وطن-في مصر، لا يبدو التحذير من الفوضى جديداً كلما تصاعد الحديث عن الاحتجاجات أو الأوضاع المعيشية. وخلال السنوات الماضية، تكرر خطاب يحذر المواطنين من تداعيات النزول إلى الشارع، مستحضراً سيناريوهات الفوضى والنهب وانهيار الأمن، في مقابل التأكيد على أن استقرار الدولة يجب أن يبقى أولوية.
ومع عودة هذه الرسائل إلى الواجهة، يبرز سؤال سياسي وإعلامي لافت: هل الهدف من هذا الخطاب تحذير المصريين من مخاطر الفوضى فعلاً، أم أنه يعكس أيضاً مخاوف السلطة من عودة الاحتجاجات الشعبية؟
السيسي وتحذير المصريين من تكرار سيناريو 2011
“سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذر، في تصريحات ولقاءات سابقة، من تكرار ما وصفه بتجربة الفوضى التي أعقبت أحداث عام 2011، داعياً المصريين إلى عدم الانجرار إلى ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة أو الإضرار بمؤسساتها.”
ويقوم هذا الخطاب على فكرة أساسية مفادها أن الاحتجاجات الواسعة قد لا تتوقف عند حدود المطالب السياسية أو الاقتصادية، وإنما يمكن أن تتحول إلى حالة من عدم الاستقرار يصعب التحكم في تداعياتها.
وفي هذا السياق، كثيراً ما جرى استدعاء تجربة السنوات التي أعقبت ثورة يناير لتأكيد المخاطر المحتملة لأي اضطرابات واسعة النطاق.
مصطفى بكري يعيد طرح سيناريو الفوضى
في المقابل، أعاد الإعلامي والنائب المصري السابق مصطفى بكري طرح خطاب مشابه، محذراً من تداعيات خروج المواطنين إلى الشارع.
وفي حديثه، لم يكتفِ بكري بالتحذير من الاحتجاجات، بل قدم سيناريو يتضمن احتمال انتشار الفوضى وخروج مجرمين من السجون وأقسام الشرطة، إلى جانب عمليات نهب وقتل واقتحام للمنازل.
وهنا تتحول الرسالة من مجرد تحذير سياسي إلى تصوير سيناريو أمني شامل لما يمكن أن يحدث في حال حدوث اضطرابات واسعة.
وتطرح هذه التصريحات سؤالاً حول مصدر هذه التصورات، وما إذا كانت مجرد قراءة سياسية لأسوأ الاحتمالات، أم أنها تستند إلى مخاوف أمنية فعلية بشأن ما يمكن أن يحدث في حال اتساع الاحتجاجات.
من «لماذا يغضب الناس؟» إلى «ماذا سيحدث إذا خرجوا؟»
أحد أبرز جوانب هذا الخطاب يتمثل في تغيير زاوية النقاش. فبدلاً من التركيز على أسباب الغضب الشعبي، مثل ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية أو الأوضاع المعيشية، يصبح النقاش منصباً على سؤال آخر: ماذا سيحدث إذا خرج الناس إلى الشارع؟
وهذا التحول مهم سياسياً وإعلامياً، لأنه ينقل النقاش من معالجة أسباب الاحتقان إلى التحذير من نتائجه المحتملة. وبذلك يصبح المواطن أمام معادلة تبدو مبسطة: إما الحفاظ على الاستقرار، أو المخاطرة بالفوضى.
لماذا تحضر «الفوضى» بقوة في الخطاب السياسي؟
يستند خطاب التحذير من الفوضى إلى تجربة تاريخية لا تزال حاضرة في الوعي المصري. فقد شهدت البلاد بعد عام 2011 اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، وأصبحت تلك المرحلة مرجعاً متكرراً في الخطاب الرسمي والإعلامي عند الحديث عن الاحتجاجات.
ومن وجهة نظر مؤيدي هذا الخطاب، فإن استدعاء هذه التجربة يمثل تحذيراً واقعياً من نتائج انهيار مؤسسات الدولة.
