وطن-في غزة، حيث تضيق الحياة على الناس وتثقل الحرب تفاصيل اليوم، تحولت مباريات كأس العالم إلى نافذة صغيرة على الفرح. لم تكن كرة القدم مجرد لعبة تُتابع على شاشات متواضعة، بل صارت مناسبة نادرة يتجمع حولها الأطفال والكبار، بحثاً عن لحظات تنسيهم قسوة الواقع ولو مؤقتاً.
قالت صحيفة “نيويورك تايمز”، في شهادة إنسانية من داخل القطاع، إن مشاهد متابعة كأس العالم في غزة بدت كأنها مقاومة صامتة للحزن. تحت شاشة تلفاز صغيرة وُضعت فوق ثلاجة مليئة بالمشروبات الغازية والعصائر، تجمع أطفال داخل بقالة ضيقة في أحد الأحياء، يحدقون في الشاشة بعيون تلمع من انعكاس الضوء. وعلى مسافة قريبة، افترش آخرون الشارع أمام شاشة كبيرة عُرضت عليها المباراة، بينما جلس رجل مسن داخل خيمته ممسكاً براديو صغير قرب أذنه، يحاول التقاط صوت المعلق وسط الضجيج.
وعلى مدى شهر كامل، كما أوردت الصحيفة، امتلأت زوايا كثيرة في غزة بالهتافات والتصفيق والصفير. كانت لحظات قصيرة لكنها ثقيلة المعنى، تذكّر السكان بأن الحياة، رغم كل شيء، لا تزال ممكنة، وأنهم ما زالوا قادرين على الفرح. لم يكن أحد يتوقع أن تأتي هذه المساحة من البهجة من بطولة كروية، لكن كأس العالم منح الناس استراحة عابرة من أصوات الحرب ومن صراع الحياة اليومية.
ومع تقدم البطولة، لم تعد المباريات مجرد تسعين دقيقة عابرة. صارت جزءاً من إيقاع اليوم في غزة. ينتظرها الناس بحماس، وتُفتح النوافذ على أصوات المشجعين في المقاهي القريبة. ومع كل هدف، يتصاعد التصفيق، وتعلو أصوات الطبول والضحكات، كأن المدينة تستعيد شيئاً من ذاكرتها القديمة.
وأضافت صحيفة “نيويورك تايمز” أن ما جعل هذه التجمعات مختلفة لم يكن مستوى اللعب فقط، بل الفرح الذي صاحبها. فقد أعادت مباريات كأس العالم إلى سكان غزة شعوراً قديماً بالحياة المشتركة، بشيء كانوا يحبونه ويفتقدونه. كانت كرة القدم تُخرج من تحت الركام جزءاً من النفس التي أنهكتها التجارب القاسية.
ومن بين كل المباريات، بقيت مباراة مصر والأرجنتين الأكثر تأثيراً في الذاكرة. كانت ليلة عاطفية لا تُنسى. أُعدّ الفشار كما لو أن البيت يستعد لاحتفال، ومع بداية المباراة ارتفع النشيد الوطني المصري: “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي”. في تلك اللحظة، لم يكن النشيد يبدو خاصاً بدولة أخرى فقط، بل أيقظ شعوراً أوسع بالانتماء، وكأن غزة لا تزال جزءاً من حكاية عربية أكبر.
وعندما سجل المنتخب المصري هدفه الأول، عاد شيء صغير من الأمل. للحظة، بدا ممكناً أن يحدث أمر مختلف، وأن يبتعد الناس قليلاً عن إحساس الهزيمة والانكسار الذي رافقهم طويلاً. وبحسب ما نقلته الصحيفة، لم تكن الفرحة متعلقة بكرة القدم وحدها، بل بإمكانية أن يرى الناس نهاية مغايرة لما اعتادوه.
خلال الاستراحة بين الشوطين، وقفت صاحبة الشهادة قرب النافذة تراقب غروب الشمس من شقة صغيرة في الطابق الرابع. مرّ نسيم خفيف، وشعرت بشيء من الخفة. كانت تفاصيل عادية جداً، لكنها في غزة باتت نادرة إلى حد يجعلها ثمينة؛ هواء لطيف، ضوء هادئ، ولحظة لا تطاردها الفجائع.
