العراق بين الأمس واليوم

قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في سورة القصص/ 51((وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ))

من المؤسف ان الكثير من العراقيين لا يعرفون الكثير عن تأريخ بلدهم، فعراق الإحتلال هو غير العراق الوطني، والعراق الجمهوري هو غير العراق الملكي، والعراق العثماني هو غير العراق الأمريكي ـ الفارسي. من الطبيعي أن تتغير أحوال البلد خلال عشرة 10 ـ 20 عام أو أكثر، لذلك نلاحظ ان دول العالم المتحضر والمتخلف أيضا تقوم بعملية إحصاء سكاني لمعرفة التغيرات الديموغرافية التي تطرأ على البلد، والتي على ضوئها يتم وضع الخطط الإقتصادية والثقافية والإجتماعية وغيرها من مقدرات الأمم. لكن الغريب في الأمر ان العراق يسير عكس التيار، بدلا من التقدم ولو تقدم السلحفاة للأمام، فأن البلد يتراجع كالأرنب بشكل مخيف الى الخلف، وهذه حالة شاذة في تأريخ الأمم، صحيح ان الحروب لها دور كبير في تراجع البلدان، سيما ان العراق خلال عقدين خاض ثلاثة حروب وحصار ظالم خانق يتنافى مع كل القيم الإنسانية، لكن مع هذا خلال عقود قليلة تسترد الأمم عافيتها بعد الحروب، سيما اذا لم يمس الإنسان الخراب، لأن كل شيء يمكن تعميره الا الإنسان، إذا خرب الإنسان خرب البلد بكل مقدراته، وقد خرب الإنسان في العراق، فخرب كل شيء.

لاحظ كيف تمكنت الأمم التي خاضت الحربين العالميتين من النهوض من كبوتها الكبيرة مجددا  وعادت بقوة أكبر مما كانت عليه الى الساحة الدولية، وأبسط مثال على ذلك المانيا ودول المنظومة الإشتراكية السابقة. لو إطلع أحد على الدمار الذي لحق بهذه الدول سيجد فعلا انها معجزة بشرية ان تنهض هذه البلدان مرة اخرى خلال عقدين من الزمان. صحيح أن مشروع مارشال ساعد دول أوربا على النهوض من كبوتها، لكن ليس بالمال وحده نتنهض الأمم، وإنما بإرادة الشعوب والعلم والصمود والتحدي وحب الوطن، وهذا ما تفتقر اليه أو الى بعضه الدول المتخلفة ومنها العراق.

العراق الذي كانت فيه أول جامعة في العالم وهي الجامعة المستنصرية، وكانت الأمم ترسل طلابها للحصول على المزيد من المعارف والعلوم في العهد العباسي الأول، اليوم لا توجد جامعة عراقية واحدة معترف بها او تحتل رتبة عالمية من بعد الألف بين آلاف الجامعات في العالم. العراق الذي حصل على شكر وتقدير من اليونسكو بعد الحملة الرائعة ضد الأمية، يضم اليوم اكثر من (7) مليون أمي ومتسرب من الدراسة الإبتدائية بإعتراف وزارة التربية.

العراق الذي كان يصدر الحنطة والشعير والتمور والإسمنت والفوسفات الى دول العالم، اليوم يستورد هذه المواد وغيرها من بقية الدول. قال ابن بطوطة في رحلته الشهيرة ” البصرة ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة، توفر قسمها من النضارة والخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج والعذب وليس في الدنيا أكثر نخلاً منها فيباع التمر في سوقها بحساب أربعة عشر رطلاً عراقية بدرهم ودرهمهم ثلث النقرة، ولقد بعث إلى قاضيها حجة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلف فأردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمال منها ثلثها عن أجرة حملها من المزرعة إلى السوق”. (رحلة ابن بطوطة1/141). وذكر ياقوت الحموي عن بعقوبه” قرية كبيرة كالمدينة، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، وهي كثيرة الأنهار والبساتين، واسعة الفواكه متكاثفة النخل، وبها رطب وليمون، يضرب بحسنها وجودتها المثل”. (معجم البلدان1/453). وذكر ابراهيم حلمي العمر عن العراق في أواخر العهد العثماني” أن البصرة وحدها تصدر من التمرإلى أوروبا والهند ما لا يقل ثمنه سنوياً عن خمسة ملايين ليرة، هذا غير صادراتها من الأرز والقمح والشعير والدخن والذرة وغيرها من الحبوب والأثمار. واليوم البصراويون يأكلون التمر المستورد من أمهم الروحية ايران.

أما الموصل فقد كانت أخصب رقعة في هذا المُلك الواسع، ويقول الخبراء أن مزارعها وفيرة جداً حتى فاقت قونية وأزمير، فمساحتها لا تقل عن تسعة ملايين دونم. والشعب فيها شعب تجارة وزراعة، واليوم الموصل تنعق في خرائبها ميليشيات الحشد الشعبي. وكذلك” أربيل التي لها تاريخ مجيد، ومجد تليد ومنها يصدر الجبن والعسل والتين والجوز والزبيب والفستق والبندق”. (مجلة المقتبس4/11).