لكن منتقدين يرون أن التركيز المستمر على سيناريو الفوضى يمكن أن يتحول إلى وسيلة لردع الاحتجاج، خصوصاً عندما يتم تقديم الخيارات أمام المواطن باعتبارها محصورة بين دعم النظام أو مواجهة انهيار أمني شامل.
السؤال الأكثر حساسية: من يحمي الشارع إذا حدثت الفوضى؟
يثير السيناريو الذي يطرحه بكري سؤالاً آخر يتعلق بدور مؤسسات الدولة. فإذا كان الحديث عن خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشوارع يقترن باحتمال انتشار البلطجية والمجرمين ووقوع عمليات نهب واقتحام، فإن السؤال يصبح: كيف ستتعامل مؤسسات الأمن والدولة مع مثل هذا السيناريو؟
وهنا تتقاطع المسألة مع سؤال أوسع حول قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على الأمن في حالات الاضطراب، وحول مدى استعدادها للتعامل مع احتجاجات واسعة من دون أن تتحول إلى أزمة أمنية شاملة.
ولا يمكن الجزم، استناداً إلى التصريحات وحدها، بأن هناك سيناريو أمنياً محدداً يجري الإعداد له، لكن طرح هذه التفاصيل في الخطاب الإعلامي يفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة المخاوف التي تقف خلفها.
بين التحذير المشروع وتخويف الشارع
من الطبيعي أن تحذر أي دولة مواطنيها من أعمال العنف أو التخريب أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. كما أن حماية الأمن ومنع الفوضى مسؤولية أساسية لأي مؤسسة دولة.
لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح التحذير من الفوضى هو الرسالة الرئيسية في كل نقاش يتعلق بالاحتجاجات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بأسباب الاحتقان ومطالب المواطنين إلى الخلفية.
فالمعادلة الأكثر تعقيداً ليست بالضرورة: النظام أو الفوضى، وإنما كيفية تحقيق الاستقرار مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد تدفع المواطنين إلى الاحتجاج.
هل يكشف الخطاب خوفاً من الشارع؟
لا يمكن من تصريحات فردية وحدها إثبات أن النظام المصري يخشى اندلاع ثورة جديدة، كما لا يمكن الجزم بأن الحديث عن الفوضى يعني وجود معلومات مسبقة عن احتجاجات قادمة.
لكن تكرار الخطاب نفسه، من التحذير من النزول إلى الشارع إلى استدعاء سيناريوهات الفوضى، يجعل المسألة جديرة بالتحليل.
فإذا كانت الرسالة موجهة أساساً لحماية المواطنين من مخاطر الانفلات، فهي تعكس هاجساً أمنياً وسياسياً مفهوماً. أما إذا تحولت هذه الرسائل إلى أداة لمنع أي نقاش حول أسباب الغضب الشعبي، فإنها تصبح جزءاً من معركة سياسية وإعلامية حول حدود الاحتجاج وحق المواطنين في التعبير.
بين تحذيرات عبد الفتاح السيسي السابقة من تكرار الفوضى التي أعقبت عام 2011، وتصريحات مصطفى بكري التي تستحضر سيناريوهات السجون والنهب والقتل واقتحام المنازل، تبدو الرسالة العامة متشابهة: الخروج إلى الشارع قد تكون له تكلفة تتجاوز الاحتجاج نفسه.
لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو الأهم: هل تكفي التحذيرات من الفوضى لتهدئة الشارع، أم أن معالجة أسباب الغضب الاقتصادي والاجتماعي هي الطريق الأكثر فعالية للحفاظ على الاستقرار؟
وفي النهاية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما قد يحدث إذا خرج المصريون إلى الشارع، بل أيضاً بما يدفعهم إلى التفكير في الخروج من الأساس.
اقرأ المزيد
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
هل الكهرباء في مصر هي الأرخص حقًا؟ الأرقام تكشف الحقيقة عندما يُقاس السعر بالدخل
بعد هدم كشكه.. مصري يشعل النار في جسده ويعيد إلى الأذهان مأساة محمد البوعزيزي
“فلتسقط اللحمة”.. حين يتحول عجز الاقتصاد المصري إلى جدل حول مائدة المواطن

