وطن-يتكرر الحديث في مصر عن أن أسعار الكهرباء تعد من بين الأقل مقارنة بالعديد من دول العالم، مستندًا إلى المقارنة المباشرة بين سعر الكيلوواط/ساعة داخل مصر ونظيره في أوروبا أو الولايات المتحدة أو بعض دول الخليج.
لكن هذا الطرح يثير تساؤلات متزايدة بين اقتصاديين ومراقبين، الذين يرون أن مقارنة الأسعار وحدها لا تقدم الصورة الكاملة، وأن المعيار الأكثر دقة هو قدرة المواطن على تحمل تكلفة الفاتورة مقارنة بدخله.
هل يكفي سعر الكيلوواط للحكم على تكلفة الكهرباء؟
يرى مختصون أن مقارنة أسعار الكهرباء بين الدول دون الأخذ في الاعتبار مستويات الدخل والقوة الشرائية قد تؤدي إلى استنتاجات غير مكتملة، إذ إن انخفاض السعر الاسمي لا يعني بالضرورة انخفاض العبء المالي على المواطنين.
وفي هذا السياق، استندت دراسة صادرة عن مركز تكامل مصر إلى معيار مختلف، يقوم على احتساب عدد ساعات العمل التي يحتاجها صاحب الحد الأدنى للأجور لسداد فاتورة كهرباء لاستهلاك يبلغ 200 كيلوواط/ساعة، ثم مقارنة النتيجة بعدد من الدول.
ماذا تقول الدراسة؟
بحسب الدراسة، يحتاج العامل الذي يتقاضى الحد الأدنى للأجور في مصر إلى أكثر من 25 ساعة عمل لتغطية فاتورة استهلاك تبلغ 200 كيلوواط/ساعة، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أيام عمل تقريبًا.
وفي المقابل، تشير المقارنة إلى أن المدة المطلوبة لسداد الفاتورة نفسها تقل بشكل ملحوظ في عدد من الدول الأخرى، إذ تقترب من يوم عمل واحد في الصين، بينما تنخفض أكثر في ماليزيا وفرنسا وبريطانيا وكوريا الجنوبية وتركيا.
أما في بعض دول الخليج، فتظهر الدراسة أن عدد ساعات العمل اللازمة يصبح أقل بكثير، حيث يحتاج صاحب الدخل المحدود في السعودية إلى نحو ساعة ونصف تقريبًا لتغطية الاستهلاك ذاته، فيما تسجل قطر والإمارات مددًا زمنية أقل مقارنة بمصر.
القوة الشرائية معيار مختلف
وتسلط هذه المقارنة الضوء على مفهوم القوة الشرائية، الذي يعتمد على العلاقة بين الأسعار ومستويات الدخل، وليس على الأسعار المجردة فقط.
فقد تبدو سلعة ما منخفضة السعر عند مقارنتها بالأرقام فقط، لكنها تصبح أكثر تكلفة إذا استهلكت نسبة كبيرة من دخل الفرد، وهو ما يجعل تقييم تكلفة المعيشة يعتمد على أكثر من مجرد السعر الرسمي.
الحكومة: الأسعار مدعومة مقارنة بدول كثيرة
في المقابل، تؤكد الحكومة المصرية في مناسبات مختلفة أن أسعار الكهرباء لا تزال أقل من مستوياتها في العديد من الدول، رغم الزيادات التي شهدتها التعرفة خلال السنوات الأخيرة ضمن برنامج إصلاح قطاع الطاقة.
وتشير الحكومة إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء ارتفعت نتيجة زيادة أسعار الوقود وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف التشغيل والاستثمارات في مشروعات إنتاج ونقل الكهرباء، مؤكدة أن الدولة لا تزال تتحمل جزءًا من التكلفة في بعض الشرائح.
الجدل مستمر
ويرى اقتصاديون أن تقييم تكلفة الكهرباء يجب أن يجمع بين عنصرين أساسيين: السعر الرسمي للكيلوواط، ومستوى دخول المواطنين، باعتبار أن الهدف النهائي هو قياس العبء الحقيقي على الأسرة.
وفي المقابل، يرى آخرون أن مقارنة الأسعار بين الدول تحتاج أيضًا إلى مراعاة اختلاف أنظمة الدعم والضرائب ومتوسط الأجور وتكاليف المعيشة، حتى تكون النتائج أكثر دقة وشمولًا.
بين السعر والدخل… أين تكمن الحقيقة؟
ويعيد هذا الجدل طرح سؤال يتكرر مع كل زيادة في أسعار الخدمات الأساسية: هل يكفي أن يكون السعر منخفضًا مقارنة بدول أخرى، أم أن المعيار الحقيقي هو قدرة المواطن على دفع الفاتورة دون أن تشكل عبئًا كبيرًا على دخله؟
وبين الأرقام الرسمية، والدراسات التي تعتمد القوة الشرائية معيارًا للمقارنة، يبقى النقاش مفتوحًا حول الطريقة الأنسب لتقييم تكلفة الكهرباء، وما إذا كان انخفاض السعر الاسمي يعكس بالفعل العبء الاقتصادي الذي تتحمله الأسر المصرية.
اقرأ المزيد
هل يرحل مصطفى مدبولي؟ تصاعد الجدل حول مستقبل رئيس الوزراء المصري وسط الأزمة الاقتصادية
حملة “120 مليون جندي مصري”.. دعم للجيش أم هروب من الأسئلة حول مسيّرة دمياط؟
بعد هدم كشكه.. مصري يشعل النار في جسده ويعيد إلى الأذهان مأساة محمد البوعزيزي
“فلتسقط اللحمة”.. حين يتحول عجز الاقتصاد المصري إلى جدل حول مائدة المواطن

