وطن-يواجه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مرحلة سياسية ودبلوماسية معقدة داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما تصدرت ملفات الإنفاق الدفاعي، والهجرة، والعلاقة مع إسرائيل، والحرب في الشرق الأوسط أجندة حكومته خلال الأشهر الماضية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “20 مينوتوس” الإسبانية، فإن سانشيز خاض خلال هذه الفترة معارك سياسية شديدة الحساسية داخل الاتحاد الأوروبي، في قضايا بدت في أحيان كثيرة صعبة التحقيق، بينما انقسمت مواقف الدول الأوروبية بين من رأى في إسبانيا صوتاً أخلاقياً متقدماً داخل أوروبا، ومن اعتبر أن حكومة مدريد تتبنى مواقف عالية المخاطر يصعب تحويلها إلى توافقات أوروبية واسعة.
غزة في صدارة تحركات سانشيز الأوروبية
كان ملف الحرب في غزة من أبرز الملفات التي حاولت حكومة سانشيز الدفع بها داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فقد ضغطت إسبانيا باتجاه تعليق أو إعادة النظر في اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، واتخذت موقفاً أكثر تشدداً مقارنة بعدد من الدول الأوروبية الأخرى.
وأشار تقرير “20 مينوتوس” إلى أن موقف مدريد حظي بدعم دول مثل أيرلندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، فيما طالبت 17 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي بمراجعة الاتفاق، لكنها لم تصل إلى حد المطالبة الصريحة بتعليقه.
وتكمن الصعوبة في أن تعليق الاتفاق يحتاج إلى إجماع الدول الأعضاء، بينما يتطلب تجميد الجزء التجاري منه أغلبية مؤهلة، وهي خطوة لم تتمكن حكومة سانشيز من تمريرها.
سانشيز في مواجهة ترامب ونتنياهو
خلال هذه المرحلة، أصبح رئيس الحكومة الإسبانية من أبرز المنتقدين للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب في غزة والموقف من إسرائيل.
وبحسب صحيفة “20 مينوتوس”، فقد رأت مصادر دبلوماسية في بروكسل أن مدريد اختارت في عدد من الملفات التحرك قبل غالبية شركائها الأوروبيين، خصوصاً في الدفاع عن القضية الفلسطينية وانتقاد السياسات الإسرائيلية، قبل أن تبدأ دول أخرى في تبني مواقف أكثر تشدداً، من بينها إيطاليا وفرنسا في بعض الملفات.
وبذلك، استطاعت إسبانيا أن تؤثر على مستوى الخطاب السياسي الأوروبي، حتى وإن لم تتمكن دائماً من تحويل هذا الخطاب إلى قرارات أوروبية ملزمة.
خلافات حادة مع الولايات المتحدة
لم تقتصر التوترات على العلاقة مع إسرائيل، إذ شهدت علاقة مدريد بواشنطن أيضاً خلافات واضحة، خصوصاً بشأن السياسة الدفاعية والحرب ضد إيران. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد وجه انتقادات حادة إلى إسبانيا، ووصل الأمر إلى الحديث عن إمكانية اتخاذ إجراءات تجارية ضدها.
وفي المقابل، رفضت حكومة سانشيز السماح باستخدام القواعد العسكرية الأميركية في روتا ومورون لتنفيذ عمليات عسكرية ضد طهران، كما حافظت مدريد على موقفها الرافض لرفع الإنفاق الدفاعي إلى مستوى 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
لقاءات متوترة بين سانشيز وترامب
وأصبحت الانتقادات الأميركية لسانشيز جزءاً شبه معتاد من المشهد السياسي، رغم أن التوتر بين الطرفين شهد بعض التراجع في مناسبة لاحقة. وبحسب “20 مينوتوس”، فإن العلاقة بين الرجلين لم تخلُ من لحظات توتر واضحة، بما في ذلك اللقاءات التي جمعتهما خلال قمم دولية، حيث ظهرت أحياناً مسافة سياسية ودبلوماسية كبيرة بين الموقفين الإسباني والأميركي.
