وطن-في وقت تبحث فيه الحكومة المصرية عن أدوات جديدة لتمويل احتياجات الدولة وخفض كلفة الاقتراض، تعود إلى الواجهة فكرة الصكوك الضريبية، وهي أداة تسمح للممولين بالاكتتاب في صكوك يمكن استخدامها لاحقاً في تسوية الضرائب المستحقة، وهو ما يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود الاعتماد على الإيرادات المستقبلية في مواجهة الضغوط المالية الحالية.
وتكتسب الخطوة حساسية سياسية واقتصادية بسبب تشابهها، من زاوية تقديم موارد مستقبلية للحصول على سيولة حالية، مع أدوات مالية عرفتها مصر في مراحل تاريخية سابقة، خصوصاً خلال أزمات الخزانة في عصر المماليك وفي عهد الخديوي إسماعيل.
لكن المقارنة التاريخية تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالأداة الحالية لها إطار قانوني حديث، وليست ببساطة إعادة إنتاج لنظام الالتزام أو لقانون المقابلة الذي عرفته مصر في القرن التاسع عشر.
الصكوك الضريبية.. ماذا تعني؟
المادة 115 من قانون الضريبة على الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005 تنص بالفعل على إمكانية إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون، وتحمل عائداً معفياً من الضرائب يحدده وزير المالية، على أن تكون للصكوك والعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.
وهذا يعني أن الحديث عن الصكوك الضريبية لا يتعلق، من الناحية القانونية، باختراع أداة جديدة تماماً في عام 2026؛ فالأساس التشريعي موجود منذ سنوات.
وفي الوقت نفسه، تشهد مصر توسعاً فعلياً في استخدام الصكوك السيادية كأداة لتمويل الدولة. فقد أعلنت وزارة المالية برنامجاً عاماً للإصدارات المحلية بقيمة تصل إلى 200 مليار جنيه، وطرحت في يونيو 2026 صكوكاً سيادية لأجل ثلاث سنوات.
كما وقعت مصلحة الضرائب المصرية في مارس 2026 مذكرة تفاهم لتنظيم المعاملة الضريبية لعوائد الصكوك السيادية للمستثمرين غير المقيمين، مؤكدة أن الحكومة تتوسع في استخدام هذه الأدوات لجذب شرائح جديدة من المستثمرين.
هل تبيع الدولة ضرائب المستقبل؟
جوهر الجدل هنا هو تقديم سيولة للدولة في الوقت الحالي مقابل حقوق مالية مرتبطة بالتزامات ضريبية مستقبلية. ومن هذه الزاوية، تبدو الأداة جذابة للحكومة إذا كانت بحاجة إلى موارد عاجلة، لأنها تتيح تحويل جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى قيمة مالية يمكن استخدامها في الحاضر.
لكن هذه الآلية تطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: هل تؤدي إلى حل المشكلة المالية، أم أنها تؤجل جزءاً من المشكلة إلى المستقبل؟
فإذا استخدمت الدولة هذه الأداة بصورة محدودة ومدروسة، يمكن أن تكون وسيلة لإدارة السيولة. أما إذا تحولت إلى اعتماد متكرر على إيرادات لم تتحقق بعد، فقد يصبح أثرها مختلفاً، خصوصاً في ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين.
من المماليك إلى الخديوي إسماعيل
يقدم التاريخ المصري نماذج مختلفة لاستخدام موارد مستقبلية للحصول على سيولة عاجلة. ففي عهد المماليك، عُرف نظام الالتزام، الذي ارتبط بجباية الضرائب مقابل التزامات مالية تجاه الخزانة، في سياق كان يعكس حاجة الدولة إلى موارد سريعة.
ثم جاءت أزمة مالية أكثر تعقيداً في عهد الخديوي إسماعيل خلال القرن التاسع عشر، مع تصاعد الإنفاق والاقتراض وتراكم الديون.
وفي عام 1871 صدر قانون المقابلة، الذي ألزم أصحاب الأراضي بدفع ضريبة مقدماً لسنوات، مقابل إعفائهم لاحقاً من جزء من الضريبة.
وهنا تظهر نقطة التشابه التي تستحق التوقف عندها: الحصول على موارد مالية في الحاضر مقابل تخفيف أو تسوية التزامات ضريبية في المستقبل. لكن الفارق بين التجارب التاريخية والأداة القانونية الحديثة مهم، ولا يصح التعامل معها باعتبارها الأداة نفسها.
