وطن-أثار مقال بعنوان “فلتسقط اللحمة” للكاتب أسامة الغزالي حرب في صحيفة الأهرام موجة واسعة من الجدل في مصر، بعدما دعا إلى إعادة النظر في المكانة الرمزية التي تحتلها اللحوم في الثقافة الاجتماعية المصرية، معتبراً أن ربط الحياة الكريمة بوجود اللحوم على المائدة أصبح وهماً يجب التخلص منه.
لكن الجدل الذي أثاره المقال تجاوز مسألة الطعام والعادات الغذائية، ليطرح سؤالاً أعمق: هل المشكلة فعلاً في تعلق المصريين باللحوم، أم في اقتصاد جعل شراءها أمراً صعباً على ملايين الأسر؟
فبالنسبة لكثير من المواطنين، لم تُفهم الدعوة إلى “إسقاط اللحمة من العرش” باعتبارها مجرد تغيير في نمط الاستهلاك، بل رأى فيها البعض محاولة لتحويل النقاش من أزمة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى لوم المواطن على تمسكه بعادة غذائية متجذرة.
اللحوم ليست مجرد طعام في الذاكرة المصرية
تحتل اللحوم مكانة خاصة في المجتمع المصري، فهي ليست مجرد مصدر غذاء، بل ترتبط بالمناسبات والأعياد والضيافة والشعور بالقدرة على توفير حياة أفضل للأسرة.
ولهذا فإن غيابها عن موائد الكثير من الأسر لا يُنظر إليه فقط كاختيار غذائي، بل كعلامة على تراجع مستوى المعيشة وتقلص هامش الرفاهية.
فعندما يقول رب أسرة إنه لم يعد قادراً على شراء اللحوم لأطفاله، فإن القضية بالنسبة إليه لا تتعلق بـ”عادة اجتماعية قديمة”، بل بواقع اقتصادي فرض عليه التخلي عن جزء من احتياجاته الأساسية.
هل الحل تقليل الاستهلاك أم معالجة الأزمة؟
يرى مؤيدو فكرة تقليل استهلاك اللحوم أن المجتمعات تتغير، وأن الاعتماد على مصادر غذائية متنوعة قد يكون أكثر صحية واقتصادية.
لكن المنتقدين يؤكدون أن النقاش يجب ألا يبدأ من سؤال: لماذا يحب المصريون اللحوم؟ بل من سؤال: لماذا أصبحت سلعة أساسية بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المواطنين؟
فالمشكلة، بحسب كثير من الأصوات المنتقدة، ليست في رغبة الناس في تناول اللحوم، وإنما في ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وضعف القدرة على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
من “كيلو اللحمة بجنيه” إلى حلم الشراء
يعيد الجدل الحالي إلى الذاكرة المصرية شعارات احتجاجية قديمة ارتبطت بأسعار اللحوم، حين كان المواطنون يعبرون عن غضبهم من ارتفاع تكاليف المعيشة.
واليوم، يعود ملف اللحوم ليصبح مؤشراً على أزمة أوسع تتعلق بالتضخم ومستوى الدخل والعدالة الاجتماعية.
فحين تتحول وجبة كانت جزءاً من الحياة الطبيعية إلى رفاهية نادرة، فإن النقاش لا يعود حول قطعة لحم، بل حول قدرة المواطن على الحفاظ على مستوى معيشي مقبول.
المواطن بين ضغط الأسعار وخطاب التبرير
يرى كثيرون أن تحميل المواطن مسؤولية ارتفاع الأسعار عبر مطالبته بتغيير عاداته الاستهلاكية قد يبعد النقاش عن الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية.
فخفض الطلب على اللحوم قد يكون حلاً فردياً لبعض الأسر، لكنه لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج، وسلاسل التوريد، وانخفاض القوة الشرائية.
ولهذا أصبح شعار “فلتسقط اللحمة” بالنسبة لمنتقديه رمزاً لسؤال أكبر: هل المطلوب من المواطن أن يتخلى عن المزيد من احتياجاته، أم أن السياسات الاقتصادية مطالبة بإيجاد حلول تضمن له حياة أكثر قدرة على الاحتمال؟
لا تقتصر القضية على اللحوم فحسب، بل أصبحت مرآة تعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن المصري.
فالمشكلة ليست أن المصريين يحبون اللحوم، بل أن كثيرين أصبحوا يشعرون بأن شراءها تحول من أمر عادي إلى هدف صعب المنال.
اقرأ المزيد
25 مليون متر مربع.. كيف أصبح محمد العبار أحد أكبر ملاك الأراضي في مصر؟
“المركب بتغرق”.. مقترح محمود عمارة للخروج الآمن للسيسي يفتح جدلاً حول مستقبل مصر
مأساة عروس الإسماعيلية.. كيف تحولت ديون بقيمة 175 ألف جنيه إلى نهاية صادمة هزت مصر؟
فخ الدولار وأسعار صادمة.. كيف أشعل الطرح الأحدث لـ “بيت الوطن” غضب المغتربين المصريين؟

