وطن-دخل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية، بعد تسع ليالٍ متتالية من الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع استراتيجية داخل الجمهورية الإسلامية، في مقابل هجمات إيرانية طالت قواعد أمريكية في المنطقة وأسفرت، خلال الأيام الأخيرة، عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين.
وقالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران قد يبلغ مستوى أكثر خطورة إذا تحولت خطط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الشرق الأوسط إلى خطوات ميدانية فعلية، خصوصاً مع تزايد الحديث داخل واشنطن عن خيارات عسكرية أوسع، من بينها احتمال نشر قوات برية في المنطقة.
وبحسب الصحيفة، نشرت وسائل إعلام أمريكية منذ الأسبوع الماضي تقارير تتحدث عن نقاشات داخل البيت الأبيض بشأن احتمال تنفيذ انتشار بري للقوات الأمريكية، رغم أن ترامب لم يعلن حتى الآن أي نية لتنفيذ غزو واسع النطاق. غير أن الرئيس الأمريكي، وفق ما أوردته الصحيفة، يلوّح بخيار السيطرة على جزيرة خارك، التي تُعد مركزاً بالغ الأهمية لصادرات النفط الإيرانية.
وكان من الصعب، قبل أكثر من شهر بقليل، تخيل عودة المواجهة بين واشنطن وطهران إلى هذا المستوى، بعد توقيع مذكرة تفاهم كان يُفترض أن تفتح الباب أمام إنهاء النزاع بين البلدين. إلا أن صحيفة واشنطن بوست أفادت، بحسب ما نقلته “إل إندبندينتي”، بأن الولايات المتحدة تدرس حالياً حرباً “أوسع”، نقلاً عن مسؤول في الإدارة الأمريكية أشار إلى أن الجيش الأمريكي ليس مستعداً بالكامل لتنفيذ عمليات من هذا النوع.
وفي حديثه إلى صحيفة “إل إندبندينتي”، أعرب جيسون كامبل، الباحث في معهد الشرق الأوسط، عن قلقه من أي قرار أمريكي بالانتقال إلى عمليات برية، محذراً من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى خسائر كبيرة في المعدات والأسلحة، فضلاً عن الخسائر البشرية. وأشار كامبل إلى أن الهجوم الإيراني الذي وقع الجمعة الماضية على قاعدة أمريكية في الأردن، وأسفر عن مقتل ثلاثة جنود أمريكيين، يقدم مثالاً واضحاً على حجم المخاطر.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان شبح التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في الشرق الأوسط، خصوصاً في العراق وأفغانستان. ووفق إحصاء أوردته وكالة أسوشيتد برس، فقد قُتل 17 مقاتلاً أمريكياً منذ بدء النزاع في أواخر فبراير، وهو رقم لا يقترب من خسائر الحروب الكبرى السابقة، لكنه يبقى مؤثراً سياسياً لأنه يتعلق بجنود أمريكيين قُتلوا على أرض أجنبية.
وأضافت صحيفة “إل إندبندينتي” أن هذه الخسائر قد تتحول إلى عامل ضغط داخلي على إدارة ترامب، لا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. وفي هذا السياق، قال المحلل الإسباني الإيراني دانيال باشانده إن ترامب، بخلاف القيادة الإيرانية، أكثر حساسية للتكلفة السياسية للحرب، موضحاً أن عدم تحقيق الأهداف الأمريكية، التي باتت أقل وضوحاً مع مرور الوقت، دفع الرئيس الأمريكي إلى ضخ مزيد من الموارد العسكرية سعياً لتحقيقها.
ويرى باشانده أن استمرار العمليات العسكرية قد يطيل أمد الصراع، ويدفع الطرفين إلى سيناريو حرب طويلة. وبحسب ما نقلته الصحيفة الإسبانية، فإن السلطات الإيرانية قد تكون من بين أكثر الأطراف استفادة من هذا الاحتمال، إذ تستخدم التهديد الخارجي لتعزيز التماسك الداخلي.
