مَرّ على المملكة زمن يُستدَل فيه على ملامحها من خلال شخصية وملامح الأمير () ، والآن فإن الوزير () هو الذي يعكس بدقة متناهية صورة المملكة ، وهذه مفارقة جسيمة جسامة الإنطباع المريع الذي ستتركه فيك مقارنتك (الظالمة) بين هذين الإسمين .

 

وسواءً إتفقت أو إختلفت مع نهج وزير الخارجية السعودية المرحوم سعود الفيصل فإنك لا تستطيع إلا أن تكن لشخصه الإحترام ، فحتى الأقوياء من خصومه كانوا يجدون فيه نداً كفوءً ومعتبراً ووازناً ، والحديث هنا يتعدى مهمته الرسمية كوزير للخارجية إلى شخصيته الكاريزمية ، وكيف أنها كانت ذات حضور كبير قوامه الرزانة والجدّية والكياسة واللباقة والحنكة الدبلوماسية ، ولنا أن نسجل له أنه حتى في أشد أيامه مرضاً لم يعجز عن تمثيل بلده خير تمثيل ، وبإختصار شديد فقد إستحق سعود الفيصل بسيرته المتميزة أن يكون رمزاً وعنواناً لمرحلة سعودية كاملة امتدت لأربعة عقود .

 

أما الآن ، فهي محض مجازفة لا منطقية أن نسترشد بالوزير عادل الجبير إذا أردنا سعودياً تقييم مرحلة ما بعد سعود الفيصل ، ذلك لأنه كمن دُفع عنوة إلى الظل ، ولا مكانة له لا بالعير ولا بالنفير ينزوي ممثل الخارجية السعودية عادل الجبير في قوقعة التهميش دون أي شأن له على الإطلاق بصورة بلده ، سلباً أو إيجاباً ، شكلا أو مضموناً ، وهذا في الواقع لا يعود إلى فقر في شخصيته حتى وإن كانت هذه لا تنطوي حقيقة على عُشرِ كاريزمية سعود الفيصل ، ولكنه يعود إلى تراجع المكانة التي كانت تحتلها تقليدياً وزارة الخارجية السعودية ذاتها في سُلّم المؤسسات الحكومية كنتيجة طبيعية لتقدم أدوار مؤسسات أخرى على حسابها ، وهنا بالضبط يبرز دور مؤسسة الديوان الملكي السعودي ممثلة بإحدى أكثر شخصياتها إثارة للجدل ، أجل ، إنه سعود القحطاني ، المستشار في الديوان الملكي السعودي برتبة وزير والمشرف على مركز الدراسات والشؤون الإعلامية ، فهذه الشخصية الإشكالية تتصدر الآن مشهد سعودية ، ومع أنها في الحسابات القياسية الكاريزمية والوجاهية والدبلوماسية والسياسية تقترب من درجة الصفر إلا أن شخصية سعود القحطاني تستمد طغيانها المعنوي والمادي من قوة وسعة صلاحياتها التي يمنحها لها ولي أمرها ، ولنا في صفحة تغريداته التويترية (التي يسميها شخصية) أقرب مثال على مدى تأثير المستشار القحطاني في الساحة السعودية ، أفقياً وعامودياً ، فكما لو أنها تعليمات وتوجيهات فوقية ملكية تكاد التغريدات القحطانية (الشخصية) تكتسب الصفة الرسمية التعميمية على سائر المؤسسات الهرمية الحكومية ، فتجد الكل السعودي من الخفير إلى الوزير يلتزم بها حرفياً ، وترى الصحف الورقية والإفتراضية ومعها الصفحات التويترية الإنتلجنسية والذبابية الإلكترونية تتغنى بها جماعياً في آن معاً ، لا بل إن وكالات أنباء عالمية مرموقة لا تتردد أحياناً بنشر تغريداته (وليس تغريدات وزارة الخارجية السعودية) بإعتبارها أخباراً مهمة تكتسب مصداقيتها من قوة ونفوذ صاحبها المقرب جداً من الملك المقبل .

 

هكذا يكتسي وجه سعودية محمد بن سلمان ملامح وجه سعود القحطاني ، وعلى النقيض من مرحلة سعود الفيصل تعكس مرحلة سعود القحطاني خللاً فاضحاً ومزرياً في الأداء على مختلف الأصعدة السعودية ، داخلياً وخارجياً ، مظهراً ومحضراً ، وهنا بوسع المراقب أن يصل إلى تقييم  شامل لهذه المرحلة بمجرد إستعراض تغريدات القحطاني ذات التأثير الأوسع نطاقاً في قلب وجنبات المملكة على المستوى الرسمي قبل وأكثر من غيره ، وقد يكون بالتوقف عند أحدث تغريداته ما يضعنا في تفاصيل الصورة التي تبدو عليها السعودية الحالية ، إذ يكتب القحطاني من موقعه الإستشاري الملكي مماحكاً جيرانه القطريين : ( كمواطن ، انتظر بفارغ الصبر والشوق تفاصيل تطبيق مشروع قناة جزيرة شرق سلوى ، هذا المشروع العظيم التاريخي الذي سيغير الجغرافيا في المنطقة . تغيير الجغرافيا لا يقدر عليه في كوكب الأرض إلا قادة هذه البلاد الطاهرة العظيمة . حفظ الله مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد) .

 

بمثل هذه الكلمات المهلوِسة ، الموغلة في شغب المناكفات الصبيانية العابثة ، قد لا نحتاج بالضرورة إلى خبراء سايكولوجيين حتى نصل إلى تشخيص سريري لحالة سعود القحطاني ، فعلاوة على علة (جنون العظمة) الفاقعة ثمة هناك علة (الهستيريا) الناصعة ، وتندمج هاتان العلتان لتشكلان معاً علة ثالثة هي التي تتطلب تدخلا من الخبراء السايكولوجيين لا لشيئ إلا لكي يتفقوا على الإسم التصنيفي العلمي المناسب لها ، وحتى ذلك الحين ولأنها تطبَع المرحلة السعودية الراهنة بطابعها الفارق ، فلا بأس من تسميتها : (علة المرحلة السعودية القحطانية) ، وعندما يقال أنها علة تطبَع المرحلة السعودية الراهنة فليس اعتباطاً ولكن لأنها (هي أو فوبياها) تعتري الكثيرين من أعلام الساحة السعودية ، من مثقفين وصحفيين وكتاب وأكاديميين ودعاة دينيين ، لا يجد جلهم بُدّاً من إعادة التغريد بما يتفتق عن علة سعود القحطاني من شطحات تغريدية هرائية أو حتى التنويع عليها والتنظير لها في نتاجاتهم المقروءة والمسموعة والمرئية ، وكل ذلك بعضه خوفاً ، وتلك مصيبة ، وبعضه تزلفاً ، وتلك مصيبة عظيمة ، وبعضه الآخر توافقاً ، وتلك المصبية الأعظم … ورحم الله زمن سعود الفيصل .