هجمات باريس: مَنْ انتصر لِمَنْ؟ وماذا عن معركة الوعي؟! 

0

مساء أمس الجمعة وفجر اليوم السبت وقعت الهجمات التي ضربت 6 مناطق من باريس بخاصة شمالها، الاستاد حيث كان “فرانسوا هولاند” الرئيس الفرنسي يحضر مباراة لكرة القدم بين منتخب بلاده والمنتخب الألماني، وكما هو معروف فإن الأمن الفرنسي بادر  بإخراجه من الملعب،  ومنع 60 الف مشجع من مغادرة الاستاد لفترة، وفي موقع آخر من شرق باريس تم الهجوم على متفرجين على حفل موسيقي، واحتجاز رهائن، وفي النهاية تم تقدير عدد الضحايا ب”140 قتيلاً” على الأقل بالإضافة إلى مئات الجرحى حالة 180 منها حرجة، حتى وقت كتابة هذه الكلمات، وإعلان حالة الطوارىء في فرنسا، وبالتالي الحرب على الإرهاب وسط دعم عالمي واستنكار بداية من الولايات المتحدة الأمريكية بتصريح من باراك أوباما رئيسها، وحتى رجب طيب أردوغان رئيس تركيا..

الأحداث تعد الأكثر دموية بعد تفجيرات لأربعة قطارات في “مدريد” وضواحيها مما تسبب في وفاة 191، وجراح حوالي 1000، في 11 من مارس 2004م وأعلنت خلية إرهابية نسبتْ نفسها إلى تنظيم القاعدة، او ما أُفق على تسميته بالقاعدة مسئوليته ..

أما أحداث الأمس فإن ما يُسمى، ايضاً، بتنظيم الدولة الإسلامية أعلن مسئوليته ببيان تصدره آية قرآنية، وبالطبع فإن الإسلام برىء من ذلك التنظيم، وإن الآية الكريمة التي تحض على القتال بريئة من استخدام التنظيم السالف الذكر لها..

أما ما يستحق التوقف حيال أحداث الأمس بخاصة إن آخر أحداث منسوبة إلى الإرهاب أيضاً تعرضتْ لها العاصمة باريس كانت في يونيو من العام الماضي وتسببتْ في مقتل 17 من صحفيي ورسامي جريدة “شارلي إيبدو” التي نشرتْ رسوماً مسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، في 2006، و2102م، وكان من بين القتلى شرطي و4 من اليهود على مدار يومين ..أما ما يستحق التوقف وتذكر  ما حدث العام الماضي فرد الفعل البالغ الاختلاف من مسلمين هنا وهناك على اتساع الوطن العربي بوجه خاص، والإسلامي بوجه عام، وغني عن البيان إننا نتناول وطناً واحداً بمفهوم التجانس اللغوي ومن قبل الديني والموروثات المتعددة حينما نذكر الوطن العربي، فهو ليس عالماً يموج بما هو متناقض، وكذلك نأمل أن يكون الحال في العالم الإسلامي .. نأمل أن يصبح وطناً واحداً، وإن كان أمراً عزيز المنال فإن الآمال ما كانت إلا لعزيز على الدوام؟!

من المنتسبين لديننا الحنيف الذين رأوا الأمر انتصاراً للعدالة من طرف واحد، فالغرب بما فيه فرنسا الداعم لعنف وإرهاب الحكومات والأنظمة في الوطن العربي بخاصة الإنقلاب الدموي في مصر، وقد راح ضحيته آلاف المعارضين له الداعمين للشرعية والديمقراطية، مستشهدين بطائرات الرافال الفرنسية التي باعتها للسلطة المغتصبة لإرادة الشعب وغيرها، ومن المسلمين الذين قالوا بإن الأمر عقاب من السماء لقبول بل دعم فرنسا ومشاركتها لما يحدث في سوريا الشقيقة من تدخل خارجي سافر من قبل “روسيا” في شئونها، ومناصرة فرنسية مع اختلاف في وجهات النظر سنأتي إليه، ومنهم .. من المسلمين الذين رأوا إنه ما استمرتْ سياسات الغرب في الكيل مكيالين ستسمر هذه الحوادث، وهي من باب “العين بالعين والسن بالسن” فما من داع لتسميتها إرهابية، وفرنسا نفسها تصمتْ عن الاحداث الإرهابية من قبل العدو الصهيوني على إخواننا الفلسطينيين منذ عشرات السنوات، بل ذهب البعض إلى القول إن فرنسا نفسها لها تاريخ دموي في الوطن العربي أسفر عن مقتل مئات الآلاف بخاصة في الجزائر .. ولعل الحادث الأخير وأشباهه رداً ليس أكثر ..

أمثال “هؤلاء” الحقيقة يسئيون لأنفسهم قبل غيرهم، ولاتمثل مثل هذه الكلمات، وإن ترددتْ على امتداد وطننا الإسلامي والعربي المفترض إلا “ترهات” لا تعلو إلى الفكر بحال من الأحوال، ولا تمثل إلا انفلاتاً وجدانياً معبراً، من آسف شديد، عن فوران مشاعر غير محسوب يصب في المهدر من طاقات الأمة ليس أكثر هنا وهناك، وايضاً ما يحتمل أو يترتب عليها من عمل يصب في تلك الخانة على كل حال ..