وقال المحلل إن الحرب أثبتت، بالنسبة للنظام الإيراني، أنها تعمل كعامل توحيد داخلي، بينما تؤدي المفاوضات في كثير من الأحيان إلى انقسامات داخلية. وأضاف أن الحرس الثوري الإيراني لديه مصلحة في استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة، ما يعني أن استمرار الضربات الأمريكية لا يضمن بالضرورة دفع طهران نحو قبول حل دبلوماسي.
وتابع باشانده أن ترامب يعتقد أن زيادة الضغط العسكري ستمنحه قوة تفاوضية أكبر، غير أن قادة الجمهورية الإسلامية أقل تأثراً بالتكلفة السياسية للحرب، وهو ما يجعل الرهان على الضغط العسكري وحده محفوفاً بالمخاطر.
وعلى المستوى العسكري، حذرت صحيفة “إل إندبندينتي” من أن أي توغل بري أمريكي داخل إيران، حتى لو كان محدود النطاق، قد يضع القوات الأمريكية أمام حرب استنزاف قاسية وغير مسبوقة، وربما ذات نتائج كارثية. فالحرس الثوري، بحسب جيسون كامبل، يدرك جيداً طبيعة بنيته التحتية الحساسة والأهداف التي قد تكون مرشحة لأي عملية أمريكية، وقد أمضى عقوداً في تحصين مواقعه ووضع خطط طوارئ لمثل هذا السيناريو.
ورغم أن وحدات النخبة الأمريكية قد تتمكن، وفق تقدير كامبل، من السيطرة سريعاً على جزيرة خارك النفطية، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ بعد تثبيت الوجود على الأرض. فالقوات الأمريكية ستصبح، في تلك اللحظة، عرضة لهجمات مستمرة وغير تقليدية بالصواريخ والمقذوفات، بعضها قادر على تجاوز أنظمة الدفاع الجوي المتطورة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحفاظ على مثل هذا الانتشار العسكري سيتطلب جهداً لوجستياً ضخماً في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وإعادة الإمداد. وهذا من شأنه أن يزيد الخسائر القتالية بين الجنود الأمريكيين، ويؤدي في الوقت نفسه إلى استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر الدقيقة لدى الجيش الأمريكي.
وعلى الصعيد العالمي، قد يضطر البنتاغون إلى تركيز جزء كبير من قوته النارية في الشرق الأوسط، ما يعني تراجع الاهتمام بمناطق أخرى كانت تُصنف، قبل اندلاع هذه الحرب، ضمن أولويات استراتيجية الأمن والدفاع الوطني الأمريكية. ونقلت “إل إندبندينتي” عن كامبل قوله إن هناك درجة كبيرة من عدم اليقين حول ما إذا كانت أي عملية برية يمكن أن تحقق النتيجة الاستراتيجية المطلوبة.
ولا تتوقف المعضلة عند حدود ساحة القتال داخل إيران، إذ تكمن إحدى أكبر المشكلات في غياب بنية تحتية آمنة يمكن الاعتماد عليها. فقد أظهرت الهجمات الإيرانية الأخيرة أن التحصينات الأمريكية داخل قواعد واشنطن في المنطقة ليست كافية لحماية قوافل كبيرة أو انتشار واسع النطاق.
وبحسب ما أوردته الصحيفة الإسبانية، يضاف إلى ذلك تزايد امتعاض بعض حلفاء الولايات المتحدة في الخليج من غياب مسار واضح لخفض التصعيد. ويرى كامبل أنه ليس من المستبعد أن ترفض دول خليجية استضافة “عشرات الآلاف من الجنود” على أراضيها، خشية أن تتحول إلى أهداف مباشرة لردود إيرانية.
وفي ظل غياب قواعد دعم آمنة، ومواجهة خصم مستعد لخوض حرب استنزاف طويلة، تبدو فرص تحقيق نصر استراتيجي أمريكي على الأرض غامضة للغاية. ومع استمرار الضربات المتبادلة، يبقى الشرق الأوسط أمام لحظة شديدة الخطورة، قد تحدد ما إذا كان التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران سيظل محصوراً في الضربات الجوية والهجمات الصاروخية، أم سينزلق إلى حرب أوسع يصعب التحكم في مسارها وتداعياتها.
اقرأ أيضاً
الحرب تتوسع.. إيران تضرب قواعد أمريكية في البحرين والكويت والأردن وتُبقي مضيق هرمز مغلقًا

