وطن-أعادت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران فتح نقاش قديم داخل واشنطن حول حدود الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في حماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، لا سيما بعد أشهر من المواجهات التي هزت استقرار المنطقة، وأثرت في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.
وقالت صحيفة “أتالايار” الإسبانية، في مقال للكاتبة كارمن غيخوسا، إن دوائر سياسية واقتصادية أمريكية بدأت تدفع باتجاه إعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، بحيث لا تظل محصورة في الردع العسكري والتحالفات الأمنية، بل تمتد إلى أدوات أكثر استدامة، تقوم على الاستثمار والتنمية الاقتصادية وبناء شراكات قوية مع القطاع الخاص.
وترتكز هذه الرؤية على قناعة متنامية داخل بعض مراكز القرار الأمريكية بأن القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، قادرة على فرض وقائع ميدانية أو تحقيق مكاسب تكتيكية، لكنها لا تكفي وحدها لبناء نفوذ طويل الأمد، ولا لمعالجة الأسباب الاقتصادية والسياسية التي تغذي عدم الاستقرار في المنطقة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، يرى المدافعون عن هذا التوجه أن الوقت قد حان للانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة الاستثمار في الاستقرار، عبر بناء أدوات نفوذ ناعمة قادرة على خلق مصالح مشتركة بين واشنطن وحلفائها، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة العسكرية عند تفجر الأزمات.
وفي هذا السياق، تبرز التجربة المصرية باعتبارها نموذجاً يمكن البناء عليه. فبعد الاضطرابات التي شهدتها مصر عقب ثورة 2011، أطلق الكونغرس الأمريكي ما يعرف بـ«الصندوق المصري الأمريكي للمشروعات»، بهدف دعم القطاع الخاص المصري، انطلاقاً من أن تقوية الاقتصاد المحلي تمثل ركيزة أساسية للاستقرار السياسي والأمني.
وأضافت صحيفة “أتالايار” أن هذا الصندوق اختلف عن النهج التقليدي للمساعدات الحكومية، إذ تبنى فلسفة قائمة على الاستثمار المباشر في شركات خاصة تمتلك فرصاً للنمو، مع الاعتماد على خبرات محلية في اختيار المشروعات وإدارتها، بدلاً من فرض تصورات جاهزة من الخارج.
وكانت الفكرة الأساسية وراء هذا النموذج أن المستثمرين المحليين أكثر قدرة على فهم احتياجات السوق والتعامل مع تقلباته، مقارنة بالخبراء الأجانب الذين قد يفتقرون إلى المعرفة الدقيقة بالتفاصيل الاقتصادية والاجتماعية في البلد المستهدف.
وتشير الأرقام المنشورة، وفق الصحيفة الإسبانية، إلى أن الصندوق حقق نتائج لافتة رغم التحديات الكبيرة التي واجهها الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها تراجع قيمة العملة المحلية بأكثر من 80% منذ عام 2016، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والإقليمية المتلاحقة.
وكشفت الصحيفة أن الصندوق نجح في مضاعفة قيمة التمويل الذي وفره الكونغرس تقريباً، وأصبح واحداً من أكبر المستثمرين المدعومين من الولايات المتحدة في مصر، كما ساهم في خلق عشرات الآلاف من فرص العمل، وهو ما اعتبره مؤيدو التجربة دليلاً على قدرة الاستثمار في القطاع الخاص على التحول إلى أداة مؤثرة في السياسة الخارجية الأمريكية.
وتتجلى أبرز قصص النجاح في استثمارات الصندوق داخل قطاعات التكنولوجيا والخدمات المالية، وعلى رأسها الاستثمار في شركة المدفوعات الإلكترونية «فوري»، التي توسعت خلال السنوات الماضية لتقديم خدماتها لعشرات الملايين من المصريين.
كما شملت التجربة، بحسب ما أوردته “أتالايار”، استثمارات أخرى في قطاع التمويل الاستهلاكي، ما ساعد على توسيع نطاق الشمول المالي وإتاحة الخدمات المالية لشرائح من السكان كانت خارج المنظومة المصرفية التقليدية.
ولا ينظر أنصار هذا النموذج إلى تلك النتائج بوصفها نجاحاً مالياً فقط، بل باعتبارها مؤشراً على أن تنمية القطاع الخاص يمكن أن تتحول إلى أداة استراتيجية ضمن السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصاً في مناطق تعاني من هشاشة اقتصادية وسياسية.
