وطن-عادت ليبيا إلى واجهة التوتر الأمني والسياسي بعد سلسلة أحداث متزامنة كشفت هشاشة الاستقرار في البلاد، بدأت باغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري بتفجير سيارة مفخخة في بنغازي، بالتزامن مع هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مصفاة الزاوية النفطية، قبل أن يتسع المشهد مع تداول رسالة منسوبة إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بشأن رغبته في مغادرة منصبه.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني انقساماً سياسياً ومؤسساتياً بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وإدارة موازية في الشرق مدعومة من قوات خليفة حفتر، ما يجعل أي تصعيد أمني أو اضطراب في المؤسسات السيادية قابلاً للتأثير سريعاً في المشهد الوطني.
اغتيال يهز بنغازي
قُتل فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات المسيطرة على شرق ليبيا، مساء الاثنين أثناء مغادرته أحد المساجد في بنغازي، إثر انفجار عبوة ناسفة كانت مثبتة في سيارته، وفق ما أعلنه الجيش الوطني الليبي.
وقال خالد حفتر إن السلطات فتحت تحقيقاً في الحادث، مشيراً إلى أن المؤشرات الأولية تتجه نحو عمل إرهابي، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الاغتيال حتى الآن.
ويرى محللون أن العملية تحمل دلالات تتجاوز استهداف شخصية أمنية، خصوصاً أنها وقعت في مدينة تمثل مركزاً رئيسياً لنفوذ قوات خليفة حفتر.
ضربة لصورة الاستقرار في الشرق
لطالما حاولت القوى المسيطرة على شرق ليبيا تقديم المنطقة باعتبارها أكثر استقراراً من المناطق الغربية، مع التركيز على قدرة الأجهزة الأمنية والعسكرية على فرض السيطرة.
لكن اغتيال مسؤول استخباراتي بارز داخل بنغازي يعيد طرح أسئلة حول مستوى الاختراق الأمني وقدرة الأجهزة على منع عمليات من هذا النوع.
ونقلت صحيفة «ميدل إيست آي» عن محلل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «فيريسك مابلكروفت» أن العملية تمثل تذكيراً بأن الوضع الأمني في شرق ليبيا لا يزال هشاً، رغم سيطرة قوات خليفة حفتر على المنطقة.
مصفاة الزاوية تحت هجوم متكرر
وفي الجهة الأخرى من البلاد، كانت فرق الطوارئ تحاول السيطرة على حريق ضخم اندلع داخل مصفاة الزاوية غرب طرابلس، بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة.
وبحسب المؤسسة الوطنية للنفط، أصابت الطائرة المسيرة خزاناً يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من الوقود، ما أدى إلى اشتعال النيران وانهيار الخزان لاحقاً.
وتحدثت تقارير عن أن المنشأة تعرضت لهجمات متكررة خلال فترة قصيرة، ما أثار مخاوف بشأن سلامة واحدة من أهم منشآت الطاقة في البلاد.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمصفاة نحو 120 ألف برميل يومياً، ما يجعل أي توقف أو اضطراب في عملياتها ذا انعكاسات مباشرة على سوق الوقود والخدمات داخل ليبيا.
النفط يتحول إلى ورقة ضغط
لا تكمن خطورة استهداف مصفاة الزاوية في الأضرار المادية فقط، فليبيا تعتمد بدرجة كبيرة على قطاع النفط والغاز لتمويل اقتصادها. ولهذا أصبحت منشآت الطاقة خلال سنوات الصراع الليبي هدفاً حساساً في المواجهات بين القوى المتنافسة.
ويرى محللون أن استهداف البنية التحتية النفطية يمكن أن يتحول إلى وسيلة ضغط على الحكومات، خصوصاً عندما تستخدم الأطراف المسلحة المنشآت الحيوية لإجبار السلطات على تقديم تنازلات أو الاستجابة لمطالب سياسية وأمنية.
اهتزاز جديد داخل مصرف ليبيا المركزي
لم يتوقف التصعيد عند الجانب الأمني. فقد أثارت رسالة متداولة ومنسوبة إلى محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى جدلاً واسعاً، بعدما تحدثت عن رغبته في عدم الاستمرار في منصبه.
ولم تتضح بشكل نهائي ملابسات الرسالة أو دوافع القرار، لكن توقيتها يكتسب أهمية كبيرة بسبب الدور المحوري الذي يؤديه مصرف ليبيا المركزي في إدارة عائدات النفط والإنفاق العام والسياسة النقدية وسعر الصرف.
وأي اضطراب في قيادة المصرف قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة الاقتصادية والسياسية الليبية.
ثلاثة أحداث في وقت واحد
اغتيال مسؤول استخباراتي في بنغازي، واستهداف منشأة نفطية استراتيجية في الزاوية، ثم اهتزاز موقع محافظ المصرف المركزي، كلها أحداث وقعت في فترة زمنية قصيرة.
ويرى محللون أن اجتماع هذه التطورات في وقت واحد يكشف حجم هشاشة المشهد الليبي، حيث يمكن لحدث أمني في الشرق أن يتزامن مع أزمة عسكرية في الغرب واضطراب داخل إحدى أهم المؤسسات السيادية.
وبحسب تقييمات نقلتها «ميدل إيست آي»، فإن اجتماع هذه التطورات خلال نحو 24 ساعة يعكس سرعة تدهور الوضع السياسي والأمني في ليبيا.
أزمة الكهرباء تزيد الغضب الشعبي
وتأتي هذه الأحداث في وقت تواجه فيه ليبيا أزمة متواصلة في الكهرباء والخدمات الأساسية. وشهدت مدن عدة، بينها طرابلس والزاوية ومصراتة، احتجاجات على انقطاع الكهرباء وتردي الخدمات، مع ارتفاع الأصوات المطالبة باستقالة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة.
ويزيد تراجع الخدمات من الضغوط على الحكومة، في وقت يعاني فيه المواطن الليبي من المفارقة بين امتلاك البلاد موارد نفطية ضخمة وبين استمرار أزمات الكهرباء والوقود والخدمات العامة.
ليبيا أمام اختبار جديد
تكشف التطورات الأخيرة أن تراجع مستوى الحرب الشاملة في ليبيا لم يعنِ انتهاء عوامل عدم الاستقرار. فالانقسام السياسي لا يزال قائماً، والقوى المسلحة تحتفظ بنفوذ واسع، والمنشآت النفطية تبقى عرضة للاستهداف، بينما تواجه المؤسسات السيادية ضغوطاً متزايدة.
وبين اغتيال في بنغازي، وهجوم على مصفاة الزاوية، واضطراب داخل مصرف ليبيا المركزي، تبدو ليبيا أمام مرحلة جديدة من التوتر قد تعيد اختبار قدرة المؤسسات المنقسمة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
اقرأ المزيد
ليبيا تشتعل من جديد.. قتلى وفرار جماعي من السجن ومخاوف على أكبر مصفاة نفط في البلاد
كواليس “صفقة واشنطن”.. ماركو روبيو يستقبل صدام حفتر لبحث توحيد ليبيا وتثبيت قطار انتخابات 2027

