وطن-يُعد الإمساك الوظيفي من أكثر اضطرابات الجهاز الهضمي شيوعاً لدى البالغين، خصوصاً مع التقدم في العمر. وقد يظهر في صورة قلة عدد مرات التبرز، أو صعوبة إخراج البراز، أو صلابته، أو الحاجة إلى بذل جهد كبير أثناء التبرز، إضافة إلى الشعور بعدم اكتمال إفراغ الأمعاء.
ومع استمرار هذه الأعراض، يبحث كثيرون عن وسائل طبيعية تساعد على تحسين حركة الأمعاء وتخفيف الإمساك بعيداً عن الاستخدام المتكرر للملينات الدوائية.
ومن بين الخيارات التي حظيت باهتمام واسع بذور الكتان المنقوعة في الماء، وهي طريقة شائعة تقوم على ترك البذور في الماء لعدة ساعات، وغالباً طوال الليل، ثم تناول الخليط في الصباح.
لكن هل تمتلك هذه الطريقة فعلاً أساساً علمياً؟ وهل يمكن أن تساعد بذور الكتان في تخفيف الإمساك؟
بذور الكتان والإمساك.. ماذا تقول الأدلة؟
بذور الكتان، المعروفة علمياً باسم Linum usitatissimum، غنية بالألياف الغذائية، كما تحتوي على مركبات هلامية تُعرف باسم الميوسيلاج، إلى جانب أحماض أوميغا 3 النباتية ومركبات الليغنان.
وتُعد الألياف والمركبات الهلامية من أهم العناصر التي قد تفسر تأثير بذور الكتان في تخفيف الإمساك.
فعندما تتعرض البذور للماء، تتشكل حولها مادة هلامية لزجة يمكن أن تساعد على زيادة محتوى الماء في البراز وتحسين قوامه، الأمر الذي يجعل مروره عبر الأمعاء أسهل.
وهذا يعني أن بذور الكتان تعمل بصورة مختلفة عن الملينات المنبهة؛ فهي لا تعتمد أساساً على تحفيز الأمعاء بشكل مباشر، وإنما تساعد على زيادة حجم البراز وتليينه.
لماذا تتحول بذور الكتان إلى مادة هلامية؟
عند نقع بذور الكتان في الماء لعدة ساعات، تبدأ المواد الهلامية الموجودة في قشورها بالتحرر، ويتكون سائل لزج يحيط بالبذور. وهذا الجل هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل نقع بذور الكتان طريقة شائعة عند استخدامها بهدف تحسين الإمساك.
كما أن تناول كمية كافية من الماء مع الألياف أمر أساسي، لأن زيادة الألياف من دون الحصول على سوائل كافية قد تؤدي لدى بعض الأشخاص إلى زيادة الانتفاخ أو حتى تفاقم الإمساك.
هل توجد دراسات تؤكد فوائدها؟
تشير عدة دراسات سريرية إلى أن بذور الكتان قد تساعد الأشخاص الذين يعانون من الإمساك الوظيفي على زيادة عدد مرات التبرز وتحسين قوام البراز.
وفي بعض التجارب، أدى تناول بذور الكتان يومياً لعدة أسابيع إلى انخفاض شدة الإمساك وتحسن مؤشرات جودة الحياة المرتبطة بوظيفة الأمعاء.
كما أظهرت بعض الدراسات تحسناً في قوام البراز وعدد مرات التبرز لدى كبار السن الذين تناولوا بذور الكتان لفترة زمنية محددة.
وتشير أبحاث أخرى إلى احتمال وجود تأثير إيجابي لبذور الكتان على ميكروبيوم الأمعاء، أي مجموعة البكتيريا النافعة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي وتؤدي أدواراً مهمة في صحة الأمعاء.
لكن من المهم التأكيد أن الأدلة العلمية ليست متطابقة في جميع الدراسات، كما أن بعض التجارب استخدمت كميات كبيرة نسبياً من بذور الكتان ولم تكن جميعها طويلة المدى.
لذلك، يمكن القول إن بذور الكتان تمتلك أدلة مشجعة لدعم استخدامها في الإمساك، لكنها ليست علاجاً سحرياً يناسب جميع الأشخاص.
هل يجب نقع بذور الكتان لمدة 8 ساعات؟
انتشرت طريقة نقع بذور الكتان لمدة نحو 8 ساعات، أو طوال الليل، بهدف الحصول على أكبر قدر من المادة الهلامية.
ولا توجد ضرورة طبية تجعل الرقم «8 ساعات» قاعدة ثابتة لجميع الأشخاص، لكن النقع لعدة ساعات يسمح بتكوين الجل المحيط بالبذور، وهو ما قد يكون مفيداً عند استخدامها بهدف تسهيل التبرز.
ويمكن تناول بذور الكتان بأشكال أخرى أيضاً، مثل إضافتها مطحونة إلى الزبادي أو الشوفان أو بعض الأطعمة.
لكن عند التركيز تحديداً على تأثيرها الهلامي والألياف المرتبطة بالماء، فإن نقع البذور في الماء يعد طريقة عملية وشائعة.
كيف يمكن تحضير بذور الكتان؟
يمكن البدء بكمية صغيرة لتجنب الانتفاخ والغازات، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يستهلكون كمية كبيرة من الألياف عادة.
توضع كمية مناسبة من بذور الكتان في كوب من الماء وتُترك لعدة ساعات أو طوال الليل. وفي الصباح يمكن تناول الخليط مع الماء والجل المتكون حول البذور.