أما إن الأمر يخص شقين، من وجهة نظر صاحب هذه الكلمات، تتفرع منهما أمور متعددة لكن الأساس:

الغرب ليس وحدة واحدة، يخطىء كثيرون لما يضعوا البيض كله في “سلة” بعينها، وتكسره من بعد وضعهم له لا يُساوي إلا تكسراً في معنوياتهم ونفسياتهم.. وهدراً لطاقاتهم هم، هذا من ناحية، أما الأمر الأكثر أهمية فإن ديننا الحنيف برىء تماماً من مثل هذا الإجرام، إن صح إن منفذيه مسلمين مخلصين لدينهم وإسلامهم، وليسوا موتورين أو مندسين، او ممولين من مجرمين هنا وهناك، وإلا فأين منا قوله تعالى:

“من قتل نفسٍ بغير نفس او فسادٍ في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً”

والآية الكريمة قالت “نفساً” ولم تقل مسلماً..

ولعل علماء الدين أكثر تخصصاً في بيان الأمر لكن المتفق عليه إن النفس لا تقتل في النفس بحال من الأحوال، وإن الوضع المأساوي للمسلمين منذ عشرات السنوات، إن لم يكن أكثر هو المسئول عن تدخل الغرب بقسوة في مقدراتهم، وإهدار دمائهم، وإن تواكل المسلمين وعدم قدرتهم على الأخذ بالأسباب أخذاً حقيقياً يساوي وجودهم على السلم الحضاري، برأي كثير من مفكريَ وجاديّ علماء المسلمين المخلصين من مثل:مالك بن نبي، محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، وغيرهم، وإنه لولا جنوح المسلمين إلى الدعة التامة بمفومها السىء والراحة لما استطاع عدوهم إعمال مكره ومؤامراته فيهم، وإن معركة المسلمين الحقيقية اليوم مع أنفسهم، باستنهاض طاقاتهم وقدراتهم، والتغلب على نعاسهم الحقيقي الشخصي قبل الحضاري، وإن التفرغ ل”لعن الغرب” لمواقفه منا ، في صورة الحكومات ليس إلا درباً من الخبال، وإلا فكيف تنام عن نفسك ثم تعاتب اللص لما يسرقك؟ أو تريد مهاجمته عبر أقاربه وأهل بيته عقاباً على سرقة وأنت نائم وتروح تكرر الأحداث لتقرر لدى الذين لا يفهمون من الطرف الآخر .. إنك مجرم، والذين يفهمون سيقرورن إنك مجرم بمقدار إجرام حكوماتهم!

أما الشعوب الغربية التي يريد بعض “المُنتسبين” إلى الإسلام الانتقام منها فإن أمثال هذه الأمور تدفعنا بعيداً عن العقل وصورته الحقيقية بآلاف الأميال إن لم يكن أضعاف أضعافها، إنما المطلوب منا إيصال رسالة “حضارية” متألقة بإن ديننا دين الرحمة، وإننا ما نستطيع مجاراة أوامره ولذلك نظل في موقفنا الحالي، وإنه لا يجوز ظلمنا لضعفنا الحالي، وعندما نتقدم خطوات في هذا المسار تيجىء مثل هذه التفجيرات لسحبنا إلى الخلف، حتى إن البعض ينسبها لبعض الغربيين مدعياً إنها تصب في مصلحة أنظمته لإقرار إننا مجتمعات تستحق ما يفعلونه بنا، وهو غير المُستبعد في ظل التفاوت العقلي المعتاد بين الناس هنا وهناك، والبعض يقول إنها من فعل الرئيس السوري المجرم القاتل “بشار الأسد” لإن فرنسا ترى “خلعه” ..

والنتيجة تخبط حضاري أكثر، ولاحاجة لتكرار إن الإسلام برىء من هذه الأفعال، ولكن يتم تدليس الأمور ونسبتها إليه بفعل بعض الموتورين سواء من أبناء الإسلام أو من قبل غيرهم . . وإلا فكم سيجر مثل هذا التفجير على المضطرين للهجرة من أبناء الإسلام إلى فرنسا وأوربا؟!

بعض الجادين من المخلصين يقولون إن الرسالة الحقيقية التي يجب أن تصل إلى الغرب مفادها إن إرهاب حكوماتكم نحو المسلمين هي التي تدفع ببعضهم ليقوموا بمثل هذه الأمور غير المقبولة من ديننا الحنيف، ولكن كم من الوقت تحتاجه مثل هذه الإطروحات ليفهمها “الآخر” المصاب في عقر داره، ثم إننا نسلم الراية إليهم معترفين بما نسبه موتورن إلى أنفسهم .. ولا ندري على أي نحو؟!

الأمر فعلاً عظيم ولكن العالم الذي يموج بالظلم لا يفكر في حل للمعضلة، لا من الطريق الخاص بالأنظمة والحكومات، ولا من حيث الضغط الشعبي، لا يحاول إنهاء مظالم الضعفاء، وهم في حالتنا يساهمون في ظلم أنفسهم، وبالتالي يزداد الضغط على عديميَ العقل والضمير، حتى تجىء مثل هذه الحوادث “الإرهابية” لتزيد من سوء فهم الشعوب الغربية بوجه عام، مما يقلل من ضغطها على أنظمتها، أو يمحوه .. لتستمر المعاناة ..لولا الأمل في لطفه تعالى .. وتعزيز الفوز في معركة أراها الرئيسية في وطننا العربي الإسلامي المأمول .. “معركة الوعي” .. منها تتم هزيمة الشرفاء المخلصين داخل أوطانهم وخارجها!

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.