ومن هذا المنطلق، ترى دوائر أمريكية أن واشنطن تستطيع، بدلاً من الاعتماد الحصري على المساعدات أو التدخلات العسكرية، بناء شراكات اقتصادية تعزز الاستقرار وتخلق مصالح متبادلة مع الدول الحليفة، بما يرسخ النفوذ الأمريكي بطريقة أكثر استدامة وأقل كلفة.
وقالت الصحيفة إن هذه الدعوات تأتي في توقيت تعيد فيه الإدارة الأمريكية تقييم أدواتها في الشرق الأوسط، بعد أن أظهرت الحرب مع إيران أن التكلفة العسكرية والاقتصادية للصراعات المفتوحة باتت مرتفعة للغاية، ليس فقط على الولايات المتحدة، بل أيضاً على حلفائها وعلى الاقتصاد العالمي.
فالحرب لم تؤد إلى اضطرابات أمنية فحسب، بل تركت آثاراً مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد والتجارة الدولية، الأمر الذي دفع إلى البحث عن مقاربات تقلل احتمالات تكرار الأزمات، وتمنح واشنطن أدوات تأثير لا تقوم فقط على القوة الصلبة.
وفي هذا الإطار، بدأت الإدارة الأمريكية بالفعل اتخاذ خطوات لتوسيع هذا النموذج، إذ يتضمن مشروع موازنة عام 2027 مقترحاً يمنحها صلاحيات أوسع لإنشاء صناديق استثمار جديدة في دول أخرى، على غرار التجربة المصرية.
وبحسب “أتالايار”، يعكس هذا التوجه رغبة متزايدة في توظيف الاستثمار الخاص كأداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية، بحيث يصبح تعزيز القطاع الخاص جزءاً من استراتيجية الدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ومناطق أخرى.
غير أن مؤيدي هذا التصور يشددون على أن نجاح التجربة لا يرتبط بضخ الأموال وحده، بل بطريقة إدارة تلك الأموال. فهم يدعون إلى إنشاء مجالس إدارة مستقلة تضم خبراء استثمار من الولايات المتحدة والدول المضيفة، مع الاعتماد على مؤسسات محلية تمتلك معرفة فعلية بالأسواق.
كما يؤكدون أهمية وضع قواعد صارمة للشفافية والرقابة، بما يضمن حماية المال العام وتحقيق أفضل عائد ممكن، سواء على مستوى الاستثمار أو على مستوى الأثر الاقتصادي والاجتماعي في الدول المستفيدة.
وترى الصحيفة أن الاستثمار في القطاع الخاص يخلق حوافز مختلفة عن برامج المساعدات التقليدية، لأن أرباح مديري الصناديق ترتبط بنجاح الشركات التي يستثمرون فيها، ما يدفعهم إلى اختيار المشروعات الأكثر قدرة على النمو والاستمرار.
وفي نهاية المطاف، يمكن لهذا النهج أن يؤدي إلى بناء شركات أقوى واقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الصدمات، وهو ما يخدم هدف الاستقرار الذي تسعى إليه واشنطن، دون الحاجة الدائمة إلى التدخل العسكري أو إدارة الأزمات من الخارج.
ومع أن هذا النموذج لا يقدم بديلاً كاملاً عن الأدوات الأمنية والعسكرية، فإنه يطرح رؤية مختلفة لطبيعة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فبدلاً من حصر الحضور الأمريكي في القواعد العسكرية وصفقات السلاح، يمكن توسيعه عبر شراكات اقتصادية طويلة الأمد تقوم على الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
وتخلص صحيفة “أتالايار” الإسبانية إلى أن الدعوات لاعتماد مقاربة جديدة في الشرق الأوسط تعكس تغيراً في تفكير بعض الدوائر الأمريكية، يقوم على أن النفوذ المستدام لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً بقدرة الولايات المتحدة على المساهمة في بناء اقتصادات أكثر استقراراً، وتعزيز دور القطاع الخاص، وربط مصالحها الاستراتيجية باحتياجات التنمية في المنطقة.
وبحسب المدافعين عن هذا الاتجاه، فإن الاستثمارات الاقتصادية قد تكون في المرحلة المقبلة أكثر فاعلية من التدخلات العسكرية في ضمان حضور أمريكي طويل الأمد في الشرق الأوسط، خاصة في ظل ارتفاع كلفة الصراعات وتراجع قدرة القوة الصلبة وحدها على إنتاج الاستقرار.
اقرأ أيضاً
ضربات أمريكية تزلزل جنوب إيران وطهران تشعل جبهات الخليج بالطائرات المسيّرة والصواريخ!

