وطن-تتجه حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تشديد السياسة الجنائية في البلاد، عبر تعديل يغيّر طريقة محاسبة القاصرين ابتداءً من سن 14 عاماً، بالتزامن مع دراسة توسيع نطاق قانون الدفاع الشرعي. وتأتي هذه التحركات في لحظة سياسية حساسة، مع صعود حزب يميني متطرف جديد يقوده الجنرال السابق روبرتو فانّاتشي، ما وضع الائتلاف الحاكم أمام مزايدة سياسية من داخل المعسكر اليميني نفسه.
وقالت صحيفة “لا راثون ” الإسبانية إن الحكومة الإيطالية أدخلت تعديلاً يقر مبدأ افتراض قابلية القاصرين فوق 14 عاماً للمساءلة الجنائية، كما تدرس توسيع حدود قانون الدفاع الشرعي، في محاولة لاحتواء الخطاب المتشدد الذي يتبناه حزب “المستقبل الوطني” الذي أسسه فانّاتشي بعد خروجه من رابطة ماتيو سالفيني.
القضية التي فجّرت الجدل مجدداً تعود إلى ماريو روجيرو، صائغ إيطالي يبلغ من العمر 72 عاماً، أصبح خلال الصيف رمزاً لقطاعات من اليمين الإيطالي بعد صدور حكم نهائي بحقه بالسجن 14 عاماً و9 أشهر، لإطلاقه النار على لصوص حاولوا سرقة متجره عام 2021، ما أدى إلى مقتل اثنين منهم وإصابة ثالث.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، زار ماتيو سالفيني، زعيم حزب الرابطة ونائب رئيس الحكومة، سجن بولاتي في ميلانو مرتين خلال يوليو الماضي لإعلان تضامنه مع روجيرو. وقال أمام الصحفيين إن العقوبة “مبالغ فيها”، مضيفاً أن حزبه يدرس جميع الجوانب القانونية، وأنه سيكون “فخوراً” إذا أمكن إدراج الصائغ ضمن قوائمه الانتخابية.
وأصبح روجيرو، وفق الصحيفة، محور معركة سياسية وقضائية واسعة في إيطاليا. فالحكومة اليمينية تطالب بالعفو عنه، وتبحث في الوقت نفسه توسيع قانون الدفاع الشرعي الذي كان سالفيني قد دفع باتجاهه خلال توليه وزارة الداخلية في مرحلة سابقة.
وكانت المحكمة العليا الإيطالية قد رأت أن الصائغ لم يكن في حالة دفاع مشروع عندما أطلق النار على اللصوص من الخلف أثناء فرارهم في الشارع، بعد أن دخلوا متجره وسرقوه وهددوا أفراد عائلته بمسدسات تبيّن لاحقاً أنها ألعاب وليست أسلحة حقيقية.
لكن روجيرو دافع طوال المحاكمة عن روايته، مؤكداً أنه تصرف بدافع الخوف والهلع، خصوصاً أنه كان قد تعرض لعملية سرقة سابقة داخل المتجر نفسه عام 2015. وأشارت صحيفة “لا راثون ” الإسبانية إلى أن الحكم أثار هجوماً جديداً من جانب حكومة ميلوني على القضاء، في إطار خطاب يتهم القضاة بعدم إنصاف الضحايا.
وفي هذا السياق، رفعت ميلوني سقف المواجهة بإعلان إدراج بند جديد في مشروع قانون الأمن، يمنع من يرتكب جريمة من المطالبة بتعويض إذا تعرض لضرر أثناء تنفيذها. وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية: “من يرتكب الجرائم لا يمكن أن يحصل على تعويض. كفى مفارقات: يهاجمونني، فأدافع عن نفسي”.
غير أن الحكومة لم تكن وحدها في استثمار قضية الصائغ سياسياً. فقد سبقها من جهة أكثر تشدداً روبرتو فانّاتشي، النائب في البرلمان الأوروبي والجنرال السابق في الجيش الإيطالي، الذي غادر حزب الرابطة وأسس حزباً يمينياً متطرفاً باسم “المستقبل الوطني”.
