وطن-في الذكرى الأولى لمقتل مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف في غزة، ظهر مشروع رقمي جديد يحمل اسم «السجل الحي»، يهدف إلى إعادة سرد حكايات الصحفيين الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب، بعيداً عن الاكتفاء بالأرقام والبيانات الرسمية والروايات التي طغت على جزء كبير من التغطية الإعلامية الغربية.
ويأتي المشروع في وقت لا تزال فيه قضية استهداف الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة تثير جدلاً واسعاً، وسط اتهامات لإسرائيل بقتل صحفيين أثناء أداء عملهم، مقابل تأكيد إسرائيل في عدد من الحالات أن بعض الصحفيين الذين استهدفتهم كانوا مرتبطين بحركة حماس، وهي اتهامات تقول منظمات صحفية وحقوقية إنها لم تكن مدعومة دائماً بأدلة علنية كافية.
«السجل الحي».. ذاكرة الصحفيين الفلسطينيين
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن إطلاق «السجل الحي» جاء بعد عام من مقتل أنس الشريف، الصحفي الفلسطيني البالغ من العمر 28 عاماً، والذي أثار مقتله موجة واسعة من الغضب في الأوساط الصحفية والحقوقية.
ويركز المشروع على تقديم الصحفيين الفلسطينيين القتلى بوصفهم أشخاصاً لهم حياة وذكريات وعلاقات، وليس مجرد أسماء تضاف إلى قوائم الضحايا.
وانطلق الموقع بتسجيلات وشهادات عن 50 صحفياً، على أن تتوسع قاعدة البيانات بإضافة عشرات القصص الأخرى خلال الفترة المقبلة.
وتقف مبادرة «كتّاب ضد الحرب على غزة» خلف المشروع، في محاولة لإعادة بناء ذاكرة الصحافة الفلسطينية من خلال شهادات زملاء الصحفيين الذين عملوا معهم وعاشوا معهم تفاصيل الحرب والحصار والقصف.
ما وراء أرقام الضحايا
يرى القائمون على المشروع أن التحدي لا يتعلق فقط بتوثيق عدد الصحفيين الذين قتلوا، وإنما باستعادة قصصهم الإنسانية التي تختفي عندما تتحول التغطية الإعلامية إلى أرقام وإحصاءات.
وقال عضو في المجموعة التحريرية للمشروع، طلب عدم الكشف عن هويته، إن «السجل الحي» يمثل، وفق وصفه، سجلاً لفشل الإعلام السائد والإعلام الغربي والمؤسسات الدولية في حماية أشخاص يفترض أن يحميهم القانون الدولي.
ويحاول المشروع تقديم الصحفيين من زاوية مختلفة، من خلال شهادات زملائهم وأصدقائهم، الذين يتحدثون عن عاداتهم اليومية وشخصياتهم وأحلامهم وتفاصيل حياتهم بعيداً عن لغة البيانات الرسمية.
شهادات شخصية من قلب غزة
وبحسب «ميدل إيست آي»، أراد القائمون على المشروع الابتعاد عن الصورة النمطية التي يظهر فيها الصحفي الفلسطيني خلال الحرب باعتباره شخصاً صامداً دائماً ولا يتأثر بالخوف أو الإرهاق.
وتتضمن المنصة رسائل صوتية وشهادات لصحفيين يتحدثون عن زملائهم بطريقة شخصية وقريبة، فيما يبدو أحياناً كما لو أن المستمع يستمع إلى حديث خاص بين أصدقاء.
ويعيد هذا الأسلوب للصحفيين القتلى أصواتهم وملامحهم الإنسانية، بعدما تحولت أسماؤهم في كثير من الأحيان إلى أرقام أو عناوين مرتبطة باتهامات سياسية وأمنية.
خلاف حول أعداد الصحفيين القتلى
وتبقى أعداد الصحفيين والعاملين في الإعلام الذين قتلوا في غزة موضع خلاف بين المؤسسات المختلفة. وبحسب نقابة الصحفيين الفلسطينيين، قُتل ما لا يقل عن 270 عاملاً في مجال الإعلام في غزة، بينما تعتمد لجنة حماية الصحفيين رقماً أقل.
وأثارت اللجنة في يونيو انتقادات بعد إعلانها إجراء مراجعة شاملة لقائمة الصحفيين الذين قتلوا خلال الحرب، عقب ظهور معلومات ربطت بعض الأسماء المدرجة في قائمتها بفصائل فلسطينية مسلحة.
وأدت المراجعة إلى إزالة 20 صحفياً فلسطينياً من القائمة، ليصل عدد القتلى المسجلين لدى اللجنة إلى 209 صحفيين، وفق ما أوردته «ميدل إيست آي».
وأكدت لجنة حماية الصحفيين أنها لم تغير منهجيتها المعتمدة في النزاعات حول العالم، وأنها تواصل تطبيق المعايير نفسها عند تصنيف الصحفيين الذين يقتلون أثناء الحروب.
من يملك تعريف الصحفي؟
يرى القائمون على «السجل الحي» أن الحرب على غزة أعادت فتح نقاش أوسع حول مفهوم الصحفي نفسه، خصوصاً مع تغير طبيعة العمل الإعلامي وانتشار الصحافة المستقلة وصنّاع المحتوى.
