وطن-بينما كانت كولومبيا تستفيق على واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي ضربتها، كانت بوغوتا تفتح في الوقت نفسه صفحة جديدة في سياستها الخارجية. في الأثناء، هز زلزال بقوة 7.4 درجات مناطق واسعة من البلاد، مخلفاً أكثر من مئة قتيل وعشرات المصابين، ومسبباً أضراراً كبيرة في المنازل والمباني والبنية التحتية.
وبينما كانت فرق الإنقاذ تبحث بين الأنقاض عن ناجين، برز إلى الواجهة قرار سياسي شديد الحساسية يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل والجولان السوري المحتل.
لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لم يكن فقط: ماذا قررت كولومبيا؟ بل كان: لماذا اختارت هذا التوقيت؟
من القطيعة إلى التقارب
يبدو التحول أكثر وضوحاً عند مقارنة السياسة الجديدة بموقف الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو. ففي مايو/أيار 2024، قطعت كولومبيا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل احتجاجاً على الحرب في قطاع غزة، لتصبح بوغوتا واحدة من أبرز العواصم في أمريكا اللاتينية التي اتخذت موقفاً دبلوماسياً حاداً تجاه تل أبيب. لكن وصول الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييّا فتح الباب أمام تغيير كبير في الاتجاه.
فبعد أيام قليلة من توليه منصبه، بدأت مؤشرات التقارب مع إسرائيل بالظهور، من خلال استقبال وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر، والحديث عن إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، واستئناف التعاون التجاري. ولم يتوقف الأمر عند إعادة العلاقات.
القدس والجولان في قلب التحول
ارتبطت الخطوة الأكثر إثارة للجدل بالقدس والجولان. فبحسب ما يروّج له الخطاب السياسي الجديد، يجري بحث تعزيز العلاقات مع إسرائيل إلى مستوى أكثر عمقاً، بما في ذلك مسألة نقل السفارة الكولومبية إلى القدس. ثم جاءت القضية الأكثر حساسية: الجولان السوري المحتل.
تحتل هضبة الجولان إسرائيل معظمها منذ عام 1967، وأعلنت ضمها عام 1981، في خطوة رفضها مجلس الأمن الدولي واعتبرها باطلة ولاغية ولا أثر قانونياً لها. ومع ذلك، اعترفت الولايات المتحدة في عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، في قرار خالف الموقف الدولي السائد.
واليوم، يثير أي موقف كولومبي مماثل جدلاً واسعاً، لأنه يمثل تحولاً كبيراً مقارنة بسياسة الحكومة السابقة تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
السؤال الأصعب: لماذا الآن؟
هنا تتقاطع السياسة مع التوقيت. فكولومبيا لم تكن تمر بظرف عادي عندما ظهرت هذه التطورات. كما كانت البلاد في مواجهة كارثة إنسانية واسعة، مع قتلى وجرحى ومبانٍ متضررة وعمليات إنقاذ مستمرة في المناطق الأكثر تضرراً. ولهذا أصبح التوقيت نفسه جزءاً من النقاش السياسي والإعلامي.
لكن من المهم الفصل بين تزامن الأحداث وبين القول إن الزلزال كان سبباً مباشراً في اتخاذ القرار السياسي، إذ لا يكفي التزامن الزمني وحده لإثبات وجود علاقة سببية بين الكارثة الطبيعية والتحول الدبلوماسي.
بيترو يخرج.. ودي لا إسبرييّا يعيد رسم المسار
المؤكد سياسياً أن كولومبيا دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي ميزت عهد بيترو. فمن القطيعة الدبلوماسية والانتقادات العلنية لإسرائيل، انتقلت الحكومة الجديدة إلى الحديث عن إعادة العلاقات، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني، وبناء شراكة جديدة مع تل أبيب.
وهذا التحول لا يتعلق بإسرائيل وحدها. فالرئيس الجديد يبدو أمام محاولة لإعادة تعريف موقع كولومبيا في السياسة الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع القوى الغربية والحلفاء التقليديين للولايات المتحدة.
ماذا يعني ذلك للمنطقة؟
إذا تأكدت الخطوات المتعلقة بالقدس والجولان، فإنها ستكون ذات دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية بين بوغوتا وتل أبيب. فأمريكا اللاتينية لطالما كانت ساحة مهمة للمواقف الدولية من القضية الفلسطينية، كما أن عدداً من دول المنطقة اتخذ مواقف مختلفة تجاه إسرائيل خلال الحرب على غزة.
ومن ثم، فإن انتقال كولومبيا من سياسة المواجهة الدبلوماسية مع إسرائيل إلى سياسة التقارب معها قد يمثل تحولاً مهماً في مواقف واحدة من أكبر دول أمريكا اللاتينية.
زلزالان.. أحدهما طبيعي والآخر سياسي
في كولومبيا، كان هناك زلزال حقيقي تحت الأرض. لكن على المستوى السياسي، ظهرت أيضاً هزة أخرى: تغيير واضح في بوصلة السياسة الخارجية. فالأول خلّف ضحايا ودماراً وفرق إنقاذ تبحث عن ناجين. أما الثاني، فيتمثل في انتقال بوغوتا من مرحلة القطيعة مع إسرائيل إلى مرحلة التقارب معها. وبينما كانت فرق الإنقاذ تحفر بين الأنقاض، كان المشهد السياسي يتغير أيضاً.
لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً ليس فقط لماذا اختارت كولومبيا التقارب مع إسرائيل، ولا حتى لماذا أعادت ملف الجولان إلى الواجهة.
اقرأ أيضاً
زلزال مدمر يهز كولومبيا.. أكثر من 100 قتيل ودمار واسع في عدة أقاليم
زلزال مدمر في اليابان وإعصار عنيف يضرب أمريكا.. يوم من الكوارث يهز العالم
زلزال بقوة 7.4 درجات يضرب جنوب المكسيك وتحذير من تسونامي محتمل
معجزة الطابق الثامن.. نجاة أم ورضيعها البالغ 18 يوماً من تحت أنقاض زلزال فنزويلا المدمر

