وطن-تصاعدت في إسرائيل، الأربعاء، موجة قلق سياسي وأمني بعد تقارير أمريكية تحدثت عن موافقة إدارة الرئيس دونالد ترامب على تزويد السعودية ببرنامج نووي مدني، في خطوة اعتبرها سياسيون إسرائيليون تطوراً خطيراً قد ينعكس على ميزان القوى في الشرق الأوسط، ويزيد الضغوط على حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وقالت صحيفتا “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” إن الولايات المتحدة وافقت على منح الرياض اتفاقاً نووياً مدنياً طويل الأمد يمتد لـ30 عاماً، ضمن أحد أبرز الملفات التي دفع بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية. وبحسب ما أوردته الصحيفتان، فإن الاتفاق قد يتيح للسعودية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة، وهو ما أثار حساسية كبيرة داخل إسرائيل.
وتحوّل الملف سريعاً إلى مادة سجال سياسي في تل أبيب، إذ عبّر عدد من قادة المعارضة الإسرائيلية عن مخاوفهم من أن يمس الاتفاق بالمصالح الأمنية لإسرائيل، معتبرين أنه يكشف إخفاقاً جديداً لنتنياهو في إدارة العلاقات مع واشنطن والرياض، وفي منع تحولات استراتيجية قد تؤثر على أمن إسرائيل لعقود.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن سياسيين إسرائيليين قولهم إن البرنامج النووي المدني السعودي قد لا يبقى في حدوده المعلنة، إذ حذر أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني المعارض، من أن البرنامج “سينتهي بأسلحة نووية”، وسيقود إلى “سباق تسلح محموم في الشرق الأوسط بأكمله”.
وأضاف ليبرمان أن على إسرائيل أن تعلن موقفاً واضحاً لا لبس فيه، قائلاً: “سنعارض هذا بقوة”، داعياً إلى تحرك إسرائيلي داخل الكونغرس الأمريكي من أجل عرقلة الاتفاق أو منعه قبل دخوله حيز التنفيذ.
بدوره، وجّه يائير غولان، زعيم حزب “الديمقراطيون” اليساري، انتقادات مباشرة لنتنياهو، معتبراً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “خسر التطبيع مع السعودية، وسمح في الوقت ذاته بقدراتها النووية”. وقال غولان إن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع خطير تصبح فيه السعودية قادرة على امتلاك برنامج نووي غير خاضع للرقابة الكافية.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فقد كانت إسرائيل تنظر لسنوات إلى تطبيع العلاقات مع السعودية باعتباره هدفاً مركزياً في سياستها الخارجية، خصوصاً أنه كان سيمنحها اختراقاً إقليمياً واسعاً دون الحاجة إلى تسوية شاملة مع الفلسطينيين. لكن الرياض أكدت مراراً أنها لن تمضي في التطبيع من دون اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني واضح.
واعتبر غولان أن نتنياهو أضعف إسرائيل عسكرياً وسياسياً، وحوّلها إلى “دولة منبوذة” تراقب من الهامش بينما تتخذ أطراف أخرى قرارات ستؤثر على أمنها لعقود مقبلة. كما انضم بيني غانتس، زعيم حزب “أزرق أبيض” اليميني، إلى منتقدي الحكومة، قائلاً إن الاتفاق المتبلور يضر بأمن إسرائيل، وإن حكومة نتنياهو “المتطرفة” تواصل تفويت الفرص لتغيير الشرق الأوسط.
هرتسوغ يحذر: الانتخابات ليست حرباً أهلية
وفي سياق داخلي لا يقل حساسية، حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، مساء الثلاثاء، من تهديدات قد تمس نزاهة الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر المقبل، مشيراً إلى أن مسؤولين كباراً أبلغوه بوجود مخاطر جدية تستهدف العملية الانتخابية.
وقال هرتسوغ، الذي يعد منصبه بروتوكولياً إلى حد كبير، إن جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” ولجنة الانتخابات المركزية أبلغاه بوجود “تهديدات مختلفة لنزاهة الانتخابات”، بعضها داخلي وبعضها خارجي. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن تحذيرات الرئيس تأتي في وقت تستعد فيه البلاد لحملة انتخابية متوترة وسط انقسامات سياسية ومجتمعية حادة.
وشدد هرتسوغ على أن الانتخابات تمثل اختباراً للديمقراطية الإسرائيلية، كما أنها اختبار لوحدة المجتمع وتماسكه. وقال موجهاً حديثه إلى ممثلي الأحزاب والمرشحين والناشطين: “لا تتجاوزوا الخطوط الحمراء. لا تحولوا المنافسين إلى أعداء”.
