وطن-عاد ملف حرية التعبير الفني في المغرب إلى الواجهة بعد اعتقال مغني الراب وصانع الأفلام المغربي مهدي بلاك ويند، واسمه الحقيقي المهدي اليوبي، على خلفية اتهامات مرتبطة بمضمون تعبيره الفني والسياسي، في قضية أثارت تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط الفنية والحقوقية.
وقالت مجلة “نيو لاينز” إن السلطات المغربية وجهت إلى اليوبي تهمة «إهانة مؤسسة دستورية»، وهي تهمة قد تعرضه لعقوبة تصل إلى عامين من السجن في حال إدانته. ووفقاً لما أوردته المجلة، يعد مهدي بلاك ويند رابع مغني راب يتم توقيفه خلال عام واحد في المغرب بسبب قضايا مرتبطة بحرية التعبير أو مضمون الأعمال الفنية.
وكان اليوبي، المقيم في مدينة مرسيليا الفرنسية منذ عام 2017، يستعد لمغادرة الرباط عائداً إلى فرنسا، قبل أن يُمنع من الصعود إلى الطائرة ويتم توقيفه داخل المطار. وبعد ذلك، نُقل إلى مدينة الدار البيضاء، حيث خضع للاستجواب يوم 13 يوليو في مقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
وأضافت مجلة “نيو لاينز” أن مهدي بلاك ويند مثل أمام المحكمة في 15 يوليو، حيث أمر القاضي بإبقائه رهن الاعتقال إلى حين محاكمته، على أن تعقد الجلسة المقبلة في 22 يوليو. وتأتي هذه الإجراءات وسط إضراب عام يخوضه محامون في المغرب احتجاجاً على مشاريع قوانين يقولون إنها تهدد استقلالية مهنة المحاماة، ما قد ينعكس على قدرة اليوبي على الحصول على تمثيل قانوني فعال في محاكمته.
برز اسم مهدي بلاك ويند خلال العقد الماضي بفضل أغانيه ذات الطابع السياسي والاجتماعي، إذ اشتهر بكلمات تنتقد الفساد الحكومي والفوارق الاقتصادية التي يعاني منها المغرب، ولا سيما بين الشباب. وقد جعلته هذه المقاربة الفنية أحد أبرز الأصوات في مشهد الراب المغربي المعارض للسياسات العامة.
وفي إحدى أغانيه بعنوان «عين ميكا»، يقول اليوبي في مقطع يعكس نبرة احتجاجية واضحة: «الخير والسلام، حلمت بالعدالة في بلادي. استيقظت فوجدت الجميع في المروحية يرتدون برادا. أجبت بالقيم. ارمِ شرفك في المزبلة، صلِّ إلى الله وستجد الألم». وتقول مجلة نيو لاينز إن هذا النوع من الكلمات ساهم في ترسيخ صورته كفنان لا يتجنب القضايا الحساسة.
وعقب اعتقاله، وقع عدد من أبرز فناني الراب في المغرب عريضة تطالب بالإفراج الفوري عنه ووقف ملاحقة مغني الراب بسبب أعمالهم الفنية. ومن بين الموقعين أسماء معروفة في الساحة الموسيقية المغربية مثل إلغراند طوطو، وسمول إكس، وستورمي، وختك، ودون بيغ.
وبحسب ما أوردته “نيو لاينز”، فإن اعتقال اليوبي يأتي ضمن مسار متصاعد من الضغوط على فناني الراب في المغرب، خصوصاً أولئك الذين تتناول أعمالهم قضايا سياسية أو اجتماعية حساسة. ويثير هذا المسار، وفقاً للمجلة، تساؤلات متزايدة حول حدود حرية التعبير الفني والسياسي في البلاد.
ومنذ انطلاق احتجاجات «جيل زد 212» في سبتمبر 2025، وهي احتجاجات حملت اسم رمز الاتصال الدولي للمغرب، قاد شباب مغاربة موجة غضب علنية ضد البطالة المرتفعة والوعود الحكومية غير المنجزة. وقد وجد مغنو الراب أنفسهم في قلب هذا الحراك، سواء عبر المشاركة المباشرة في الاحتجاجات أو من خلال إصدار أغانٍ تنتقد أداء الحكومة.