وفي الوقت نفسه، لم تتراجع حكومة سانشيز عن خطابها بشأن غزة أو عن موقفها من الإنفاق الدفاعي، الأمر الذي أبقى مدريد في موقع مختلف عن واشنطن في عدد من الملفات الاستراتيجية.
الهجرة.. ملف آخر يضع مدريد تحت الضغط
إلى جانب غزة والدفاع، شكّل ملف الهجرة أحد أصعب التحديات أمام حكومة سانشيز داخل الاتحاد الأوروبي. وتزامنت هذه الخلافات مع تصاعد أزمة الهجرة في مدينة سبتة، التي تحولت إلى قضية أوروبية ودبلوماسية واسعة، وأثارت انتقادات من عدد من الدول الأعضاء بشأن سياسة إسبانيا في التعامل مع الهجرة والحدود.
وتشير تغطية صحيفة “20 مينوتوس” إلى أن النقاش الأوروبي حول الهجرة لم يعد مقتصراً على مدريد وشركائها المباشرين، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع بشأن حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وتوزيع المسؤوليات بين الدول الأعضاء.
انتصارات سياسية أم معارك يصعب حسمها؟
تكمن المفارقة في تجربة سانشيز الأوروبية في أن الحكومة الإسبانية نجحت في دفع عدد من الملفات إلى واجهة النقاش الأوروبي، لكنها لم تتمكن دائماً من تحقيق النتائج السياسية التي سعت إليها.
ففي ملف إسرائيل، استطاعت مدريد التأثير على النقاش الأوروبي واستقطاب دعم عدد من الدول، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى إجماع يسمح بتعليق اتفاق الشراكة.
وفي ملف الإنفاق الدفاعي، حافظت الحكومة الإسبانية على موقفها رغم الضغوط الأميركية والأطلسية. أما في ملف الهجرة، فتواجه مدريد انتقادات من دول أوروبية تطالب بسياسة أكثر تشدداً في حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
سانشيز أمام اختبار أوروبي مستمر
ويرى تقرير “20 مينوتوس” أن الأشهر الماضية كشفت عن طبيعة الدور الذي تحاول إسبانيا لعبه داخل الاتحاد الأوروبي: التحرك في ملفات حساسة، وطرح مواقف أكثر وضوحاً من عدد من شركائها، ومحاولة التأثير في الاتجاه السياسي الأوروبي بدلاً من انتظار تشكل الإجماع.
لكن هذا الدور يحمل في الوقت نفسه مخاطر سياسية، إذ قد يؤدي التقدم على مستوى الخطاب إلى زيادة الخلافات مع بعض الشركاء، خصوصاً عندما تكون القرارات الأوروبية مرتبطة بالإجماع أو بمصالح استراتيجية متعارضة.
وبين الحرب في غزة، والتوتر مع الولايات المتحدة، والسياسة تجاه إسرائيل، والإنفاق الدفاعي، وأزمة الهجرة، يجد بيدرو سانشيز نفسه أمام اختبار معقد داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي المحصلة، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام رئيس الحكومة الإسبانية لا يتمثل فقط في طرح مواقف قوية، وإنما في تحويل هذه المواقف إلى سياسات أوروبية مشتركة قابلة للتنفيذ، وهو ما سيحدد مدى نجاح مدريد في تعزيز نفوذها داخل أوروبا خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ المزيد
أزمة سبتة تتصاعد.. اتهامات لإسرائيل وأميركا بعد عبور 60 ألف مهاجر من المغرب إلى إسبانيا
إسبانيا ترفض المشاركة في الحرب ضد إيران وتؤكد تمسكها بالسيادة والاستقلال الأوروبي
من بين الركام إلى مدريد.. رسالة طفلة من غزة تهز رئيس وزراء إسبانيا وتصل إلى العالم
إيطاليا تعلّق العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا على خلفية أزمة الهجرة في سبتة

