وطن-تتجه السلطات الهندية في إقليم جامو وكشمير إلى تنفيذ حملة واسعة لمراجعة محتويات المكتبات العامة والمؤسسات التعليمية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين الباحثين والسكان الذين يرون فيها تهديداً جديداً لحرية المعرفة والتعبير في المنطقة.
وأمرت إدارة جامو وكشمير، المعيّنة من قبل الحكومة المركزية في نيودلهي، بإجراء تدقيق شامل لكل الكتب والمجلات والمراجع والمواد التعليمية الورقية والرقمية الموجودة في المدارس والمكتبات، بهدف إزالة أي محتوى تعتبره السلطات “معادياً للوطن” أو “يمجد التطرف والعنف والانفصال”.
وتقول السلطات إن العملية تهدف إلى ضمان عدم تداول مواد تهدد وحدة الهند أو سيادتها، بينما يرى منتقدون أن الحملة تمثل محاولة لإعادة تشكيل الرواية التاريخية والسياسية حول كشمير عبر التحكم في ما يقرأه الطلاب والباحثون.
أزمة بدأت من كتابين في المدارس
جاء قرار التدقيق الشامل بعد اعتراضات من قيادات في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم بزعامة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، على محتوى كتابين كانا قد وُزّعا على أكثر من 250 مدرسة في الإقليم ضمن برنامج حكومي لدعم التعليم.
ويتعلق الأمر بكتابين يتناولان شخصيات تاريخية وثقافية في كشمير، حيث أثار وجود إشارات إلى شخصيات مرتبطة بالحركة الانفصالية غضب مسؤولين في الحزب الحاكم.
واعتبر بعض قادة الحزب أن استخدام مصطلحات مثل “كشمير المحتلة من الهند” أو وصف بعض الشخصيات السياسية بـ”الشهداء” يمثل تهديداً للرواية الرسمية الهندية حول الإقليم.
وعلى إثر ذلك، أوقفت السلطات تداول الكتب، وعلّقت عمل عدد من مسؤولي قطاع التعليم، كما فتحت تحقيقاً حول المؤلفين والناشرين.
منع كتب سياسية وأكاديمية حول كشمير
هذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها السلطات الهندية كتباً مرتبطة بتاريخ كشمير وقضاياها السياسية.
ففي عام 2025، حظرت السلطات عشرات الكتب التي وصفتها بأنها تحتوي على مواد “انفصالية” أو “معادية للدولة”، وشملت القائمة أعمالاً لكتاب وباحثين معروفين تناولوا النزاع الكشميري من زوايا مختلفة.
ومن بين الكتب التي تعرضت للمنع مؤلفات بحثية حول تاريخ الصراع بين الهند وباكستان، ودراسات أكاديمية تناولت قضايا الهوية والسياسة والاستعمار والإدارة الهندية للإقليم.
ويرى باحثون أن استهداف هذه الكتب لا يتعلق فقط بمضمونها، بل بمحاولة تضييق مساحة النقاش الأكاديمي حول واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في جنوب آسيا.
باحثون: الحملة تمحو الذاكرة التاريخية
انتقد عدد من الأكاديميين قرار التدقيق في المكتبات، معتبرين أنه جزء من سياسة أوسع تهدف إلى فرض رواية واحدة حول تاريخ كشمير.
وقالت الباحثة والأستاذة الجامعية آثر زيا إن إزالة ما يسمى بـ”المحتوى المرفوض” ليست إجراءً جديداً، بل استمرار لمسار طويل من الرقابة على المعرفة والأبحاث المتعلقة بالإقليم.
وأضافت أن المجتمعات الصحية فكرياً تحتاج إلى النقاش والاختلاف ودراسة التاريخ من زوايا متعددة، معتبرة أن منع الكتب يؤدي إلى إضعاف التفكير النقدي داخل المؤسسات التعليمية.
كما قال مؤرخون إن الرقابة على الكتب غالباً ما تظهر عندما تخشى السلطات من النقاش العام أو من انتشار روايات مختلفة عن الرواية الرسمية.
المخاوف تمتد إلى المنازل والمكتبات الخاصة
لم تقتصر آثار الحملة على المدارس والمكتبات العامة، بل امتدت إلى الحياة اليومية لسكان كشمير، حيث بدأ بعض الأشخاص بالتخلص من كتبهم الخاصة خوفاً من الملاحقة.
وقال أحد الباحثين في الإقليم إن الرقابة المتزايدة خلقت حالة من الخوف بين القراء، خصوصاً الموظفين الحكوميين الذين يخشون أن تصبح الكتب الموجودة في منازلهم سبباً لمشكلات قانونية.
وأشار إلى أن بعض الكتب كانت جزءاً من مجموعات عائلية قديمة، لكن أصحابها باتوا يترددون في الاحتفاظ بها بسبب المناخ الأمني المتوتر.
كشمير بعد 2019.. تشديد السيطرة على المجال العام
تأتي حملة مراجعة الكتب في سياق أوسع من التوترات التي شهدها إقليم كشمير منذ قرار الحكومة الهندية عام 2019 إلغاء الوضع شبه المستقل الذي كان يتمتع به الإقليم.
ومنذ ذلك القرار، تقول منظمات حقوقية وباحثون إن السلطات شددت الرقابة على الإعلام والنشاط السياسي والحياة الأكاديمية، بينما تؤكد الحكومة الهندية أن إجراءاتها تهدف إلى تعزيز الأمن ومحاربة العنف والانفصال.
ويُعد إقليم كشمير من أكثر المناطق حساسية في العالم، إذ تتنازع الهند وباكستان السيادة عليه منذ تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947، وشهد عقوداً من النزاعات المسلحة والتوترات السياسية.
معركة الرواية.. هل يمكن منع التاريخ؟
يرى منتقدو سياسة حظر الكتب أن منع المؤلفات لا يؤدي إلى اختفاء الحقائق التاريخية، بل قد يزيد من الجدل حولها ويعمق الانقسامات داخل المجتمع.
وقال ناشطون وباحثون إن التاريخ لا يمكن محوه عبر إزالة الكتب من المكتبات، لأن الذاكرة الجماعية للسكان تبقى جزءاً من هوية أي مجتمع.
في المقابل، تدافع السلطات الهندية عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية لحماية الأمن القومي ومنع انتشار الأفكار التي تراها تهديداً لوحدة البلاد.
وبين خطاب الدولة المدافع عن الأمن، ومخاوف الأكاديميين من تراجع حرية البحث، تتحول المكتبات في كشمير إلى ساحة جديدة للصراع حول من يملك حق رواية التاريخ، ومن يحدد حدود المعرفة المسموح بها.
اقرأ المزيد
من مزحة على الإنترنت إلى حركة احتجاجية.. “حزب الصراصير” يربك حكومة ناريندرا مودي
مودي يعلن “تقشف الطاقة” في الهند: وقف شراء الذهب وخفض استهلاك البنزين لمواجهة أزمة هرمز

