وطن-في مؤشر جديد على التحول العميق الذي أصاب السياسة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر، بات قادة بارزون في المعسكر المناهض لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتجنبون علناً أي حديث عن تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية الفلسطينية داخل إسرائيل، بعدما كان هذا الخيار قبل سنوات قليلة جزءاً من معادلة سياسية أنهت أطول فترات حكم نتنياهو.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق وزعيم حزب «يشَر»، أصبح أحدث سياسي إسرائيلي يتعهد بتشكيل حكومة ذات «أغلبية صهيونية» إذا وصل إلى منصب رئيس الوزراء في الانتخابات المقبلة، وهي عبارة يُفهم منها عملياً استبعاد التحالف مع الأحزاب العربية الفلسطينية أو الاعتماد على دعمها البرلماني لإزاحة نتنياهو.
وخلال مؤتمر أمني نظمته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بالتعاون مع معهد دراسات الأمن القومي، قال آيزنكوت: «أفضل تحقيق أغلبية صهيونية من 63 أو 64 مقعداً، وإذا لم يحدث ذلك، فسأدعو الأحزاب الحريدية إلى إدراك خطورة اللحظة». وأضاف: «إذا لم يفهموا، فمن الأفضل الذهاب إلى انتخابات جديدة».
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن تصريحات آيزنكوت لا تبدو موقفاً معزولاً، بل تعكس اتجاهاً أوسع داخل المعسكر المناهض لنتنياهو، حيث بات قادة مثل نفتالي بينيت ويائير لابيد يستبعدون بصورة متزايدة تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية الفلسطينية، بما في ذلك «القائمة العربية الموحدة» المعروفة باسم «راعم»، رغم أن زعيمها منصور عباس أكد مراراً استعداده للتفاوض مع أحزاب ذات أغلبية يهودية.
هذا التحول يبدو لافتاً بالنظر إلى تجربة عام 2021، حين دافع بينيت ولابيد عن شراكتهما مع منصور عباس باعتبارها تجربة سياسية ضرورية أنهت 12 عاماً من حكم نتنياهو. غير أن الواقع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر جعل مثل هذا التعاون مكلفاً سياسياً، بل وسهل توظيفه انتخابياً باعتباره نقطة ضعف في ملفات الأمن والهوية.
ونقلت الصحيفة عن المحلل السياسي الفلسطيني إيهاب جبارين قوله إن ما يحدث هو «أولاً وقبل كل شيء نتيجة التحول في الرأي العام الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر». وأضاف أن أي شراكة مع حزب عربي فلسطيني تُقدَّم اليوم انتخابياً على أنها تنازل في قضايا الأمن والهوية، حتى إن أحزاب الوسط تخشى الظهور بمظهر من يعتمد على من تَصِفهم خصومها بأنهم يرفضون الطابع اليهودي للدولة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها محطة حاسمة لمستقبل النظام السياسي في إسرائيل. وتشير استطلاعات الرأي، وفق “ميدل إيست آي”، إلى سباق متقارب بين كتلة يقودها آيزنكوت وكتلة نتنياهو، بينما تذهب بعض الاستطلاعات إلى أن آيزنكوت قد يتمكن من تشكيل حكومة من دون الأحزاب العربية، في حين ترجح أخرى أن أياً من المعسكرين لن يحصل على أغلبية برلمانية من دون دعمها.
عودة «المحظور» في السياسة الإسرائيلية
تمثل الأحزاب العربية الفلسطينية مواطني إسرائيل الفلسطينيين، وهم أحفاد الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة عام 1948، حين أدت العمليات العسكرية للعصابات الصهيونية إلى تهجير نحو 750 ألف فلسطيني لإقامة دولة إسرائيل. ويبلغ عدد الفلسطينيين داخل إسرائيل اليوم نحو مليوني نسمة، أي ما يقارب خمس السكان.