وبحسب المبادرة، لا يسعى المشروع إلى الوصول إلى رقم نهائي ثابت، بل إلى إنشاء أرشيف مفتوح يمكن توسيعه مع مرور الوقت ليشمل المزيد من الصحفيين، وربما يمتد مستقبلاً إلى مناطق أخرى مثل جنوب لبنان.
وهكذا يتحول المشروع من مجرد قائمة أسماء إلى أرشيف متحرك للصحافة الفلسطينية في زمن الحرب.
انتقادات للتغطية الإعلامية الغربية
وظهرت مبادرة «كتّاب ضد الحرب على غزة» في الأسابيع التي أعقبت اندلاع الحرب بعد هجمات السابع من أكتوبر 2023، ونظمت احتجاجات أمام صحيفة «نيويورك تايمز» وفي بعض الأحيان داخل مبناها في مانهاتن.
وتنتقد المبادرة ما تعتبره انحيازاً أو ازدواجية في التغطية الإعلامية للحرب على غزة، كما تصدر مطبوعة تحمل اسم «جرائم حرب نيويورك»، تنتقد من خلالها أداء الصحيفة الأمريكية في تغطية الحرب.
ويرى ناشطون ومنظمات حقوقية أن بعض وسائل الإعلام الغربية أخفقت في تقديم تغطية متوازنة للحرب، خصوصاً عند تناول مقتل الصحفيين الفلسطينيين، حيث تُذكر أحياناً الاتهامات الإسرائيلية بالارتباط بحماس في مقدمة الخبر، حتى عندما لا تُعرض أدلة علنية كافية لدعم تلك الاتهامات.
أنس الشريف.. الصحفي الذي أصبح رمزاً
في مساء 10 أغسطس 2025، قُتل مراسل قناة الجزيرة أنس الشريف إلى جانب زميله محمد قريقع وعدد من الصحفيين، إثر استهداف خيمتهم بالقرب من مستشفى الشفاء في مدينة غزة، وفق ما أعلنت شبكة الجزيرة.
وكان الشريف من أبرز الوجوه الصحفية التي نقلت تطورات الحرب من داخل القطاع، وظل يظهر في تقارير مباشرة رغم استمرار القصف والعمليات العسكرية.
وقبل مقتله بوقت قصير، نشر مقطع فيديو عبر منصة «إكس» تحدث فيه عن قصف إسرائيلي عنيف استهدف مناطق في مدينة غزة.
وفي أعقاب مقتله، قال الجيش الإسرائيلي إن الشريف كان يشغل منصباً قيادياً في خلية تابعة لحماس، وهي رواية رفضها الشريف قبل مقتله، كما أثارت انتقادات من مؤسسات صحفية وحقوقية طالبت بتقديم أدلة واضحة على هذه الاتهامات.
رسالة أنس الشريف الأخيرة
قبل أشهر من مقتله، أعد أنس الشريف رسالة أوصى بنشرها في حال وفاته، تحدث فيها عن الألم والفقد وتجربته في نقل ما كان يراه من قلب غزة.
وأكد في رسالته تمسكه بنقل الحقيقة، قبل أن يوجه نداءً إلى العالم من أجل فلسطين وأطفال غزة. وكان من أبرز ما حملته الرسالة دعوة إلى عدم السماح للخوف والقيود بإسكات الأصوات التي تنقل ما يحدث في القطاع.
وبعد مقتله، تحولت الرسالة إلى جزء من إرثه الصحفي، وأصبحت واحدة من أكثر المواد ارتباطاً بذكراه وبالنقاش حول مصير الصحفيين الفلسطينيين الذين واصلوا العمل رغم المخاطر.
«السجل الحي» في مواجهة النسيان
لا يقدم «السجل الحي» نفسه بوصفه مجرد أرشيف للقتلى، بل كمحاولة لإعادة بناء الذاكرة الإنسانية للصحافة الفلسطينية خلال الحرب. فوراء كل اسم صحفي قصة شخصية، ووراء كل صورة مهنة وعائلة وأصدقاء وأحلام ومخاوف، وهي تفاصيل قد تختفي عندما تختزل الحرب في أعداد الضحايا.
ومن خلال شهادات زملائهم، يسعى المشروع إلى إعادة هؤلاء الصحفيين إلى المشهد باعتبارهم أشخاصاً عاشوا وعملوا وواجهوا الخطر، قبل أن يصبحوا جزءاً من قوائم القتلى.
وفي هذا السياق، يعيد «السجل الحي» طرح سؤال بالغ الأهمية: من يملك حق تعريف الصحفي بعد مقتله، ومن يملك حق رواية قصته؟
بالنسبة للقائمين على المشروع، تبدأ الإجابة من الأشخاص الذين عرفوا هؤلاء الصحفيين عن قرب، وعملوا معهم تحت القصف، وشاركوا معهم الخوف والإرهاق واللحظات الإنسانية اليومية.
وهكذا يتحول توثيق الصحفيين القتلى في غزة من مجرد إحصاء للضحايا إلى معركة على الذاكرة والرواية، في محاولة لمنع اختزال حياتهم في أرقام، وللحفاظ على قصصهم حية في ذاكرة الجمهور.
اقرأ المزيد
جدل داخل لجنة حماية الصحفيين بعد استبعاد أسماء فلسطينيين من حصيلة قتلى غزة
اعتقال 225 ناشطاً وحظر صحف معارضة.. الوجه الآخر لقمة الناتو المشحونة في العاصمة التركية

