلى المفاوضين، وكذلك على ذو القدر.
استقالة غير مألوفة في النظام الإيراني
ووفق مصادر محافظة نقلت عنها «ميدل إيست آي»، وجّه ذو القدر رسالة إلى خامنئي عبّر فيها عن استيائه من موقف المرشد، مشيراً إلى أن تفاصيل الاتفاق كانت قد عُرضت مسبقاً عليه، قبل أن يقدم استقالته.
وقبل خامنئي الاستقالة سريعاً، في خطوة اعتبرتها الصحيفة غير مألوفة، خصوصاً أن الاستقالة جاءت من مسؤول رفيع المستوى احتجاجاً بصورة مباشرة على موقف صادر عن رأس السلطة في إيران.
وفي المقابل، روّج الأصوليون لرواية تفيد بأن ذو القدر أُقيل بسبب دعمه موقف بزشكيان والاتفاق مع واشنطن. لكن مصادر محافظة قدّمت رواية مختلفة، قالت إن الرئيس الإيراني بذل جهوداً كبيرة لإقناع خامنئي بعدم قبول الاستقالة، رغبةً في الإبقاء على ذو القدر بسبب تقاربه مع مقاربة الحكومة الساعية إلى تسوية مع واشنطن.
محسن رضائي يدخل مركز القرار
بعد فشل مساعي بزشكيان، عيّن مجتبى خامنئي محسن رضائي ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يتولى رضائي لاحقاً أمانة المجلس بقرار من الرئيس الإيراني، رغم تردد بزشكيان في توقيع القرار حتى اللحظات الأخيرة.
ويحمل اختيار رضائي أبعاداً سياسية تتجاوز التغيير الإداري، إذ يأتي في وقت يحتدم فيه الصراع داخل النظام الإيراني بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وحدود التفاوض معها، وكيفية إدارة المرحلة التي أعقبت الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت شخصيات بارزة في المؤسسة الإيرانية.
ويرى مصدر أصولي نقلت عنه الصحيفة أن أمين المجلس لا يحتاج فقط إلى سلطة مؤسسية، بل إلى شخصية تتمتع بثقل سياسي وشبكة علاقات واسعة وقدرة على التواصل مع الإعلام والمجتمع، خصوصاً مع اتساع الملفات التي أصبح المجلس يتعامل معها.
شخصية عسكرية بخبرة سياسية طويلة
محسن رضائي، البالغ 71 عاماً، من أبرز الشخصيات التي ارتبطت بالمؤسسة العسكرية والأمنية والسياسية الإيرانية على مدى عقود.
وبعد الثورة الإيرانية عام 1979، شارك في تأسيس جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري، قبل أن يتولى قيادة الحرس وهو في السابعة والعشرين من عمره، ويستمر في المنصب 16 عاماً، بما في ذلك معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية.
كما ارتبط اسمه بملف الاتصالات السرية مع الولايات المتحدة خلال فضيحة «إيران كونترا» في ثمانينيات القرن الماضي، عندما حصلت إيران على أسلحة أمريكية في إطار اتصالات سرية مع إدارة الرئيس رونالد ريغان.
وبحسب رواية نقلتها الصحيفة عن الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، كان رضائي على علم بالاتصالات السرية، بل شجع استمرارها، قبل أن تتوسع الاتصالات وتصل إلى مستويات أعلى من التفاوض غير المعلن بين طهران وواشنطن.
من قيادة الحرس إلى السياسة والاقتصاد
لم يبق رضائي في الإطار العسكري، إذ اتجه لاحقاً إلى العمل السياسي والإداري، ودرس الاقتصاد في جامعة طهران، كما تولى أدواراً داخل مجمع تشخيص مصلحة النظام، حيث ركز على ملفات الاقتصاد الكلي والتخطيط والسياسات العامة.
وخاض رضائي عدة انتخابات رئاسية، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الرئاسة. وفي سبتمبر 2021، عيّنه الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي نائباً للرئيس للشؤون الاقتصادية، وأميناً للمجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي بين رؤساء السلطات الثلاث.
واستقال من منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية في يونيو 2023، لكنه بقي أميناً لمجلس التنسيق الاقتصادي، محافظاً بذلك على موقع قريب من دوائر القرار العليا.
هل رضائي متشدد أم براغماتي؟
رغم خطابه المتشدد في عدد من القضايا، تصفه مصادر سياسية بأنه «براغماتي متشدد»، وهي صفة قد تفسر اختياره في هذه المرحلة الحساسة.
وفي تصريحات سابقة، شكك رضائي في جدوى بعض التحركات الأمريكية، واعتبر أن الضغوط والحصار لا يمكن أن تغير موقف إيران التفاوضي. كما أبدى تحفظاً على تمديد وقف إطلاق النار، مؤكداً أن أي تمديد يجب أن يرتبط بالتوصل إلى اتفاق نهائي وضمان حقوق إيران.
وفي يوليو، دعا المعارضين للمفاوضات إلى الانتظار، معتبراً أن الأمريكيين أنفسهم قد يتسببون في إفشال المحادثات.
لكن مصدراً سياسياً مطلعاً على تفكير رضائي قال لـ«ميدل إيست آي» إن مواقفه الشخصية قد تكون أكثر براغماتية مما توحي به تصريحاته العلنية، وإنه كان يميل إلى إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة وإنهاء الصراع، لكنه اضطر إلى تعديل خطابه وفقاً لموازين القوى داخل النظام.
اختبار جديد لحكومة بزشكيان
ويضع تعيين محسن رضائي على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي حكومة مسعود بزشكيان أمام اختبار سياسي جديد، في وقت تتنافس فيه داخل إيران رؤيتان رئيسيتان: الأولى تسعى إلى إبقاء باب التفاوض مع واشنطن مفتوحاً، والثانية ترى في أي اتفاق تنازلاً قد يضعف موقع إيران السياسي والأمني.
ويبدو أن اختيار رضائي يعكس محاولة لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل النظام، وملء الفراغ الذي خلفته عمليات استهداف شخصيات بارزة في منظومة صنع القرار.
وخلال الأسابيع المقبلة، سيكون موقف رضائي من المفاوضات مع واشنطن مؤشراً مهماً على طبيعة المرحلة الجديدة: هل سيحافظ على خطابه المتشدد، أم سيظهر الجانب البراغماتي الذي تتحدث عنه بعض المصادر السياسية؟
في الحالتين، يكشف صعود رضائي إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي أن الصراع داخل طهران لم يعد يدور فقط حول شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، بل أيضاً حول الجهة التي ستملك الكلمة الأثقل في تحديد مستقبل السياسة الأمنية والدبلوماسية الإيرانية.
اقرأ المزيد
خلافات إيران الداخلية تتسع بين تيار التفاوض والمحافظين المتشددين
تقرير: الولايات المتحدة تستنزف ترسانتها من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى في الحرب ضد إيران
إيران تنفي التفاوض مع واشنطن وتؤكد: لا مفاوضات مع واشنطن.. ومضيق هرمز يبقى ورقة الضغط الكبرى