ثم جاء الهدف الثاني لمصر. بدا الأمر كأن شيئاً استثنائياً يحدث. أُعيدت اللقطة على الشاشة، ارتفع صوت المعلق، ووصلت هتافات الشارع إلى داخل البيت. في تلك اللحظة، كما تكشف الصحيفة، بدا مدهشاً أن يبقى لدى الناس كل هذا العطش للفرح بعد كل ما مروا به من معاناة.
وقبل نهاية المباراة بأكثر من 15 دقيقة بقليل، انقطعت الكهرباء، وانقطع معها الإنترنت. لم يكن ذلك حدثاً جديداً على سكان غزة، فقد اعتادوا انقطاع التيار حتى قبل الحرب. ومع ذلك، أقنعت صاحبة الشهادة نفسها بأنها شاهدت أهم لحظات المباراة، وأن النهاية لا بد أن تكون سعيدة. ذهبت إلى النوم وهي تعتقد أن مصر فازت.
في الصباح، اكتشفت أن النتيجة لم تكن كذلك. لكن ما بقي من تلك الليلة لم يكن النتيجة النهائية، بل الإحساس بأنها استعادت شيئاً افتقدته منذ زمن طويل. فالمباراة لم تمنحها انتصاراً رياضياً، لكنها منحتها شعوراً مؤقتاً بالنجاة من ثقل الواقع.
وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” إن في مباريات كأس العالم سراً غامضاً يتجاوز حدود الملعب. فهي قادرة على جعل كوكب مضطرب ومنقسم ينبض، ولو للحظات، بإيقاع واحد. تجمع غرباء لا يعرف بعضهم بعضاً، فيفرحون معاً عند تسجيل هدف، ويحزنون معاً عند الخسارة.
هذا الطقس الرياضي العالمي يذكّر الناس بأنهم متشابهون في حاجتهم إلى الفرح، وفي خوفهم من الخسارة، وفي بحثهم الدائم عن بطل يأخذهم بعيداً، ولو مؤقتاً، عن أحلام مكسورة. وفي غزة تحديداً، حملت مباريات كأس العالم معنى مضاعفاً، لأنها فتحت نافذة على عالم لا تحكمه الحرب وحدها.
وعلى الرغم من الانتقادات التي رافقت البطولة وخيبات الأمل التي صاحبت بعض نتائجها، فإن المباريات منحت الناس سبباً حقيقياً للتجمع والضحك والشعور بما هو أبعد من مجرد البقاء على قيد الحياة. كانت ليالي فوز مصر أو المغرب، كما أوردت الصحيفة، لحظات خاصة في القطاع، حتى وإن لم يبلغ المنتخبان الأدوار النهائية.
في تلك الليالي، شعر الناس أن الهزيمة ليست قدراً دائماً، وأن الانكسار لا يجب أن يتحول إلى جزء طبيعي من الحياة. كان الأمل، حتى لو كان مؤقتاً، هو القوة الوحيدة المتبقية التي تدفعهم إلى تخيل عالم يمكن أن تتحقق فيه الأحلام.
كأس العالم لن يغيّر الواقع في غزة، ولن يوقف حرباً، كما تؤكد الشهادة التي نشرتها نيويورك تايمز. لكنه خلال تلك الأسابيع أعاد إلى الناس شيئاً كانوا يفتقدونه: مقاهي ممتلئة بالحياة، أحاديث عن الخطط والنتائج والتحليل، ضحكات بين الأصدقاء، وتجمعات عائلية حول شاشة صغيرة أو كبيرة.
في قلب الدمار، بدا أن ثقل الحياة يمكن أن يصبح أخف للحظات، وأن العالم لا يزال يتسع لشيء غير الفقد والحزن. وربما كان ذلك كافياً ليؤمن الناس، ولو قليلاً، بأنهم يستطيعون يوماً ما كتابة حكاية أخرى بعيدة عن المأساة، حكاية تشبه قصص ما قبل النوم التي تُروى للأطفال كي يغمضوا أعينهم بسلام.
اقرأ أيضاً
إسبانيا تعانق المجد العالمي.. هدف قاتل يحطم حلم الأرجنتين
ليست كرة قدم فقط.. لماذا أصبح منتخب إسبانيا “منتخب القلوب” عربيًا؟
لماذا تشجع إيران إسبانيا في نهائي كأس العالم؟ السياسة تقتحم مواجهة الأرجنتين

