وطن-نشرت الجريدة الرسمية الإسبانية، الأحد، أمراً موقعاً من وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، يقضي بإعادة إسبانيا فرض الرقابة المؤقتة على الحدود مع إيطاليا في الموانئ والمطارات، في خطوة أعادت ملف الهجرة غير النظامية وأمن منطقة شنغن إلى واجهة الجدل السياسي الأوروبي.
وقالت صحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية إن القرار الذي وقعه مارلاسكا تضمن تبريراً مطولاً من الحكومة الإسبانية، امتد على صفحتين ونصف في الجريدة الرسمية، لشرح دوافع إعادة مراقبة الحدود. غير أن الصحيفة رأت أن الصياغة الرسمية تخفي، في تقديرها، السبب السياسي الحقيقي وراء الإجراء، معتبرة أنه يأتي كرد فعل على قرار سابق اتخذته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تجاه المسافرين القادمين من إسبانيا.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، استند وزير الداخلية الإسباني في قراره إلى ما وصفه بـ«الحاجة إلى منع أنشطة المنظمات الإجرامية التي تستغل طرق الهجرة وشبكات النقل الدولية لتسهيل التنقل غير النظامي، والاتجار بالبشر، وتزوير الوثائق أو توفير مستندات احتيالية، وممارسة أشكال أخرى من الجريمة الحدودية».
وأشار مارلاسكا، وفق النص المنشور في الجريدة الرسمية الإسبانية، إلى بيانات وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية «فرونتكس»، التي رصدت خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام وصول 11 ألفاً و600 مهاجر غير نظامي عبر «طريق وسط المتوسط»، وهو المسار الذي تتأثر به إيطاليا بشكل خاص.
لكن صحيفة “إل إسبانيول” قالت إن وزير الداخلية الإسباني تجاهل، في المقابل، أن مدينة سبتة الإسبانية شهدت خلال 24 ساعة فقط وصول رقم أكبر بكثير، إذ تحدثت الصحيفة عن أكثر من 72 ألف مهاجر غير نظامي. كما أشارت إلى أن منشآت محلية في المدينة، بينها صالة رياضية في حي لا رينا، استُخدمت لإيواء نحو 250 امرأة وفتاة من المهاجرات الوافدات حديثاً، خشية تعرضهن لاعتداءات جنسية.
وأضافت الصحيفة الإسبانية أن الوضع الداخلي في إسبانيا يزيد حساسية القرار، مشيرة إلى وجود نحو 1.3 مليون مهاجر بلا أوراق في البلاد حالياً، ممن تقدموا بطلبات للاستفادة من عملية التسوية التي فتحتها الحكومة الإسبانية. وترى الصحيفة أن المبررات التي ساقها مارلاسكا لإعادة الرقابة مع إيطاليا يمكن، وفق المنطق نفسه، أن تستخدمها دول الاتحاد الأوروبي لتعليق تطبيق اتفاقية شنغن مع إسبانيا.
ويؤكد الأمر الوزاري، بحسب ما نشرته الجريدة الرسمية الإسبانية، أن وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول» تعتبر تهريب المهاجرين إحدى أولويات الاتحاد الأوروبي في مكافحة الجريمة الخطيرة والمنظمة، محذرة من قدرة هذه الشبكات على تغيير مساراتها وأساليبها لتفادي رقابة السلطات.
كما أضاف مارلاسكا في القرار أن هناك خطراً من استغلال أشخاص مرتبطين بتهديدات إرهابية، أو مصنفين كأفراد محل اهتمام للأمن القومي، لمسارات الهجرة غير النظامية وتدفقاتها وأساليبها من أجل دخول أراضي الاتحاد الأوروبي أو التنقل داخلها دون اكتشافهم.
وقالت الصحيفة الإسبانية إن وزير الداخلية الإسباني وصف هذه العوامل مجتمعة بأنها تمثل «تهديداً خطيراً وحقيقياً وراهناً» للنظام العام والأمن الداخلي، ما يبرر، من وجهة نظر الحكومة، إعادة فرض مراقبة الحدود مع إيطاليا بصورة مؤقتة.
وجاء في الأمر الوزاري أن «تركز التنقلات في رحلات جوية وروابط بحرية محددة قادمة من إيطاليا، والتي تزداد خلال فترة الصيف، يسمح بالاستنتاج بوجود تهديد خطير وحقيقي وحالي للنظام العام والأمن الداخلي، وفق ما ينص عليه قانون حدود شنغن».
ودخل القرار الإسباني حيز التنفيذ عند منتصف ليل الجمعة إلى السبت. وفي المرحلة الأولى، بدأت عمليات فحص جوازات السفر في مطاري مدريد باراخاس وجوزيب تارادياس في برشلونة، قبل أن تمتد صباح السبت إلى مطارات مالقة وإشبيلية وبلباو وأليكانتي وفالنسيا.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن وزارة الداخلية الإسبانية، من المنتظر أن تشمل الإجراءات لاحقاً جزر البليار والكناري، اللتين تشهدان نشاطاً سياحياً مكثفاً خلال موسم الصيف، ما يجعلهما من النقاط المهمة في حركة السفر بين إسبانيا وإيطاليا.
وتشارك في تنفيذ خطة الرقابة نحو مئة عنصر من الشرطة الوطنية الإسبانية. وتقوم فرق مكونة من شرطيين إلى أربعة بتفتيش كل رحلة قادمة من إيطاليا، عبر التحقق من وثائق ما بين 5 و10% من الركاب، وفق البيانات التي أعلنتها وزارة الداخلية.
وأوضحت الوزارة، وفق ما أوردته صحيفة صحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية، أن ذلك يعني طلب جواز السفر من نحو 15 راكباً في الطائرات متوسطة الحجم، وقد يصل العدد إلى 25 راكباً في الطائرات الأكبر. وخلال يوم السبت، خضع لفحص الجوازات 83 مسافراً قادمين من إيطاليا في مطار باراخاس بمدريد، و68 في مطار إل برات ببرشلونة، و11 في مطار إشبيلية، و5 في بلباو، و33 في فالنسيا.
ويأتي القرار وسط تبادل سياسي متصاعد بين مدريد وروما بشأن ضبط الحدود والهجرة. وكانت إيطاليا قد دافعت عن إجراءاتها السابقة، معتبرة أن خطر الإرهاب «لا يمكن الاستهانة به»، فيما وصفت رد فعل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأنه «غير متناسب»، بحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية.
وفي سياق متصل، ظهر وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا في سبتة إلى جانب مندوب الحكومة ميغيل أنخيل بيريث، حيث هاجم، وفق ما أوردتهصحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية، عدداً من قادة الاتحاد الأوروبي الذين انتقدوا حكومة سانشيز بسبب أزمة الهجرة في المدينة، واصفاً مواقفهم بأنها تنطوي على «أنانية وجهل وسوء نية».
وبين المبررات الأمنية الرسمية والقراءة السياسية التي تقدمها الصحافة الإسبانية، يعكس القرار الجديد هشاشة التوازن داخل فضاء شنغن عندما تتداخل ملفات الهجرة غير النظامية، ومكافحة الجريمة المنظمة، والحسابات السياسية بين العواصم الأوروبية.
اقرأ ايضاً
هل تدفع إسبانيا ثمن مواقفها من غزة؟.. أزمة سبتة تتجاوز ملف الهجرة
إيطاليا تعلّق العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا على خلفية أزمة الهجرة في سبتة
أوروبا تصعّد ضد مدريد.. أزمة سبتة تفتح ملف استبعاد إسبانيا من شنغن