وقالت مجلة “نيو لاينز” إن السلطات المغربية كثفت مراقبتها وملاحقاتها لفنانين ارتبطت أسماؤهم بهذه الاحتجاجات أو قدموا أعمالاً تتضمن انتقادات مباشرة للسلطة. ففي بداية الاحتجاجات، جرى توقيف مغني الراب حمزة رايد، المعروف فنياً باسم «رايد»، بتهم تتعلق بـ«التجمهر غير المرخص» و«التحريض على ارتكاب جرائم باستخدام وسائل إلكترونية». وقد أُفرج عنه لاحقاً، لكنه لا يزال ينتظر المحاكمة.
وفي نوفمبر 2025، اعتقل مغني الراب بوز فلو بتهمة «إهانة هيئة منظمة وموظفين عموميين أثناء أداء مهامهم»، قبل أن يفرج عنه بعد شهر. وفي مارس من العام الجاري، أوقف مغني الراب لحسال بعد انتقاده تطبيع المغرب للعلاقات مع إسرائيل وفساد الحكومة، ليصدر بحقه لاحقاً حكم بالسجن لمدة ثمانية أشهر.
ونقلت مجلة “نيو لاينز” عن مغنية الراب المغربية ختك، التي شاركت في تنظيم جهود الضغط العام في هذه القضايا، قولها إن ما يحدث يعكس محاولة لإسكات الفنانين الذين يجرؤون على تحدي السلطة والأنظمة التي يشعر كثير من المغاربة بأنها خذلتهم.
وقالت ختك للمجلة: «عندما يبدأ الفنانون بالخوف من أن يؤدي بيت شعري أو أغنية إلى الملاحقة أو السجن، فإن الأمر لا يطال فرداً واحداً فقط. إنه يوجه رسالة إلى جيل كامل من المبدعين».
وختك، وهي ابنة ناشط سياسي بارز، ساعدت في جمع توقيعات فنانين معروفين على العريضة المطالبة بإطلاق سراح المهدي اليوبي. وأوضحت أن اعتقاله لم يكن مفاجئاً تماماً، لكنه ترك أثراً قاسياً داخل الوسط الفني المغربي.
وأضافت في حديثها مع “نيو لاينز”: «لطالما أدهشتني شجاعته. لم يصنع الموسيقى لإرضاء الناس أو لتجنب المواضيع الصعبة. كان يتحدث بصدق، حتى عندما كان يعلم أن لذلك عواقب. في أعماقنا، كان كثيرون منا يخشون أن يأتي يوم يدفع فيه ثمن هذا الصدق».
وتشير المجلة إلى أن علاقة السلطات المغربية بموسيقى الراب تبدو معقدة. فبعد سنوات احتاج فيها هذا اللون الموسيقي إلى وقت حتى يحظى بقبول أوسع، أصبح اليوم جزءاً بارزاً من المشهد الفني، وتحظى حفلاته في بعض الأحيان بموافقات رسمية. كما صعد مغنو راب مغاربة إلى منصات كبرى مثل مهرجان موازين السنوي، الذي يحظى بدعم جزئي من جهات رسمية، وكان بعض هؤلاء الفنانين من بين الموقعين على عريضة المطالبة بالإفراج عن اليوبي.
وعلى الرغم من هذا الحضور الجماهيري والمؤسساتي، يبقى الراب في المغرب أحد أكثر أشكال التعبير الفني مباشرة وجرأة في تناول القضايا السياسية والاجتماعية. ولذلك، ترى مجلة نيو لاينز أنه تحول بصورة متزايدة إلى ساحة صدام بين الفنانين والسلطات، حتى في الحالات التي لا تنتهي فيها القضايا بأحكام إدانة.
وبينما ينتظر المهدي اليوبي مصير محاكمته، يبدو أن جزءاً واسعاً من مشهد الراب المغربي يتجه إلى الدفاع عن حقه في التعبير ورفض القيود المفروضة على الكلمات والأغاني. فبالنسبة لهؤلاء الفنانين، لا ينفصل الراب عن جذوره بوصفه فناً احتجاجياً يعكس نبض الشارع ويمنح صوتاً لمن لا يجدون مساحة كافية للتعبير.
اقرأ أيضاً
المغرب يقطع الاتصال عن الأسير الصحراوي نعمة أسفاري مع تدهور صحته بعد 45 يوماً من الإضراب عن الطعام..
الإفراج عن الصحفي المغربي علي المرابط بعد توقيفه.. والتحقيقات مستمرة وسط انتقادات حقوقية
سقط في طنجة بعد 20 عاماً.. المغرب يؤكد توقيف الصحفي علي المرابط على خلفية تقارير منتقدة للنظام