وأضاف الرئيس الإسرائيلي أن المجتمع الإسرائيلي يتحمل مسؤولية تاريخية في الحفاظ على نزاهة الانتخابات ومنع الانزلاق نحو صدام داخلي. وكرر في خطابه القصير عبارة لافتة قال فيها إن “الانتخابات ليست حرباً أهلية”، في إشارة إلى مخاوف متزايدة من تصاعد الخطاب العدائي بين المعسكرات السياسية.
وجاءت تصريحات هرتسوغ قبيل يوم “تيشعاه بآف”، وهو يوم صوم يهودي يحيي ذكرى دمار الهيكلين القديمين وفق الرواية الدينية اليهودية. واستحضر الرئيس الإسرائيلي هذا السياق للتحذير من الانقسام الداخلي، قائلاً إن الشعب اليهودي نجح مرتين في إقامة حكم مستقل في أرضه، لكنه فشل في المرتين بسبب الصراعات الداخلية، داعياً الإسرائيليين إلى عدم تكرار أخطاء الماضي.
اتهامات لمسؤول سابق في ملف تراخيص السلاح
وفي ملف أمني داخلي آخر، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن مكتب المدعي العام في إسرائيل يعتزم توجيه اتهامات، بانتظار جلسة استماع، إلى مسؤول سابق رفيع في وزارة الأمن القومي، على خلفية شبهات تتعلق بتوزيع تراخيص سلاح بصورة غير قانونية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن إسرائيل أفيشار، الذي شغل منصب رئيس قسم الأسلحة النارية في وزارة الأمن القومي، يواجه شبهات بالاحتيال وخيانة الأمانة. وكان أفيشار قد استقال في ديسمبر 2023، بعد تحقيق نشرته هآرتس كشف أن الوزارة التي يقودها الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير منحت آلاف تراخيص السلاح خلافاً للأنظمة المعمول بها.
وقالت النيابة العامة الإسرائيلية، وفق ما نقلته هآرتس، إنه في أعقاب هجمات 7 أكتوبر، أصدر أشخاص غير مخولين نحو 23 ألف تصريح سلاح مشروط، إضافة إلى 15 ألف رخصة سلاح نهائية. وأشارت إلى أن بن غفير عيّن 82 “مسؤول ترخيص مؤقتاً” بهدف تسريع الإجراءات.
وأضافت الصحيفة أن هؤلاء المسؤولين الجدد، الذين جاؤوا من دائرة الوزير اليميني المتطرف، تجاهلوا القواعد المتعلقة بالتدريب الإلزامي على إطلاق النار، وهو شرط يفترض استيفاؤه قبل الحصول على رخصة حمل السلاح.
في المقابل، قال محامو أفيشار إن موكلهم استقال من منصبه بسبب “خلاف حاد” مع بن غفير حول توسيع منح تراخيص السلاح في إسرائيل. ووفق ما أوردته هآرتس، فإن بن غفير جعل من تخفيف القيود على حمل السلاح بين اليهود إحدى السياسات الرئيسية له بعد 7 أكتوبر 2023.
وتشير الأرقام التي نشرتها الصحيفة إلى أن وزارة الأمن القومي وزعت نحو 200 ألف رخصة سلاح بين أكتوبر 2023 وسبتمبر 2025. وقبل أكتوبر 2023، كان نحو 170 ألف إسرائيلي يحملون رخصة سلاح، وفق تصريحات بن غفير نفسه، بينما ارتفع العدد منذ بدء ما سماه “إصلاح السلاح” إلى أكثر من 240 ألف مواطن إسرائيلي يحملون تراخيص سلاح ويمتلكون أسلحة نارية.
وكان بن غفير قد دافع عن سياسته في مارس الماضي، أثناء توسيع أهلية الحصول على تراخيص السلاح لتشمل أحياء يهودية في القدس، قائلاً إن سياسته واضحة: “السلاح في اليد الصحيحة ينقذ الأرواح”.
وتأتي هذه الملفات الثلاثة، من البرنامج النووي السعودي إلى تهديدات الانتخابات الإسرائيلية وفضيحة تراخيص السلاح، في لحظة سياسية وأمنية معقدة داخل إسرائيل، حيث يواجه نتنياهو وحكومته انتقادات متزايدة بشأن إدارة الملفات الخارجية والداخلية، وسط مخاوف من تراجع القدرة الإسرائيلية على التأثير في التحولات الإقليمية الكبرى.
قد يعجبك
تقرير: واشنطن توافق على تخصيب اليورانيوم في السعودية دون ضمانات رقابية صارمة