وعلى مدى عقود، أسس الفلسطينيون داخل إسرائيل أحزاباً سياسية للدفاع عن المساواة المدنية وإنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. لكن هذه الأحزاب ظلت في غالبية المراحل على هامش السياسة الإسرائيلية، إذ كان التعاون معها داخل الائتلافات الحكومية يُعد أمراً ساماً سياسياً بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الناخبين اليهود، كما كان محل تحفظ لدى شريحة من الفلسطينيين أنفسهم.
وقالت “ميدل إيست آي” إن هذا الحاجز كُسر عام 2021، عندما تحولت «راعم» بقيادة منصور عباس إلى لاعب مرجح، ومنحت مقاعدها الأربعة الائتلاف الذي شكله بينيت ولابيد الأغلبية الضئيلة المطلوبة لإنهاء حكم نتنياهو بعد أربع جولات انتخابية غير حاسمة.
لكن منذ هجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس، عاد هذا «المحظور» إلى واجهة السياسة الإسرائيلية بقوة. فوفق مؤشر الديمقراطية الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في ديسمبر 2025، عارض 71.5% من اليهود الإسرائيليين ضم أحزاب عربية إلى الحكومة المقبلة.
كما أظهر استطلاع آخر لمعهد دراسات الأمن القومي في 2025 أن 57% من الإسرائيليين يعارضون إقامة دولة فلسطينية تحت أي ظرف، وهو ما يعكس تشدداً متزايداً في المزاج العام الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية وتجاه المشاركة السياسية للفلسطينيين داخل إسرائيل.
ونقلت الصحيفة عن جبارين قوله إن نتنياهو نجح خلال سنوات في تحويل العلاقة مع الأحزاب العربية الفلسطينية إلى «سلاح انتخابي»، عبر حملات صورت التعاون مع السياسيين الفلسطينيين داخل إسرائيل باعتباره أمراً غير شرعي سياسياً. وأضاف: «اليوم أصبح الثمن السياسي للظهور قريباً من الأحزاب العربية الفلسطينية مرتفعاً للغاية».
ويرى جبارين أن بعض الأحزاب قد تلجأ، بعد الانتخابات، إلى دعم الأحزاب العربية إذا فرضت الحسابات البرلمانية ذلك ولم تترك لها بديلاً. لكنه يؤكد أن معظم هذه القوى لا ترغب في الإشارة إلى هذا الاحتمال خلال الحملة الانتخابية. ويختصر المشهد بالقول: «إنهم يتركون الباب الخلفي مفتوحاً، لكن الباب الأمامي مغلق».
منصور عباس وسياسة «الممكن»
لم يؤثر المناخ السياسي العدائي المتزايد تجاه الفلسطينيين داخل إسرائيل منذ أكتوبر 2023 في مواقف الأحزاب اليهودية وحدها، بل أعاد أيضاً تشكيل حسابات الأحزاب العربية الفلسطينية نفسها.
فمنصور عباس، زعيم «راعم»، حافظ خلال السنوات الماضية على خطاب يؤكد فيه استعداد حزبه للتفاوض مع أي ائتلاف قادر على استبدال نتنياهو، رغم التصريحات المتكررة من قادة المعارضة اليهودية التي تستبعد التعاون معه.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن عباس ذهب في الدورة الانتخابية الحالية خطوة أبعد، إذ ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن «راعم» توصلت إلى اتفاق مبدئي مع يوآف سيغالوفيتش، النائب اليهودي السابق عن حزب «يش عتيد»، لإدراجه على قائمة الحزب الانتخابية.
وأظهر استطلاع للقناة 13 الإسرائيلية أن انضمام سيغالوفيتش قد يرفع تمثيل «راعم» المتوقع من خمسة مقاعد إلى سبعة، وهو رقم غير مسبوق للحزب إذا تحقق في صناديق الاقتراع.