وكشفت الصحيفة الإسبانية أن فانّاتشي تحول إلى أبرز المدافعين عن روجيرو، بعدما ظلت قضيته لسنوات حاضرة في البرامج الحوارية الإيطالية. ورفع شعار “كلنا ماريو روجيرو”، منتقداً قرار القضاء، ومطالباً بمنحه عفواً رئاسياً، وهو إجراء لا يملكه سوى رئيس الجمهورية الإيطالية سيرجيو ماتاريلا.
وقبل دخول البرلمان الإيطالي عطلته الصيفية، قدم حزب “المستقبل الوطني” مشروع قانون سريعاً لتوسيع مفهوم الدفاع الشرعي. ولا يقتصر المقترح على الحالات التي يوجد فيها “خطر قائم” كما ينص القانون الحالي، بل يفتح الباب أمام الاعتداد بما يسميه “الخطر المُدرَك” أو الشعور بالتهديد.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، جاء رد حكومة ميلوني سريعاً، في ظل تراجع شعبيتها في استطلاعات الرأي منذ ظهور حزب فانّاتشي. فبعد يوم واحد فقط، وافقت الحكومة على إصلاح جنائي يغير طريقة التعامل مع القاصرين من سن 14 عاماً، عبر افتراض قدرتهم على إدراك أفعالهم وتحمل المسؤولية الجنائية.
ولا يخفض الإصلاح الجديد سن المسؤولية الجنائية في إيطاليا، لأنها محددة أصلاً عند 14 عاماً، لكنه يغير آلية التقييم القضائي. فحالياً، يتعين على القاضي أن يتحقق في كل قضية على حدة من قدرة القاصر بين 14 و17 عاماً على فهم معنى الجريمة وقت ارتكابها. أما وفق التعديل الجديد، فسيُفترض أن القاصر قادر عموماً على الإدراك، وستقع على الدفاع مهمة إثبات عكس ذلك.
وقالت ميلوني إن الهدف من الإصلاح هو مواجهة جنوح الأحداث وملاحقة من يستغلون القاصرين في تنفيذ الجرائم، “وقبل كل شيء معاقبة أولئك الفتية الذين يعتقدون أنهم يستطيعون فعل ما يريدون لأنهم يعرفون أنه لن يحدث لهم شيء”.
لكن هذه التعديلات أثارت اعتراضات قانونية واسعة. فقد نقلت الصحيفة عن جمعية المحامين الجنائيين في إيطاليا إدانتها لما وصفته بتوظيف العدالة لأغراض سياسية، معربة عن “قلق عميق” من التصعيد المستمر في النقاش العام حول القضايا الجنائية باعتبارها أداة لكسب التأييد الانتخابي.
كما انتقد رئيس الجمعية الإيطالية لقضاة الأحداث والأسرة، كلاوديو كوتاتيلوتشي، الإصلاح المقترح، واعتبره “دعاية سياسية” تقوض المبادئ الأساسية لعدالة الأحداث في إيطاليا، والتي تقوم على إعادة التأهيل لا العقاب. وحذر من أن التعديل يثير “شكوكاً دستورية جدية”، مضيفاً: “لا أرى أي مشكلة ملموسة يحلها هذا الإصلاح”.
ووفق تقرير لمنظمة أنقذوا الأطفال أوردته الصحيفة، فإن عدد قرارات إسقاط القضايا بسبب عدم نضج القاصر المثبت قضائياً تراجع في إيطاليا من 256 حالة عام 2004 إلى 60 حالة فقط عام 2024، فيما لم تُسجل سوى أربع حالات تبرئة على هذا الأساس خلال العام الأخير.
وتظهر هذه الأرقام، بحسب مراقبين، أن الجدل في إيطاليا يتجاوز البعد القانوني إلى صراع سياسي أوسع داخل اليمين، حيث تحاول حكومة جورجيا ميلوني الحفاظ على خطابها الأمني الصارم، من دون ترك مساحة لحزب فانّاتشي كي يقدم نفسه باعتباره الصوت الأكثر تشدداً في قضايا الجريمة والدفاع الشرعي والهجرة والأمن.
اقرأ المزيد
إيطاليا تعلّق العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا على خلفية أزمة الهجرة في سبتة
أزمة دبلوماسية بين ترامب وميلوني بعد قمة G7.. رئيسة وزراء إيطاليا ترد: “إيطاليا لا تتوسل أبداً”
وفاة مهاجر مغربي في إيطاليا أثناء التوقيف.. صرخة “كفى” تعيد شبح جورج فلويد إلى الواجهة