أزمة الخديوي إسماعيل كانت أعمق من الضرائب
لم تكن أزمة عهد الخديوي إسماعيل مجرد مشكلة نقص في الإيرادات، بل ارتبطت بتوسع كبير في الإنفاق والاقتراض، وبشروط الدائنين والتدخل الأوروبي المتزايد في الشأن المالي المصري.
ومع تراكم الديون، تحولت الأزمة المالية تدريجياً إلى مدخل لتوسيع الرقابة الأجنبية على المالية المصرية، وصولاً إلى ترتيبات أكثر مباشرة للسيطرة على الموارد والإدارة المالية.
لذلك، فإن استحضار تلك المرحلة اليوم لا يعني أن التاريخ يتكرر حرفياً، وإنما يطرح سؤالاً حول مخاطر معالجة أزمة الدين بأدوات قصيرة الأجل دون معالجة جذور المشكلة المالية.
مصر تبحث عن أدوات تمويل جديدة
في مصر اليوم، لا تقتصر سياسة التمويل على الضرائب أو الاقتراض التقليدي. فالحكومة تعمل على تنويع أدوات الدين، ومن بينها الصكوك السيادية، التي أصبحت بالفعل جزءاً من برنامج التمويل الحكومي. وفي يونيو 2026 طرحت وزارة المالية إصداراً جديداً من الصكوك السيادية، كما أشارت البيانات الرسمية إلى التوسع في هذا النوع من التمويل.
كما تؤكد الحكومة أنها تعمل على زيادة الإيرادات الضريبية وتحسين إدارة المالية العامة، مع الحديث عن تحقيق فوائض أولية وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
وبالتالي، فإن الصورة المالية المصرية لا يمكن اختزالها في أداة واحدة، سواء كانت صكوكاً ضريبية أو صكوكاً سيادية أو سندات وأذون خزانة.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة الحقيقية ليست بالضرورة في استخدام أداة مالية جديدة، وإنما في كيفية استخدامها وحجم الاعتماد عليها. فأي حكومة يمكنها الحصول على سيولة من خلال أدوات تمويل مختلفة، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ونمو كافيين لخدمة الالتزامات الناتجة عن هذه الأدوات. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع الدولة الحصول على المال اليوم؟ بل: هل ستتمكن من تحمل كلفته غداً؟
وهنا تحديداً تصبح المقارنة مع التاريخ مفيدة؛ ليس لأنها تثبت أن مصر تعيد تجربة الخديوي إسماعيل، وإنما لأنها تذكر بأن الأزمات المالية لا تُحل بمجرد نقل العبء من الحاضر إلى المستقبل.
بين الحاجة إلى السيولة وخطر تأجيل الأزمة
تحتاج الدولة إلى السيولة لتمويل الإنفاق العام وسداد الالتزامات والحفاظ على استقرار المالية العامة، ولذلك فإن استخدام أدوات تمويل متنوعة ليس أمراً استثنائياً في حد ذاته. لكن نجاح أي أداة يعتمد على وجود إدارة منضبطة للدين، وزيادة حقيقية في الإنتاج والإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق.
أما إذا أصبح التمويل المستقبلي هو الحل المتكرر لعجز الحاضر، فقد تتحول الأداة من وسيلة لإدارة الأزمة إلى وسيلة لتأجيلها.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه على السياسة المالية المصرية: هل تمثل الصكوك الضريبية أداة مؤقتة لإدارة السيولة، أم بداية لاعتماد أكبر على إيرادات لم تدخل الخزانة بعد؟ في الحقيقة، الإجابة لن تحددها الصكوك وحدها، وإنما ما ستفعله الدولة بالأموال التي تحصل عليها اليوم، ومدى قدرتها على بناء اقتصاد يولد موارد حقيقية تكفي لسداد التزامات الغد.
اقرأ أيضاً
من السيسي إلى مصطفى بكري.. لماذا يخاف النظام المصري من عودة الشارع؟ “الفوضى” في مواجهة الاحتجاج
“ما حدش يقدر يعمل كده تاني”.. كيف أعاد السيسي كشف الدوافع الحقيقية وراء بناء العاصمة الإدارية؟
ظهور آية السيسي ووالدتها يشعل الجدل.. إطلالات فاخرة تعيد النقاش حول الأزمة الاقتصادية في مصر

