وطن-تمر كوبا بواحدة من أصعب مراحلها خلال العقود الأخيرة، في ظل أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية خانقة أعادت إلى الأذهان سنوات الانهيار التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، لكنها تأتي هذه المرة وسط ضغوط خارجية متزايدة وتراجع حاد في موارد الدولة، وعلى رأسها السياحة التي كانت تمثل شريانًا مهمًا للعملة الصعبة.
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن الجزيرة الكاريبية تعيش حالة من الاضطراب العميق، بعدما أدت الأزمة المتفاقمة إلى عزوف أعداد كبيرة من السياح عن زيارتها، في وقت شهدت فيه البلاد، الأربعاء الماضي، سادس انقطاع شامل للكهرباء خلال عام 2026، ما زاد من معاناة السكان وعمّق الإحساس بانسداد الأفق.
وبينما تتراجع الحركة السياحية وتتفاقم الأوضاع المعيشية، كشفت الصحيفة أن نوعًا آخر من “الزائرين” ازداد حضوره في كوبا خلال الأشهر الأخيرة، في إشارة إلى عناصر الاستخبارات الأميركية، الذين تقول مصادر داخل الإدارة الأميركية إن واشنطن عززت وجودهم سرًا في الجزيرة.
وبحسب ما أوردته “لا فانغوارديا”، فإن البيت الأبيض رفع مستوى موارده الاستخباراتية في كوبا، بالتزامن مع تصعيد الضغوط على النظام الشيوعي في هافانا، بهدف دفعه إلى الإصلاح أو الرحيل عن السلطة، في مرحلة حساسة تشهد تراجعًا في قدرة الحكومة الكوبية على احتواء الأزمات المتلاحقة.
وتربط الصحيفة بين الأزمة الراهنة في كوبا وبين التداعيات السياسية والإقليمية التي أعقبت سقوط نيكولاس مادورو من رئاسة فنزويلا، الحليف الأبرز لهافانا في المنطقة، مشيرة إلى أن الحصار أو الخنق الطاقي الذي فرضته الولايات المتحدة بعد تلك التطورات ساهم في تعميق نقص الطاقة داخل الجزيرة، ودفع البلاد إلى موجات متكررة من الانقطاع الكهربائي الواسع.
وأضافت الصحيفة الإسبانية أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، «سي آي إيه»، أنشأت على ما يبدو قوة استخباراتية سرية داخل كوبا أو مرتبطة بالعمل على ملفها، في إطار حملة أوسع تستهدف زيادة الضغط على نظام الرئيس ميغيل دياز كانيل، ودفعه في نهاية المطاف إلى تقديم تنازلات كبيرة أو التخلي عن السلطة.
ووفقًا لما نقلته “لا فانغوارديا” عن مصادر في الإدارة الأميركية، فإن الهدف النهائي من هذه التحركات قد يكون فتح الطريق أمام تشكيل حكومة أكثر قربًا من واشنطن، وتحظى بدعم الدوائر السياسية المؤثرة داخل الجالية الكوبية في ولاية فلوريدا، وهي جالية تمتلك وزنًا انتخابيًا وسياسيًا بارزًا في الولايات المتحدة.
وتشير الصحيفة إلى أن نشر هذا النوع من المجموعات الاستخباراتية يهدف إلى منح الوكالة الأميركية قدرة أسرع على التحرك، سواء من حيث التمويل أو العناصر البشرية أو الموارد التقنية، بما يسمح بتنفيذ عمليات أكثر مرونة إذا قررت واشنطن توسيع نطاق الضغط على هافانا.
كما أوضحت “لا فانغوارديا” أن هذه التحركات قد تكون مقدمة لاحتمالات متعددة، تتراوح بين زيادة الجهود الرامية إلى استقطاب مسؤولين كوبيين أو مواطنين معارضين للنظام، وصولًا إلى سيناريوهات أكثر خطورة، من بينها احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية، وإن لم تؤكد الصحيفة وجود قرار بهذا الاتجاه.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من المواجهة بين واشنطن وهافانا. فقد سبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أن أنشأت، عام 1960، وبعد فترة قصيرة من انتصار الثورة التي قادها فيدل كاسترو، قوة عمليات خاصة أشرفت على الغزو الفاشل لكوبا في العام التالي، في العملية المعروفة باسم «خليج الخنازير».
وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة نفذت على مدى عقود أنشطة استخباراتية داخل الجزيرة أو حولها، غير أن عمل وكالة الاستخبارات المركزية وغيرها من الأجهزة الأميركية المرتبطة بالملف الكوبي تعرض لعوائق في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد تقليص عدد الموظفين الأميركيين عقب ما عُرف بـ«حوادث متلازمة هافانا» أو «الهجمات الصوتية» الغامضة التي استهدفت دبلوماسيين ومسؤولين أميركيين.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تبدو فيه كوبا محاصرة بين أزمات داخلية متراكمة وضغط خارجي متصاعد؛ فالانقطاعات الكهربائية المتكررة، وتراجع السياحة، ونقص الطاقة، وتدهور الثقة الاقتصادية، كلها عوامل تجعل المشهد الكوبي مفتوحًا على احتمالات صعبة، بينما تراقب واشنطن التطورات عن قرب وتزيد، وفق الصحيفة الإسبانية، من حضورها الاستخباراتي خلف الكواليس.