ويرى جبارين أن منصور عباس يخاطب في هذه الخطوة ثلاث جهات في الوقت نفسه: الناخبين الفلسطينيين، والمعسكر المناهض لنتنياهو، والمؤسسة الإسرائيلية. فهو، بحسب المحلل الفلسطيني، يريد أن يقول للناخب العربي الفلسطيني إنه لا يزال الشخص الوحيد الذي يمارس «سياسة الممكن»، وفي الوقت ذاته يترك للمعسكر المناهض لنتنياهو مخرجاً إذا احتاج لاحقاً إلى دعم أحزاب غير صهيونية، كما يوجه رسالة إلى المؤسسة الإسرائيلية بأن «راعم» لا يزال شريكاً مؤسسياً موثوقاً.
لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من مخاطر. ونقلت الصحيفة عن جبارين قوله إن عباس يرسل إشارة بأنه مستعد للتفاوض مع طرف يعلن علناً أنه غير مهتم بالتفاوض معه، ما قد يصنع صورة ضعف، خصوصاً أن ميزان القوة ليس في صالحه.
هل يجب على الفلسطينيين خوض انتخابات الكنيست؟
في المقابل، ترى عايدة توما سليمان، عضو الكنيست عن حزب «حداش» ذي القيادة الفلسطينية، أن رفض الأحزاب اليهودية التعاون مع الأحزاب العربية لا يتعلق فقط بحسابات انتخابية، بل يكشف عمق المواقف السياسية داخل المعسكرات الإسرائيلية المختلفة.
وقالت توما سليمان لـ”ميدل إيست آي” إن قادة هذه الأحزاب يعرفون أن الجمهور الإسرائيلي لا يريد أي شراكة مع الأحزاب العربية الفلسطينية بعد سنوات من التحريض. وأضافت أنهم يفتقرون إلى الشجاعة لتقديم بديل حقيقي لسياسات الحكومة الحالية، معتبرة أنهم في الواقع يحملون أيضاً مواقف صهيونية وتمييزية.
وترفض توما سليمان اختزال هدف الأحزاب الفلسطينية داخل إسرائيل في الانضمام إلى الحكومات. وتقول إن وجود الفلسطينيين في الكنيست لم يكن قائماً فقط على فكرة المشاركة في الائتلافات، بل هو مساحة للنضال السياسي، وتمثيل المجتمع الفلسطيني، وكشف سياسات الحكومة، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين.
ومع أنها تقر بأن البرلمان لم يعد الساحة الوحيدة للعمل السياسي، فإنها ترى أن الانسحاب منه سيضعف تأثير الفلسطينيين داخل إسرائيل في لحظة تزداد فيها الحاجة إلى وزنهم السياسي «لمواجهة الفاشية»، حتى لو اقتصر ذلك على منع تشكيل حكومة يمينية متطرفة جديدة.
أما جبارين فيرى أن التحدي أوسع من سؤال المشاركة في الائتلافات الحكومية. وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، فإن الأحزاب الفلسطينية انشغلت خلال حملات انتخابية كثيرة بسؤال: أي حكومة يمكن أن تساعد في تشكيلها؟ في وقت تغير فيه المشهد السياسي الإسرائيلي بصورة جوهرية.
ويخلص جبارين إلى أن السؤال الأهم لم يعد: من سيدعونا إلى الائتلاف؟ بل كيف يمكن إعادة بناء القوة السياسية الفلسطينية داخل إسرائيل خلال العقد المقبل بطريقة تجعل تجاهلها مكلفاً سياسياً لأي حكومة إسرائيلية قادمة.
اقرأ المزيد
الجيش الإسرائيلي ينشئ مراكز اقتراع في غزة ولبنان وسوريا.. استعدادات انتخابية غير مسبوقة
محكمة ألمانية تقرّ اعتبار مقارنة إسرائيل بألمانيا النازية ضمن حرية التعبير المحمية قانونياً..
نفتالي بينيت يهدد بإعلان قطر “دولة معادية”.. هل يتحول الخلاف إلى ورقة انتخابية في إسرائيل؟