ما يزال فيلم عراقي على اليوتوب يدمر أعصابي كلما شاهدته، يظهر فيه ضابط عراقي برتبة رائد وبمعيته شراذم بشرية بملابس عسكرية وهم يحرقون البساتين بمشاعل في أيديهم في محافظة صلاح الدين، علاوة على افلام التجريف في اطراف بغداد كالطارمية والمحمودية وغيرها من مناطق أهل السنة، مشاهد تدمي قلب كل مواطن عراقي شريف. أتذكرون كيف قام العدو الإيراني بحرق بساتين العراق خلال حربه على العراق؟ وكيف تغنى العراقيون بأغنية (غالي بستانك يا حمود)، الذي حرق البساتين في كلا الحالين عدو أو عميل لإيران، والقصد هو جعل العراق مستوردا للمحاصيل والمنتجات الإيرانية.

كان العراق يقدم المساعدات المالية والعينية للدول الشقيقة وغير الشقيقة، وبدأت المساعدات منذ تعهد رئيس الوزراء العراقي الفريق طاهر يحي في 17/6/1964 للإمارات العربية بدعمها لتحسين أوضاعها الإجتماعية والثقافية والصحية، ونستذكر مقولة الشيخ زايد حكيم العرب رحمه الله بأنه سيجعل من الامارات مثل البصرة او ((بصرة ثانية)) بأقل من عشرين عاماً! أنظر حال الإمارات وحال البصرة، بل حال العراق كله!

العجيب في الأمر أنه منذ اكثر من عشرة قرون يشرب أهل البصرة وهم من دعاة المظلومية نفس الماء العكر، دون أن يضعوا حدا لهذه المهزلة التأريخية، كما فعلت حكومة الكويت بإنشاء محطتين لتصفيه ماء البحر وجعله عذبا فراتا!

قال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي يصور الحال:

لهف نفسي على المقام ببغداد    وشربي من مـــــاء كوز بثلج

نحن بالبصرة الذميمة نسقي      شرّ سقيا، من مائها الأترنجي

أصفر منكر ثقيل غليــــــظ       خاثر مثل حقنــــــــة القولنج

كيف نرضى بمائها، وبخير      منه في كنف أرضنا نستنجي   

(معجم البلدان1/437).

وعن كربلاء جاء في مجلة المقتبس” تقدر الأرض المزروعة في كربلاء بـ 336569 فدان وحاصلاتها عبارة عن القمح والشعير والعدس والذرة والأرز، وفي كربلاء بساتين كثيرة فيها النخيل. وأهلها يعنون عناية عظيمة بزراعته، وهم خبيرون بما يعودون عليه بالجودة ونمو الثمر. والتمر عندهم من المعايش الثانوية بعد القمح. وليس فيه شيء إلا وله منفعة واستعمال عندهم. وقد بلغ من عنايتهم بالنخل أن طول جذع النخلة في بعض بساتينهم ربما تجاوز 68 قدماً وطول سعفها اثنتي عشرة قدماً. وجاء في الإحصائيات الأخيرة الرسمية أن غلة التمر في لواء كربلاء تقدر سنوياً بثلاثين ألف طن. وهي كمية وافرة تدل عَلَى ما وصلت وهي كمية وافرة تدل عَلَى ما وصلت إليه كربلاء من الرقي والتقدم المادي في عالم الزراعة. وحيواناتها الأهلية كثيرة. ويولد في كربلاء كل سنة من البقر 42000 ومن الجاموس 20000 ومن الخيل 15000 ومن الحمير 18000 ومن البغال 16000 ومن الجمال20000 ومن الأغنام وسائر الماشية 500000 والمحصولات عَلَى كثرتها لا تكاد تسد عوز السكان لكثرة المختلفين إليها”. (مجلة المقتبس الجزء81/27 السنة 1912). واليوم كربلاء قضاء او ناحية تابع لنظام الملالي، تتنتشر فيه صور الأب الروحي لهم الخميني والخامنئي.

قارن بين عراق الأمس وعراق اليوم لتعرف مستوى الإنحدار الذي وصلنا اليه على يد عملاء ايران والأحزاب الإسلامية التي ينطبق عليها المثل العربي” أكفر من سلم المغني الذي باع المصحف واشترى الدف”، انه الشاعر الملقب بسلم الخاسر، لقب بذلك لأنه باع المصحف الذي ورثه عن أبيه واشترى بثمنه طنبورا”. (أمثال العوام2/116).

علي الكاش

قد يعجبك ايضا

التعليقات تخضع للمراجعة قبل النشر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.