ومن المهم جداً شرب كمية كافية من الماء خلال بقية اليوم.
كما يمكن إدخال بذور الكتان تدريجياً ضمن النظام الغذائي بدلاً من الانتقال مباشرة إلى كميات كبيرة، لأن الجهاز الهضمي يحتاج أحياناً إلى فترة للتكيف مع ارتفاع كمية الألياف.
بذور الكتان الكاملة أم المطحونة؟
يعتمد الاختيار على الهدف من استخدامها.
فالبذور الكاملة عند نقعها في الماء تسمح بتكوين المادة الهلامية بوضوح، بينما قد يكون طحن البذور مفيداً للاستفادة بشكل أكبر من مكوناتها الغذائية، بما في ذلك الأحماض الدهنية النباتية ومركبات الليغنان.
ولهذا يمكن استخدام الشكلين ضمن النظام الغذائي، بحسب الطريقة التي تناسب الشخص والغرض من استخدامها.
متى تظهر النتيجة؟
لا ينبغي التعامل مع بذور الكتان باعتبارها مليناً سريع المفعول.
قد يحتاج تأثير الألياف إلى عدة ساعات أو أيام، ويختلف ذلك من شخص إلى آخر تبعاً للنظام الغذائي، وكمية السوائل، ومستوى النشاط البدني، وشدة الإمساك وسببه.
ولهذا فإن تناول بذور الكتان لا يغني عن اتباع عادات أساسية تساعد على انتظام حركة الأمعاء، مثل شرب الماء، والحصول على كمية كافية من الألياف، وممارسة النشاط البدني بانتظام.
هل بذور الكتان آمنة للجميع؟
رغم أن بذور الكتان آمنة عموماً عند تناولها بكميات غذائية مناسبة، فإنها ليست مناسبة لكل الحالات.
ويجب الحذر بشكل خاص لدى الأشخاص الذين يعانون من انسداد أو تضيق في الأمعاء، أو صعوبة في البلع، أو إمساك مفاجئ وغير مفسر.
كما قد يؤدي تناول كمية كبيرة من الألياف بصورة مفاجئة إلى الغازات والانتفاخ وآلام البطن لدى بعض الأشخاص.
ومن المهم أيضاً عدم تناول بذور الكتان بكميات كبيرة مع كمية قليلة من السوائل، لأن ذلك قد يزيد صعوبة مرور محتويات الأمعاء.
متى يصبح الإمساك بحاجة إلى طبيب؟
الإمساك المتكرر أو المزمن لا ينبغي دائماً التعامل معه بالوصفات الطبيعية وحدها. وتصبح الاستشارة الطبية أكثر أهمية إذا ظهر الإمساك بصورة مفاجئة، أو ترافق مع وجود دم في البراز، أو فقدان وزن غير مبرر، أو ألم شديد في البطن، أو قيء، أو تغير مستمر وغير معتاد في نمط التبرز.
كما ينبغي مراجعة الطبيب إذا استمر الإمساك رغم تعديل النظام الغذائي وزيادة السوائل والحركة. فهذه الأعراض قد تشير أحياناً إلى مشكلة تحتاج إلى تشخيص وعلاج محدد، وليس مجرد زيادة كمية الألياف.
الماء والألياف.. المعادلة الأهم
قد تكون بذور الكتان مفيدة، لكن فعاليتها لا ينبغي فصلها عن بقية العادات الصحية. فالألياف تحتاج إلى السوائل حتى تؤدي دورها بصورة أفضل، ولذلك فإن شرب الماء بانتظام يعد جزءاً أساسياً من التعامل مع الإمساك. كما يمكن الحصول على الألياف من مصادر غذائية متعددة، مثل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات.
ويُعد النشاط البدني المنتظم أيضاً من العوامل التي يمكن أن تساعد على تحسين حركة الجهاز الهضمي. كما أن بذور الكتان المنقوعة قد تساعد فعلاً في تخفيف الإمساك الوظيفي بفضل احتوائها على الألياف والمواد الهلامية التي يمكن أن تزيد حجم البراز وتساعد على جعله أكثر ليونة.
وتشير نتائج عدد من الدراسات إلى تحسن في عدد مرات التبرز وقوام البراز لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الإمساك، لكن النتائج لا تعني أن بذور الكتان علاج مضمون لجميع الحالات.
أما نقعها لعدة ساعات، بما في ذلك طوال الليل، فيساعد على تحرير المادة الهلامية حول البذور. ومع ذلك، تبقى السوائل الكافية، وزيادة الألياف تدريجياً، والنشاط البدني، ومعرفة سبب الإمساك عوامل أساسية في التعامل معه.
وفي حال كان الإمساك شديداً أو مستمراً أو مصحوباً بأعراض غير معتادة، فإن الأفضل هو استشارة الطبيب بدلاً من الاعتماد على الوصفات الطبيعية وحدها.
اقرأ أيضاً
مفاجأة غذائية.. لماذا قد تكون الخضروات المجمدة أفضل من الطازجة؟
دراسة تكشف الحقيقة.. أيهما أفضل على الإفطار: الشوفان أم البيض؟
البطيخ والتخسيس: كيف تساعدك هذه الفاكهة على خفض الوزن وترطيب الجسم؟
بهار شائع في المطبخ تحت مجهر العلماء لتأثيره المحتمل على الشرايين والدورة الدموية..

