وطن-تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً استراتيجياً جديداً مع اقتراب السعودية وتركيا وباكستان من توقيع اتفاق دفاعي ثلاثي، في خطوة قد تمثل تحولاً مهماً في بنية التحالفات الإقليمية، وسط تصاعد التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع.
وذكرت صحيفة “ميدل إيست آي“، نقلاً عن مصادر في أنقرة، أن الدول الثلاث تستعد لتوقيع الاتفاق بعد أشهر من المفاوضات التي انطلقت العام الماضي، في إطار يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين ثلاث قوى إسلامية تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً مؤثراً.
تحالف يأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية
بحسب الصحيفة، يأتي الاتفاق في ظل مرحلة تشهد تصاعداً في التوترات الإقليمية عقب الضربات الإسرائيلية والأميركية على إيران، وما تبعها من مخاوف بشأن توسع دائرة المواجهة في الشرق الأوسط.
ويكتسب الاتفاق أهمية خاصة بالنظر إلى مكانة الدول الثلاث؛ فالسعودية تُعد أكبر قوة نفطية في المنطقة، وتركيا تمتلك ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بينما تُعد باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر في أنقرة قوله إن الاتفاق “قد يغيّر ميزان القوى في المنطقة”، مضيفاً أن نجاحه في التطبيق من شأنه أن يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي.
توقيع مرتقب في مكة المكرمة
ومن المتوقع، وفق المصادر، أن يُوقّع الاتفاق في مكة المكرمة بحضور قادة الدول الثلاث. ويزور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السعودية بدعوة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فيما وصل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى جدة للمشاركة في الاجتماعات المرتبطة بالاتفاق.
ماذا يتضمن الاتفاق؟
على الرغم من عدم الكشف عن الصيغة النهائية للوثيقة، تشير المعلومات إلى أنها ستشمل مجالات متعددة من التعاون العسكري، من بينها:
- التعاون الدفاعي والأمني.
- التدريب العسكري المشترك.
- تطوير الصناعات الدفاعية.
- تبادل التكنولوجيا والخبرات العسكرية.
- التنسيق في مجالات الأمن الإقليمي.
ولا يزال الغموض يحيط بما إذا كان الاتفاق سيتضمن بنداً للدفاع المشترك، ينص على اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على بقية الأطراف. وبينما رفضت المصادر تأكيد وجود هذا البند، أوضحت أن إدراجه يبقى احتمالاً قائماً، وأن المفاوضات لا تزال مستمرة بشأن الصياغة النهائية.
هل يؤثر على تحالفات الدول الحالية؟
بحسب المصادر التي تحدثت إلى “ميدل إيست آي”، فإن الاتفاق لن يتعارض مع الالتزامات الدولية الحالية للدول الثلاث. وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة لتركيا، العضو في حلف الناتو والشريك العسكري للولايات المتحدة، إذ تؤكد المصادر أن الاتفاق لا يستهدف استبدال التحالفات القائمة، وإنما إنشاء إطار تعاون إقليمي جديد.
تحالف يجمع ثلاث قوى مختلفة
يمثل الاتفاق المرتقب مزيجاً من عناصر القوة التي تمتلكها كل دولة:
- السعودية: أكبر اقتصاد عربي، وقوة طاقة عالمية، وصاحبة ثقل سياسي وديني كبير.
- تركيا: قوة عسكرية إقليمية، وعضو رئيسي في الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية متطورة.
- باكستان: الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي، وتمتلك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية واسعة.
كما تشير الصحيفة إلى أن تركيا وباكستان أصبحتا خلال السنوات الأخيرة من أبرز الدول الصاعدة في تصنيع وتصدير الأسلحة، وهو ما يمنح الاتفاق بعداً عملياً يتجاوز التنسيق السياسي.
من الخلاف إلى التقارب
لم تكن العلاقات بين الرياض وأنقرة مستقرة دائماً. فبعد أحداث الربيع العربي شهدت العلاقات توتراً واضحاً نتيجة اختلاف المواقف تجاه ملفات إقليمية عدة، كما وقفت السعودية والإمارات في معسكر سياسي مختلف عن تركيا في ليبيا، ودعمتا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في وقت كان أردوغان من أبرز منتقديه.
لكن منذ عام 2021 بدأت العلاقات السعودية التركية تشهد مرحلة جديدة من التقارب، ضمن موجة أوسع من المصالحات الإقليمية، شملت أيضاً إعادة بناء العلاقات بين أنقرة والقاهرة.
وترى الصحيفة أن الحرب في غزة والتطورات الأمنية في لبنان وسوريا وإيران ساهمت في تسريع هذا التقارب، مع تنامي الحاجة إلى تنسيق إقليمي أكبر لمواجهة التحديات المشتركة.
هل يعيد الاتفاق تشكيل الأمن الإقليمي؟
يرى مراقبون أن الاتفاق، إذا تضمن آليات واضحة للتنسيق العسكري أو الدفاع المشترك، فقد يشكل إحدى أبرز التحولات الأمنية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
فهو يجمع بين قوة نووية، ودولة عضو في الناتو، وأكبر قوة اقتصادية عربية، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم للتحالفات وتراجعاً في الاعتماد على المظلات الأمنية التقليدية.
ويبقى مدى تأثير الاتفاق مرتبطاً بما ستتضمنه بنوده النهائية، وآليات تنفيذه، ومدى قدرة الدول الثلاث على تحويله من إطار سياسي إلى شراكة دفاعية عملية طويلة الأمد.
اقرأ أيضاً
خريطة نفوذ جديدة.. “فورين بوليسي” تكشف كواليس اصطفاف إقليمي تقوده السعودية بمشاركة تركيا وباكستان
تركيا تقترب من تحالف دفاعي استراتيجي مع السعودية وباكستان يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية

