البوم الصور..مقبرة عائلية

0

** يمكن للكون ان يتجمد أو يتكثف ويختزل..في صورة أو لوحه.

** يحدث ذلك عندما نضغط على زر الكاميرا أو نضع إطارا للوحة .

** في السابق..كان للصورة قيمتها ووزنها وايقاعها، وحتى طقوسها.

** كان الأهل يخبرونا قبل وقت طويل بموعدها، وكنا نبتهج ونحتار في اختيار ملابسنا على قلتها وربما ندرتها وانقراضها .. لكنا كنا نفرح، ربما بدون مبرر.

** ..وزمان ايضا، كنا نذهب كعائلة ونصطف كعائلة ونعود من “الاستديو” ..كعائلة !

** كبرنا وكبرت “الاستديوهات” وخرج الرجل الذي يصورنا من صندوقه العجيب وقماشه الأسود الملتف حول رقبته ، وصار يرانا ونراه.

** حف الشعر فوق شفاهنا فكان لا بد من رسومات جانبية ، خلفنا، ، صماء طبيعية أكثر من الطبيعة نفسها في بداية برائتها وبرائتنا، وحين تسلسل الخبث الينا، أحضروا لنا صورا لنجم الكاراتيه بروس لي وحسناوات تركيات وأمريكيا.

** تبعا لذلك صارت أجسادنا الضئيلة تختفي في جسد “بروس لي” وحركاته الرشيقة فتظهر رؤسنا تحت شعر بروس لي، ويختفي ضعفنا وهزال عضلاتنا.

** ووقفنا أمام وبجانب حسناوات هوليوود وممثلات تركيات لم نكن نعرف منهن غير جمال وجوههن، فصرنا عشاقا لفتيات كن سينتحرن حتما لو صحون على صورنا واجسادنا البشعة المخيفة ..تطوقهن.

** في المدارس..كان المصور يأتينا فجأة، فتختفي كثيراً من تفاصيل فقرنا وبشاعتنا في صورة فيها عشرات الاشخاص، حجم الواحد فيهم في الصورة أكبر من حجم رأس الدبوس بقليل..فتدارينا خلفها.

** ..” انني احتفظ لليوم بكنز كنت أحرسه طيلة الايام الشداد التي يتألف منها التقويم اليومي…ما الذي كنت سأفعله بدون هذه المقبرة العائلية التي تجعل كل شيء واضحا لعيان ومكشوفا تماما”.. بهكذا الكلمات يختزل الأديب الالماني جونتر جراس البوم الصور الذي يسميه “مقبرة عائلية “

** الا نكبر ونزول أو نترك بأهمال في “مقبرة عائلية” لتبقى صورنا جرحا غائرنا في صدر حياتنا.. يكشف عوراتنا لمحبينا بعدنا!

** يكمل جراس في رواية “طبل الصفيح” كلامه المؤثر عن الصور فيقول عن الالبوم ” كان الألبوم يحتوي على 120 صفحة في الواحدة منها أربع أو ست صور وربما صورتان، وكانت الصور موزعة ومتناظرة ومنتظمة لكن كل ذلك ليس شرطا، كان ذلك عاما وليس مخصصا، وكان الالبوم مغلفا بالجلد وكلما ازداد عتقا اشتدت رائحته قوة، وقد مرت عليه عهود تعرض فيها للأعاصير فتزحزحت الصور من أماكنها، واصبح وضعها الحائر المضطرب يجبرني أحيانا على البحث عن لحظات الهدوء وعن الفرص المناسبة لاعيد تلك الصور الموشكة على الضياع لوضعها الأصلي، فأي شيء في هذا العالم، أو أي رواية، يمكن أن تتمتع بسرد ملحمي مثلما يتمتع البوم الصور”؟

** في عصر الديجتال ..صارت الصورة تؤخذ في ومضة وفي طرف عين اختفت الطقوس والمناسبات والإستعدادات وحتى الذكريات وصرنا مجرد رقم يتتابع في دفتر أيام مستعجل حتى على الرحيل من أمامنا حتى لايضمنا بين طياته.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.